الرئيسية » حضاريات » التديّن في العصر الحديث – مصطفى ملكيان / ترجمة فاخر السلطان الجزء الاول
ltdywn_fy_srn_lrhn.jpg

التديّن في العصر الحديث – مصطفى ملكيان / ترجمة فاخر السلطان الجزء الاول

من شأنها أن تخلق باسم الدين مشاكل للتديّن. ونحن هنا لن نتطرق إلى المشاكل المتعلقة بالنوع الثاني بل إلى تلك المتعلقة بالنوع الأول، أي إلى المشاكل التي تواجه المتديّنين في جميع أنحاء العالم. وبما أننا جزء من هذا العالم سوف نتأثر بتلك المشاكل، لذا يجب أن نفكر في سبل لمعالجتها.

في اعتقادي، يمكن تصنيف المشاكل إلى أربع كبيرة، وهي قد لا تعتبر أهم مشاكل التديّن في العصر الحديث، إنما أي مشكلة قد نشاهدها يمكن أن تندرج تحت إطار التصنيفات الأربعة.

أول مشكلة يواجهها التديّن في العصر الحديث، هو قيام الإنسان الحديث بإعطاء قيمة إيجابية للاستدلال. وهذا لا يعني أن جميع البشر استندوا إلى الاستدلال في مختلف تحركاتهم وسكناتهم، وفي اعتقاداتهم وقناعاتهم، وفي أحاسيسهم وعواطفهم، بل يعني أن اللجوء إلى الاستدلال هو خطوة قيّمة. فحينما نقول بأن الإنسان يعتبر الصدق قيمة أخلاقية، فإن ذلك لا يعني عدم وجود إنسان كاذب. فكثير من الناس يكذبون، لكنهم يعتبرون الصدق قيمة إيجابية، أي حينما يكذبون يعتقدون بأنهم مارسوا سلوكا مناهضا للمعايير الأخلاقية، فيشعرون إزاء ذلك بالخجل والندم. وعليه، حينما يقال عن الإنسان الحديث بأنه إنسان “استدلالي”، فإنّ من لا يستخدم الاستدلال سيشعر بالخجل. أما حينما يستخدم الاستدلال سيشعر بالابتهاج وسيعتقد بأنه مارس سلوكا يمكن الدفاع عنه دفاعا منطقيا أو معرفيا أو أخلاقيا. لذا استخدام الاستدلال بات يخلق مشاكل للتديّن في العصر الحديث. فالتديّن، بشكل عام، يستند إلى العبادة. والعبادة، وفق التفسير الذي سأشير إليه، لا تتوافق مع الاستدلال.

لذا عليَّ قبل كل شيء أن أوضّح المراد من مفهوم العبادة ومن مفهوم الاستدلال، لكي لا يعتقد البعض بأنني، وفي إطار روح العصر الحديث، أرفض إقامة علاقة تعبّد مع الله. العبادة والاستدلال هما موقفان أو طريقان لاعتماد أي عقيدة. الإنسان يستطيع أن يختار أحدهما لكي يخطو خطوته الأولى نحو الإيمان. وحسب الإنسان الحديث، يمكن السير في طريق الاستدلال بصورة أخلاقية أو منطقية أو معرفية، وهذا ما لا يتوافق مع طريق أو منحى العبادة.

الاستدلال هو بمعنى أنه إذا اعتقدتُ بأن “ألف هي باء”، فباستطاعتي أن أدلّل على ذلك بالقول مثلا: “بما أن ألف هي جيم، وجيم هي باء، إذن ألف هي باء”. بعبارة أخرى، عليَّ، في كل القرارات التي أتخذها وفي كل المعتقدات التي أعتقد فيها، أن استخدم طريقة للإثبات تستند إلى الاستدلال شريطة أن أستطيع أن أدافع عن مقدمات هذا الاستدلال. فإذا أنا قلت بأن “ألف هي باء”، ثم سألني أحدهم: ما هو دليلك على ذلك؟ وقلت بأن دليلي هو التالي: “بما أن ألف هي جيم، وجيم هي باء، إذن ألف هي باء”، فإنني هنا قد اخترت الحجة التي أستطيع أن أدافع عنها وعن مقدماتها. لكن إذا قلت بأن دليلي هو التالي: “ألف هي باء، لأن x قال ذلك”، وأيّاً كان هذا الـ”x”، فإن شكل العبارة المقترحة أصبح تعبّديّا. بالنسبة للمتديّنين في جميع المذاهب والأديان وليس فقط في الإسلام، وحتى قبل ظهور الحداثة، لم يكن هذا الشكل التعبّدي مزعجا لهم. بينما يمثّل هذا الشكل خللا كبيرا لذهن وضمير إنسان اليوم أو للإنسان المعاصر، لأنه، وفقا للمنطق، لا يمكن التوصل إلى نتيجة تقول بأن “ألف هي باء” استنادا إلى أنx” ” قال ذلك، إلاّ إذا اعتبرنا أن “كل ما يقوله x هو صادق”.

وهنا لابد من طرح الدليل الذي يمكن من خلاله إثبات أن عبارة “كل ما يقوله x هو صادق” هي عبارة استدلالية، لا أن أقبلها كعبارة تعبّدية. فحينما أتواجه مع هذا النهج في مسألة العقيدة، خاصة في علاقة ذلك بالمسائل المتعلقة بالتربية والتعليم الديني للنشء الجديد، لأبنائنا ولطلبتنا، سأحسّ بأن سؤالا سيوجه إليّ باعتباري أستاذاً أو أباً أو أمّاً وهو: لماذا تقول بأن “ألف هي باء”؟ لذا لا يكفي أن أقول في جوابي: “لأنx يقول بأن ألف هي باء”. فهذا النوع من الاستدلال مزعج للعقل البشري. لكن في الماضي، حينما لم يكن نهج العبادة يمثّل إزعاجا لذهن وضمير الإنسان، كان الأب يقول لابنه “ألف هي باء”، ثم يردّد الابن في ضميره “بما أن أبي قال إن ألف هي باء، إذن ألف هي باء”. واليوم حينما يقول الأب لابنه بأن “ألف هي باء”، سيقول الابن: “لقد قال أبي هذه العبارة، لكني لا أستطيع أن أصل إلى نتيجة منطقية حول ذلك استنادا إلى ما قاله أبي”. وعليه، سيطلب الابن دليلا من أبيه لإثبات ما قاله. ولأن الأب لا يملك دليلا على أن “ألف هي باء”، سيعتبر مطلب الدليل الذي قدّمه ابنه عصيان على سلطته، وسيصف ذلك بأنه بداية لصعود سلطة الابن.

في تصوري، تلك هي سلطة الاستدلال. يجب أن نفتخر بأن أبناءنا ليسوا مثلنا. حينما كان آباؤنا يتحدثون عن أمر ما، كنّا نقبل ما يقولون استنادا إلى أنهم أبائنا. كنّا مصداقا للآية القرآنية “إنّا وجدنا آباءنا على أمّة وإنّا على آثارهم مقتدون” (سورة الزخرف – الآية 23)، ولم نكن مصداقا للآية القرآنية “أَوَلَوْ كان آباؤهم لا يشعرون”؟.

لا يوجد فرق بين قائل عبارة “ألف هي باء، لأن x قال ذلك”، سواء كان قائلها أبي أو أمي أو البروفيسور الفلاني أو رجل الدين الفلاني، فالنتيجة واحدة ولا اختلاف حولها. ورغم إني لا أحبّذ الإشارة إلى الاستدلالات القرآنية في هذا المجال، لكن يجب الإشارة إلى أن القرآن لا يخالف هذا التوجّه. فممّا لا شك فيه أنكم قرأتم الآية الشريفة الواردة في القرآن “اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله” (سورة التوبة – الآية 31)، وهي تعتبر من أكثر الآيات التي هجرها المسلمون اليوم. فالقرآن ينسب لليهود والنصارى بأنهم عبدوا رهبانهم ورجال دينهم بدلا من أن يعبدوا الله. أحد أصحاب الإمام الباقر (ع) (الإمام الخامس عند الشيعة) سأل الإمام: هل اليهود والنصارى كانوا فعلا يعبدون رهبانهم ورجال دينهم؟ فأقسم الإمام بأنهم لم يفعلوا ذلك، وقال: حتى لو كان الرهبان ورجال الدين قد طلبوا من الناس أن يعبدونهم، إلا أن الناس رفضوا. فقال الصحابي بأن القرآن أشار إلى ذلك بالنص. فردّ عليه الإمام بأن المراد من كلمة “أربابا” هو أن الناس كانوا يتصرفون مع رهبانهم ورجال دينهم بصورة لا تليق إلا مع الله. فأي شخص يتصرف مع شخص آخر بالصورة التي يجب أن يتصرف فيها مع الله، يكون في الواقع قد عبد الشخص الآخر. الله هو الوحيد الذي يجب أن نقبل حديثه من دون دليل. ولا أحد غيره يمكن قبول حديثه من دون دليل. وأي شخص يقبل حديث شخص آخر من دون دليل، يكون قد عَبد هذا الشخص. ولأنّ اليهود والنصارى قبلوا حديث رهبانهم ورجال دينهم من دون دليل، وُرِدَ بأنهم عبدوا رهبانهم. كانوا يقولون بأنه يجب على الناس أن يدفعوا عُشر أموالهم كاستقطاع شرعي (ديني)، وكان الناس يقولون بأنه علينا أن ندفع. ثم بعد أيام من ذلك قالوا بأنه يجب على الناس أن يدفعوا ثُمْن أموالهم، وقال الناس بأنه لابد أن ندفع، لكنهم لم يقولوا بتاتا بأنه لو كان الثُمْن حقيقيا اليوم لكان العُشر كاذبا، أو لو كان العُشر حقيقيا أمس لكان الثُمْن كاذبا. كانوا يردّدون بأن كل ما يقوله رجال الدين صائب. فهذا النوع من التعبّد هو أحد مشاكل التديّن. لذا أقولها بكل صراحة، إذا كان مجال التربية والتعليم في أي دين، سواء في الدين الإسلامي أو في غيره، يحتوي على مثل هذا النوع من الخطاب الذي يستند إلى قال الأول وقال الثاني، فذلك لا يمكن أن يكون مقبولا. لأنّ قبول أي خطاب اعتمادا على قائله لا اعتمادا على دليله يعتبر تعبّدا ويمثّل إزعاجا لعقل إنسان اليوم.

**مصطفى ملكيان، مفكر إيراني مهتم بأفكار العقلانية والمعنوية.

 

*فاخر السلطان، كاتب وباحث كويتي.