الرئيسية » حضاريات » التديّن في العصر الحديث – مصطفى ملكيان / ترجمة فاخر السلطان الجزء الثاني
التديّن في العصر الحديث

التديّن في العصر الحديث – مصطفى ملكيان / ترجمة فاخر السلطان الجزء الثاني

لكن إذا طبّقنا نهج التعبّد فستكون النتائج ما نشاهده بوضوح في حياة الشباب اليوم. فهؤلاء الشباب لن يقبلوا الكلام استنادا إلى أن فلانا قاله، بل يشترطون توضيحه عن طريق الاستدلال، أو عرض رجحانه المعرفي، أو على الأقل إثبات معقوليته.

المشكلة الثانية التي تواجه التديّن في عصرنا الراهن هي أن هذا العصر أصبح ماديّا. بالطبع لا من حيث الجانب الفلسفي بل من حيث المنهجية. معنى المادية (materialism) و”المادية الفلسفية” (philosophical materialism) هو أن يعتقد الفرد بأنه باستثناء عالم العواطف والأحاسيس، وعالم المادة والأشياء المادية، والعالم الجسدي، فإنه لا يوجد أي عالم آخر ولا أي موجود آخر ولا أي جوهر آخر ولا أي قوة أخرى. ليس لزاما على الإنسان الحديث أن يكون قائلا بالمادية الفلسفية، بل يوجد الكثير من الناس اليوم ممّن هم ليسوا من أتباع المادية الفلسفية، وهم يعتقدون بوجود عوالم أخرى غير عالم الطبيعة الذي نعيش فيه. لكن هناك نوعا آخر من المادية ترسّخ في ذهن إنسان اليوم وهو “المادية المنهجية”(methodological materialism). وهذه لا تقول بوجود عالم آخر وراء عالم الطبيعة. فحينما نتعامل مع ظاهرة مادية في عالم العلوم الطبيعية التجريبية وفي عالم العلوم الإنسانية، بالتأكيد سنقول بأن علة مادية تقف خلف وجود هذه الظاهرة. لذا يعتقد الإنسان الحديث بالمادية المنهجية، لأنه إذا لم يكن يعتقد بذلك لن يكون لكثير من أنشطته أي معنى. المثال الواضح على ذلك هو: منذ بدء التاريخ البشري الذي دوّنه الإنسان، لم يتم اكتشاف علل مرض السرطان. إذا لم يكن للمادية المنهجية وجود، لتساءل الناس كم قرن نحتاج للبحث في العلل؟ السرطان في ذاته هو ظاهرة مادية، لكن إذا اتضح للعلماء أن علله غير مادية، لكانوا توقفوا عن البحث في علله المادية. إذاً لماذا لا تزال جهود الأطباء مستمرة للكشف عن علل هذا المرض رغم الجهود الفاشلة التي بذلت عبر التاريخ؟ لأنهم يعتقدون بأن العلل لم تُكتشف بعد، وسوف يتم اكتشافها يوما. فاستمرار هذه الجهود هو بسبب استنادها إلى عقيدة أساسية تقول بأن السرطان هو ظاهرة مادية وأن للمرض عللا مادية. إذا لم يكن لهذه العقيدة وجود في أذهان الأطباء والعلماء والباحثين، لكانوا توقفوا عن الاستمرار في البحث.

حينما تكون المادية المنهجية حاضرة، فإنك ستبحث عن التفسير الطبيعي للعديد من الظواهر التي ينسبها المتديّنون إلى العوالم العليا. العلّة التي تجعل الكثير من المتديّنين يستمرون في تديّنهم هي الأحداث الخاصة التي تحدث في حياتهم، مثل استجابة الدعاء وشفاء المرضى. هم يعتبرون وقوع أمر محتمل جدا لكنه مقبول، وعدم وقوع أمر غير محتمل وسيئ وغير مقبول، دليل على وجود تدخّل من عالم الغيب في المسائل. لكن حينما ننظر للأمور من زاوية المادية المنهجية، سواء كان هناك إله أو لم يوجد، وسواء كانت هناك عوالم عليا أو لم توجد، يجب أن نقول بأن المرض هو ظاهرة مادية، ولمعالجته يجب أن نلجأ لاكتشاف علته المادية. هذا الأمر أدى اليوم إلى أن يكون الجانب الأكبر من حياة المتديّنين في مواجهة مع إعصار المنهجية، بينما الجانب الآخر من حياتهم والمرتبط بالعلاقة بين الإنسان وربه هو واحد من أربعة أجزاء تشكّل حياتهم الدينية، وهو أهم جزء فيها. بمعنى أن علاقة الإنسان مع نفسه، وعلاقة الإنسان مع الإنسان، وعلاقة الإنسان بالطبيعة، جميعها تقع تحت تأثير العلاقة بين الإنسان وربه. وهذا الجزء الأهم في نظر المادية المنهجية هو محل شك وشبهة، فمن يريد (مثلا) أن يدافع عن مسألة التربية والتعليم الديني يجب قبل ذلك أن يصل إلى توافق مع المادية المنهجية، وهذا التوافق من شأنه أن يتحقق بطريقتين: الأولى أن يتم رفض المادية المنهجية بصورة منطقية، أي من خلال سلاح المنطق لا غيره من الأسلحة. الثانية أن يتم التوضيح بأنه رغم صحة المادية المنهجية، مع ذلك فهي تتوافق مع تدخّل قوى ما وراء الطبيعة في الحياة.

المشكلة الثالثة التي تواجه التديّن في عصرنا الراهن هي أنه على الرغم من أن الإنسان الحديث لا ينكر الحياة بعد الموت، لكنه يعتقد بأن الاختبار الذي تتعرض له الجماعات الدينية والأديان والمذاهب سيكون دنيويا، أي لا يقبل هذا الإنسان بانتقال الاختبار إلى حياة ما بعد الموت. وتلك باعتقادي نقطة مهمة. ومثلما أسلفت، ليس ضروريا أن يكون الإنسان الحديث قائلا بالمادية الفلسفية، لكنه لا يستطيع إلاّ أن يكون ملتزما بالمادية المنهجية. لنتمعّن في جماعتين دينيّتين تسعيان لنجاة البشر، فنسألهما كيف يمكن أن نختبركما، كيف نعرف بأن الحق مع الجماعة الأولى وليس مع الجماعة الثانية، كيف نتحقّق من أن الجماعة الأولى تقول الحقيقة لا الجماعة الثانية؟ ولنفترض بأن كل جماعة قالت بأن شرعية مطالبها ستتحدّد بعد الموت، وأنها لا تملك أي معيار أو ميزان قبل الموت تستطيع من خلاله أن تدّعي بأنها تقول الحقيقة، ورغم ذلك فإن كل جماعة تطلب من الناس أن ينفّذوا كلّ ما تقوله وأن يلتزموا بالمعتقدات التي هي تعلن عنها وأن تسير عواطف وأحاسيس الناس في الطريق الذي هي تختاره وأن تصبح مطالب الناس واحتياجاتهم نفس المطالب والاحتياجات التي تقدّمها الجماعة وأن تسير أعمال الناس في المسار الذي هي تحدّده لهم. أي أن يصبح الناس متّسقين مع الجماعة الدينية في الجوانب الأربعة: المعتقدات، العواطف والأحاسيس، المطالب والاحتياجات، الأعمال. ثم نأتي نحن (الناس) ونسأل كل جماعة: ماذا سنجني من هذا الاتّساق؟ فتقول كل جماعة: لن تجنوا شيئا في هذه الدنيا بل كل ما ستجنونه سيكون بعد الموت في الدنيا الآخرة. لكن، عقل الإنسان الحديث لا يستطيع أن يقبل هذا الكلام. أي أنه سواء آمن الإنسان بوجود حياة بعد الموت أو لم يؤمن، سيرفض الفكرة التي تطرحها الجماعات الدينية والأديان والمذاهب بعدم انتظار نتائج الجوانب الأربعة في هذه الدنيا. وبانتقال النتائج إلى الحياة ما بعد الموت سيترتب على ذلك بروز مشكلتين: الأولى نظرية، تتمثل في عدم قدرة الإنسان على تحديد مكان الحقيقة ولدى أي جماعة دينية، وكذلك في ادّعاء كل جماعة بأن الحياة ما بعد الموت هي التي ستثبت وجود الحقيقة عندها.

أما المشكلة العملية فتتمثل في ادّعاء كل جماعة دينية بأنّ هدفها هو نجاة الإنسان، فإذا تم نقل النجاة إلى الحياة ما بعد الموت نكون قد تخلّينا عن اختبار ونقد الشيء الذي قد يؤدي إلى النجاة. لذلك، يجب أن نختبر نجاح أو عدم نجاح هذه المسألة في حياتنا الحالية وبصورة واضحة وصريحة. لا أقصد من ذلك أن نختبر مختلف الأمور كالسياسة والاقتصاد. فالإنسان الحديث لا ينتظر من الدين إنتاجا في السياسة وفي الاقتصاد. هو يريد شيئا من الدين لا يمكن أن يجده في غيره. يحتاج إلى خمسة أشياء لكي يعيش في هذه الحياة، وعلى الدين أن يوفّرها له في الدنيا، وإذا لم يوفّرها سيكون لا مباليا إزاء أي ادّعاء يطرحه الدين. هذه الأشياء الخمس هي: السعادة، السلام والهدوء، الأمل، الراحة الداخلية، وحياة ذات مغزى. وهي حاجات لم يطلبها من السياسة أو من الاقتصاد أو من العلوم التجريبية أو من الفلسفة، بل هو يتوقّع أن يوفرها له الدين، وإذا وفّرها، سيقتنع بهذا الدين أيّاً كان اسمه. هو لا يعشق جمال وجه صاحب أي دين من الأديان، ولا يعظّمه لأن الآخرين يعظّمونه. فهو حينما يذهب لشراء الخبز فلا دخل له بجمال وجه الخبّاز إنما له دخل بنوع الخبز. كذلك حينما يبحث عن حاجاته المعنوية/النفسية فإنه يبحث عمّن يوفّر له هذه الحاجات ولا دخل له بجمال وجه صاحب هذه الحاجات أو بتاريخه أو جنسيته أو انتمائه العائلي. له دخل بقدرة الدين على توفير الحاجات الخمس لمعالجة نواقصه النفسية. فأنا غير سعيد وأريد أن أكون سعيدا، غير متفائل وأريد أن أكون متفائلا، لا أملك السلام والهدوء وأريد الحصول على ذلك، حياتي ليست ذات مغزى وأريد الحصول على ذلك. أكره نفسي وأسعى للحصول على راحة داخلية. أريد هذه الحاجات الخمس، وأي مدرسة دينية تستطيع أن توفرها فليكن، وأي مدرسة دينية لم تستطع أن توفرها فليكن. فإذا تمت تلبية تلك الحاجات وكانت هناك حياة ما بعد الموت، لن يخسر أحد، وإذا تمت تلبية تلك الحاجات ولم تكن هناك حياة ما بعد الموت، أيضا لن يخسر أحد. فبعدم وجود حياة ما بعد الموت يكون الإنسان قد عاش حياة ذات مغزى ملؤها السعادة والسلام والهدوء والأمل والراحة الداخلية. وبوجود حياة ما بعد الموت لن يصيب الإنسان أي ضرر، إذْ الآخرة ليست إلا تجسيدا لروح الإنسان في الحياة الراهنة. فإذا كانت روح الإنسان في هذه الحياة مليئة بالتفاؤل والسعادة والهدوء ورافضة أن تتبنى الكراهية ومستكشفة لحياة ذات مغزى، ستكون على نفس الشاكلة هناك. فالآية 72 في سورة الإسراء تقول “ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا”. إذا استمرت أعيننا مغلقة هنا، ستظل مغلقة في مكان آخر. وإذا تقرر أن تكون الأعين مفتوحة في مكان آخر، يجب قبل ذلك أن تكون مفتوحة هنا. بل إن فكرة أن تكون أعيننا مفتوحة في مكان آخر، ليست إلا صورة لأعيننا المفتوحة في هذا العالم. هذا نوع من أنواع العلمانية. لا العلمانية بمعناها السياسي والواردة في الفلسفة السياسية، بل بمعنى إخضاع جميع أفكار المدارس الدينية والجماعات الدينية والمذاهب والأديان للاختبار في هذه الدنيا. إذا تم رفض الاختبار فإن المطالب ستكون باطلة ولن يقبلها أحد. وحتى لو كانت المطالب صادقة، لن يُلتفت إليها. هذا الاختبار مهم جدا. قلت مرارا، إذا أردنا من شبابنا أن يصبحوا متديّنين بأي دين – خاصة وأننا نريدهم أن يكونوا متديّنين بالدين الإسلامي – يجب أن نكون قادرين على استخراج أحكام وتعاليم من هذا الدين بحيث إذا تعلّق الشاب بالدين ساهم ذلك في إضفاء السعادة والسلام والهدوء والأمل والراحة الداخلية عليه وقلب حياته إلى حياة ذات مغزى. لا أن نراه وقد وقع في أسوأ مستنقع روحي ومعنوي ثم نقول له لا تنسى فإن أي ذكر تردّده ستكون نتيجته قيام الملائكة بمنحك المزيد من القصور والأنهار. إذا لم يتحقق حصول الإنسان على مطالبه الروحية/المعنوية في هذه الدنيا فإن جميع الأمور الأخرى هي مجرد خداع. يجب عليَّ أن أملك شيئا هنا، فإذا لم أستطع أن أملك شيئا هنا فلن أملك شيئا في أي مكان آخر.

هذا نوع من أنواع العلمانية، وهذه العلمانية جعلت التديّن الحديث عرضة لكثير من المشكلات. ولا أقصد من هذا الكلام بأن تلك المشكلات غير قابلة للحل، بل أقصد أن ما يتوقّعه المتربّون والمتعلّمون من مربّيهم ومعلّميهم المتديّنين هو أن يقدّموا الدين بهذه الشاكلة. نحن نغلّف الدين بصور قاحلة، ثم نتوقّع من الدين أن يعالج ذلك.

 

**مصطفى ملكيان، مفكر إيراني مهتم بأفكار العقلانية والمعنوية.

 فاخر السلطان، كاتب وباحث كويتي.