الرئيسية » حضاريات » الطائفية العلمانية – أسامة بوجبارة (2)
ltyfy_llmny_-_sm_bwjbr_1.jpg

الطائفية العلمانية – أسامة بوجبارة (2)

المدخل الأول : وهو المدخل (الثقافي) أو كما يسميه هيبارد بالتفسير (الجوهري) : 

يجادل المفكر الأمريكي صامويل هينتنغتون في أطروحته المثيرة للجدل (صدام الحضارات) أن الصراعات السياسية المعاصرة هي في حقيقتها صراعات بين خطوط ثقافية متوازية , ويجد هينتنغتون أن التقارب الديني والثقافي سيؤدي دورًا أكثر فاعلية لتحديد معالم الخلاف والتعاون في العالم.

 إذ ينطلق في ذلك بناءً على المعتقد القائل بأن الذين يعيشون في حقبة زمنية معيّنة ويعيشون تحت ظلال حضارة واحدة, فإنهم عادة ما يخرجون بآراء متشابهة حول طبيعة العلاقة بين الإنسان بربه وبالمجتمع , كما أن التقاليد الدينية , كما يرى هينتنغتون , تشكل أنماطًا متباينة في إمكانية (الاحتواء) والتسامح وقبول التنوع .

ومن هذا المنطلق يجد هينتنغتون أن هنالك ارتباطًا متأصلًا في التقاليد الاسلامية والآسيوية (الهندوسية والكونفوشيوسية) وبين العصبية الطائفية والعلاقات الهرمية .

بينما تأصلت الثقافة الليبرالية , والإيمان بالدستور والحرية في التقليد الغربي (اليهودي/المسيحي) وبناءً عليه فإن هذا الاختلاف ليس حقيقيًا وحسب , بل هو خلاف أساسي وجوهري .

وقد أثرت عقيدة هينتنغتون على أعلى المستويات في مراكز صناعة القرار في الولايات المتحدة , إذ اعتبرت النخبة الحاكمة أن الحروب التي كان يخوضها جورج بوش هي الحروب القدَرَية التي يجب أن يخوضوها (دفاعًا عن الحرية), فالحرية والديموقراطية في الأدبيات والخطابات السياسية الأمريكية تحديدًا لها مدلولها الخاص, الذي يشير إلى المركزية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة, حتى أن بوش قال في أحد اللقاءات الصحفية متحدثًا عن سبب النزاعات والحروب التي تقع في الشرق الأوسط ما نصه: “تلك الشعوب “تكره” الحرية , ونحن نحبها , وذلك هو سبب وقوع الصدام ” .

إنه ومما يثير التأمل والسخرية معًا على ما يطرحه هينتنغتون, بأن أوجه الشبه في المعتقدات والممارسات الدينية ومساحة الأرض المشتركة بين المسلمين المحافظين وبين اليهود “الحريديم” أو المسيح البروتوستانت, ستجدها أكثر قربًا وانسجامًا منها مع المسلمين الليبراليين أو الحداثيين .

الملاحظة الأخرى أن كثيرًا ممن يستحضر إشكالية العصبيات المذهبية, يغض الطرف تمامًا عن الجذور المادية لهذه الاشكالية المتمثلة بشقها السياسي والاقتصادي , ويقصر مقاربة هذه العصبيات باعتبارها محض ايديولوجيات فاشية .

دون الوضع بالاعتبار التاريخ الطويل للتدخلات الأمريكية, ودون الوضع بالاعتبار أيضًا الدور الذي لعبته الـ CIA في تشكيل ما يسمى “بالجهاديين” والجهاد الأفغاني ابان الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية .

 

[1] ويقصد تحديدًا بالرجعية تلك الصيغة من التدين التي تلتزم بحرفية التفسير النصي للكتب المقدسة , وأن كل ما جاء في النصوص المقدسة يجب أن يتم التعامل معه كحقائق حرفية مطلقة لا تقبل التأويل ولا النقاش .

[2] بالامكان مراجعة الدراسة التي قدمها الباحث علي راتانسي (مقدمة قصيرة جدا:التعددية الثقافية) حول مأزق التجربة الفرنسية في مشروعها الاجتماعي الذي يتأرجح تارة نحو التعددية الثقافية وتارة نحو خطاب الهوية ولم تتمكن أي صياغة حتى الآن من الجمع بينهما .

 

حكمة: ٢-٥-٢٠١٧