الرئيسية » سياسة واقتصاد » التحالف المستقبلي بين روسيا والعالم العربي والانهيار المقبل للرأسمالية – الجزء الثاني / حاص للموقع
التحالف المستقبلي بين روسيا والعالم العربي  والإنهيار المقبل للرأسمالية

التحالف المستقبلي بين روسيا والعالم العربي والانهيار المقبل للرأسمالية – الجزء الثاني / حاص للموقع

   على أن الخلفية الأساسية للأزمة الرأسمالية الحالية نشأت في فترة أسبق وتحديداً في الفترة بين عامي 1971 – 1973 حينما إنهارت أسعار الصرف شبه الثابتة لنظام بريتون وودز، مما أدى للتوسع في استثمار الأسهم والإقراض المصرفي على الصعيد العالمي إثر تدويل أسواق رأس المال، وخصوصاً أسواق النقد، وهو ما دشن ما قد يحسب أنه عولمة النشاط الاقتصادي نظراً لتعقيد العلاقات الاقتصادية العالمية .

   وبالرغم من أن الأزمات طالما ضربت الاقتصاد الرأسمالي عبر تاريخه، إلا أن هذه الأزمة تعد الأسوأ منذ الأربعينات التي شهدت الحرب العالمية الثانية، وقد نشأت نتيجة هذا التشكل التشكل الجديد للرأسمال، وتحول كتلة هائلة منه إلى النشاط المضارب، وبالتالي اختلال العلاقة بين الرأسمال المنتج والمال البنكي لمصلحة الأخير، مما أدى لنشوء هذه الأزمة الجديدة والأكثر تعقيداً من تلك الأزمات الدورية التي كانت الرأسمالية تمر بها ومازالت مستمرة رغم كل محاولات تجاوزها .

   لقد كانت " العولمة " إذن هي سبب المشكلة الكبرى التي تعاني منها الرأسمالية في الفترة الحالية، لكنها كذلك سبب عدم قدرة العالم الرأسمالي على الحل الجوهري لهذه المشكلة ، فتحول الاقتصاد من قطاع الإنتاج إلى القطاع المالي أدى لتحكم الطغم المالية بمجمل الاقتصاد، وبالسلطة في الدول الرأسمالية، بحسب تعبير أحد المثقفين اليساريين: " هذا الأمر فرض أن تتحكم الطغم المالية بمجمل الاقتصاد، وبالسلطة في الدول الرأسمالية، وأن تفرض منطقها عالميا، لكنه فرض كذلك أن تصبح آليات النهب هي السائدة في مجمل النمط الرأسمالي، ومن ثم يصبح الشكل الريعي هو الشكل (الطبيعي) في الأطراف، وأن يعود مبدأ (الإفقار المطلق) هو الشكل المهيمن من جديد في المراكز الإمبريالية (تخفيض الأجور، والتخلي عن الضمان الاجتماعي والصحي والتعليم المجاني، وزيادة العاطلين عن العمل).  وإذا كانت أزمة فيض الإنتاج قد عادت بعد نهوض أوروبا واليابان من جديد، ووضعت الاقتصاد الحقيقي في أزمة عميقة، فقد أوجد الشكل الجديد للرأسمال بهيمنة الطغم المالية (التي تنشط في المضاربات والمشتقات المالية وأسواق الأسهم والمديونية) أزمة أخطر، هي تلك المتعلقة بتضخم القيم دون وجود فائض قيمة، والذي يتمثل في تصاعد قيم المواد (وهنا العقارات والأسهم والعملة وحتى السلع الغذائية) بشكل تضخمي نتيجة المضاربات المالية " . وبالتالي فإن الحل يفترض القضاء على هذه الطغم المالية المسيطرة : " هذا التشكل للرأسمالية- وهو التشكل الأحدث الذي يتسم بسيطرة الطغم المالية- يؤشّر على أنها باتت تعاني من تضخم سرطاني لا علاج له، لهذا دخلت في دائرة الأزمات المستمرة، وفي وضعية إدارة الأزمة دون التفكير في إمكانية حلها، بالضبط لأن حلها يفترض شطب الطغم المالية ذاتها، وحرق تراكم مالي هائل بات عبئاً على الاقتصاد الحقيقي، ولهذا سنشهد أزمة مستمرة متصاعدة، مع انهيارات متتابعة بين الحين والآخر يمكن أن تطيح بدول" .

   في كتابهما " فخ العولمة " يقول هانس – بيتر مارتن وهارالد شومان عن هذه الرأسمالية التي كانت صاعدة بقوة إندفاع الطائرات النفاثة: "هي في طريقها لهدم الأساس الذي يضمن وجودها: أعني الدولة المتماسكة والاستقرار الديموقراطي. فالتغيير وإعادة توزيع السلطة والثورة يقضيان على الفئات الاجتماعية القديمة بسرعة لا تعطي الجديد فرصة لأن يتطور على نحو متزامن معها . وهكذا أخذت البلدان التي تعتبر حتى الآن بلدان الرفاهية تستهلك رأسمالها الاجتماعي، الذي يضمن لها حتى الآن الوحدة والتماسك، بخطى سريعة جداً تفوق حتى الخطى التي تدمر بها البيئة"  .

   ويشير المؤلفان إلى تداعيات العولمة في أمريكا والتي انتشرت فيها الجريمة كالوباء، وأصبح المواطنون ينفقون على حراسهم ضعف ما تنفق الدولة على الشرطة في حين تعاني أوروبا واليابان وكذلك الهند والصين من التفتت وتنقسم إلى قلة قليلة من الرابحين وأغلبية ساحقة من الخاسرين .

   إن "العولمة" إذن في مرحلة صعودها تفترض تآكل قدرات الدولة وتقييد فاعليتها، وتحويل السياسيين لرجال مسلوبي الإرادة ، كما يقول المؤلفان: "فسواء تعلق الأمر بتحقيق العدالة الاجتماعية أو بحماية البيئة أو بالحد من سلطة وسائل الإعلام [المتحيزة – المترجم] أو بمكافحة الجريمة العابرة للحدود، صارت الدولة إذا ما أرادت تحقيق هذا أو ذاك بمفردها، مرهقة مثقلة الكاهل، وإن أرادت تحقيقه بمشاركة وتعاون دوليين فإن حصيلة ذلك هي الفشل والإخفاق دائماً. وإذا ما ظلت الحكومات تتحجج في كل المسائل المستقبلية الجوهرية بما يمليه عليها الاقتصاد المعولم من مواقف لا قدرة لها على التحكم بها ، فعندئذ تصبح السياسة برمتها مسرحاً يضم حشداً من رجال مسلوبي الإرادة، وتفقد الدولة الديموقراطية شرعيتها ".

   ويؤكد دكتور سمير أمين في محاضرته بندوة العرب والنظام العالمي الجديد سنة 1998 ، على أن أحد أهداف العولمة هو ضرب النظم الحكومية وتفتيت المجتمعات: "هذا النوع من العولمة لا يمكن أن ينتج أي نوع من السلام أو القبول الاجتماعي . فهو نظام قائم على الانفجار المستمر، على انفجارات وانتفاضات مستمرة . فسياسة إدارة الأزمات [تتم] إما من خلال التدخل العسكري المباشر، كما حدث في حرب الخليج الثانية، أو من خلال تحريك القوة التي تؤدي إلى التخلص من نظم الدولة باسم الإثنية والدين واللامركزية، لدرجة أن الهدف هو (إدارة الأزمة) من خلال ضرب النظم الحكومية، نظم الدولة وكسرها نهائياً، وتفتيت المجتمعات إلى مجتمعات لا نهاية لها على أسس إثنية ودينية وغيرها. وسياسة إدارة الأزمة لها جانبان: جانب اقتصادي يتمثل في أسعار الفائدة والديون الخارجية، وجانب سياسي يتمثل في الاستغلال الواعي للقوى التي تؤدي إلى تفتيت النظم، نظم الدولة " .

   ويعترف حتى المؤيدين للعولمة بأنها سوف تؤدي لضعف دور الدولة، إلا أن بول هيرست وجراهام طومبسون، يؤكدان على أن الدولة القومية لن يكون هناك مجال للتخلي عنها: " على حين أن إدعاء الدولة بالسيطرة الحصرية على رقعة أراضيها قد تقلصت بفعل الأسواق العالمية ووسائل الإتصال الجديدة، فإنها لا تزال تحتفظ بدور مركزي واحد يكفل لها قدراً كبيراً من السيطرة على الإقليم وضبط السكان . فالبشر أقل حراكاً من النقود والسلع والأفكار، وهم يظلون، بمعنى ما، (مؤممين)، يعتمدون على جوازات السفر وسمات الدخول والإقامة ومؤهلات العمل . وإن دور الدولة الديموقراطية ، كمالك لرقعة الأرض ، يكمن في ضبط سكان هذه الرقعة، وهذا يمنحها شرعية محددة فريدة، عالمياً، حيث أن لها الحق في النطق باسم هؤلاء السكان " .

   ويرى المؤلفان أن الثقافة الكوزموبوليتية والتي ستنشأ عن هذه العولمة سوف تمنح الدولة دوراً جديداً في تدبير أمور هذا التنوع في اللغات والأديان المنتشرة في المدن الكبرى خاصة بالدول المتقدمة، بأن تتصرف كسلطة عمومية تتيح لهذه الجماعات المتوازنة التعايش وحل النزاعات فيما بينها .

   وربما كانت تصورات هيرست وطومبسون حقيقية بالنسبة لمرحلة ما قبل أزمة 2008، حيث كان من الممكن بالنسبة للمركزية الرأسمالية في أمريكا وأوروبا واليابان والتي تحرك إقتصادها الشركات التي لا دولة لها، بحسب تعبير الياباني كينيتشي أومي، الاكتفاء بالضغط من أجل إضعاف التدخل الحكومي في الاقتصاد والتمكين لسيطرة الشركات على الهيئات الحكومية، عبر المطالبة بلا مركزية بعض الوحدات السياسية على الأكثر .

   ويضيف المؤلفان الانجليزيان أنه في عالم مثل هذا: " لابد لفاعلية القدرة العسكرية القومية من أن تضعف. إذ لن يعود بالوسع استخدامها لتحقيق غايات اقتصادية، لأن سيطرة الدولة القومية في المجال الاقتصادي تكون قد تلاشت إلى حد كبير " .

   على أن اللامركزية التي كانت تمثل أحد وسائل ضرب نظم الدولة فيما قبل أزمة 2008 ، تحولت في الفترة الحالية إلى مسعى حثيث من أجل التفتيت الكامل وإعادة تشكيل الوحدات السياسية في مناطق الأطراف ومناطق الرأسمالية الطرفية، دون تدخل عسكري مباشر وإنما عبر ما ذكره سمير أمين بدقة في ندوته: " الاستغلال الواعي للقوى التي تؤدي إلى تفتيت النظم، نظم الدولة " .

  لقد تطلب الصعود السريع للعولمة عسكرة الإمبريالية ، بحسب تعبير الدكتور سمير أمين في كتابه "ما بعد الرأسمالية المتهالكة" الصادر في 2003 ، بحيث شهد العالم تدخلات عسكرية مباشرة للولايات المتحدة في مناطق متفرقة كانت تسعى من خلالها لمحاولة تحطيم القوى التي يمكن أن تمثل تهديد ماثل ومستقبلي كروسيا ويوغسلافيا والصين والهند ، وتحت هذا المسعى كان تدعيم أوروبا وأمريكا للمتمردين الشيشانيين والتدخل الأمريكي في يوغسلافيا بمباركة أوروبية ، ويرى سمير أمين أن : "الهدف المعلن لاستراتيجية الهيمنة الأمريكية هو عدم التسامح إزاء وجود قوة قادرة على الاعتراض على أوامر واشنطن، والبحث عن كيفية تفكيك البلدان المعتبرة (كبيرة أكثر من اللزوم)، وخلق أكبر عدد ممكن من البلدان الركيكة، التي يسهل إقامة قواعد أمريكية فيها من أجل حمايتها . دولة واحدة يحق لها أن تكون كبيرة، هي الولايات المتحدة، بحسب تعابير آخر ثلاثة من رؤسائها، (بوش الكبير ، كلينتون ، بوش الصغي)"  .

   ويرى سمير أمين في كتابه سالف الذكر أن غزو الولايات المتحدة لأفغانستان كان يستهدف التحكم بالمفصل الذي كان، منذ القدم، ولا يزال، يقطع أو يربط بين آسيا (الصين والهند) ، وبين أوروبا وأفريقيا . ويضيف بشكل تنبوئي : " عندئذ تكون الولايات المتحدة قد ضيقت الخناق على حليفها الأوروبي المُخضَع، وعلى الدول العربية التي تعتبر شعوبها خطراً محتملاً (مصر ، سوريا ، العراق …) ، وعلى روسيا والهند والصين، التي ينظر إلى طاقاتها، دائماً كتهديد ماثل ومستقبلي .

   على أن فشل سياسات التدخل العسكري الأمريكي المباشر في تحقيق الأهداف النهائية للرأسمالية المركزية وكونه أحد أسباب الأزمة التي عصفت بها منذ عام 2008 ، أجبر الأمريكيين على سحب قواتهم من العراق بشكل كامل ، والتقليل من تواجدها في كل من أفغانستان والخليج العربي عقب التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران .

   وبغض النظر عن المحاولات الأمريكية لتفتيت الوحدات السياسية التي تشكل خطورة عليها ، كما أشار الدكتور سمير أمين ، فإن تفتت الوحدات السياسية يمثل أحد أهم مظاهر سقوط أنماط الإنتاج، وهو ما برز بوضوح في أوروبا بعد فشل الحروب الصليبية والأزمة التي عانى منها الإقطاع الأوروبي بدءاً من القرن الثاني عشر، حيث نمت المدن الأوروبية في غرب أوروبا معتمدة على حركتي التجارة والصناعة ، وتشكلت جمهوريات في بعضها مثل البندقية ومارسيليا ، ولندن بدرجة أقل ، واتجهت الكثير من المدن نتيجة رغبتها في حماية مكتسباتها الاقتصادية إلى نزعة أكبر من الاستقلال مقابل ضعف سيطرة السلطة المركزية الإقطاعية .

   ومن الملاحظ أنه بينما كان الإقطاع يعاني من الضعف والهزال نتيجة استنزافه في الحروب الصليبية، فإن المدن بعد حصولها على قدر أكبر من الاستقلالية، تمكنت عبر نمو نمط إنتاج جديد اعتمد بالأساس على التجارة وتطور الصناعات الحرفية، من الازدهار الاقتصادي وهو ما تطور لاحقاً لثورة برجوازية تجارية .

   ويشير هانس بيتر مارتن وهارالد شومان إلى توقعات الإيطالي المختص بشئون المستقبل ريكاردو بيتريلا بسعي العولمة لتكرار هذا المصير وأن السلطة ستكون: " في أيدي مجموعة متحدة من رجالات أعمال دوليين وحكومات مدن، همها الأول هو تعزيز القوة التنافسية لتلك المشاريع والمؤسسات العالمية المستوطنة في مدنها"  .

   وإذا كانت النزعة التفتيتية المنتشرة في مناطق الأطراف وخاصة بالشرق الأوسط وإفريقيا وحتى شرق أوروبا وربما الشرق الأقصى لاحقاً، هي نتيجة مباشرة لضغوط الرأسمالية التي تسعى لعلاج أزماتها على حساب دول وشعوب هذه المناطق، كما أشرت سابقاً، خاصة أن الوحدات السياسية الكبرى مهما بلغ ضعفها لم تعد محتملة بالنسبة للرأسمالية الغربية، فإن هذه الميول للتفتيت ومع تراكم الأزمة سوف تمتد كذلك إلى المركزية الرأسمالية ذاتها، كونها من أهم علامات إنهيار نمط الإنتاج بشكل عام والرأسمالية بشكل خاص .