الرئيسية » حضاريات » الطائفية العلمانية – أسامة بوجبارة (1)
ltyfy_llmny_-_sm_bwjbr.jpg

الطائفية العلمانية – أسامة بوجبارة (1)

 

تنطلق جدلية سكوت هيبارد حول طبيعة العلاقة الملتبسة وغائمة المعالم بين العلماني والديني من خلال رصده لعدة حالات متزامنة تاريخيًا شهدت انبعاثًا للتيارات الأصولية الدينية في ثمانينيات القرن الماضي , بثلاث دول كانت رائدة في تجربتها العلمانية, وهي مصر, الهند, والولايات المتحدة الامريكية .

وعلى الرغم من اختلاف الجذور الثقافية لهذه الدول الثلاث , وعلى الرغم أيضًا من أن طبيعة التجربة العلمانية لكل من هذه الدول كانت مختلفة عن الاخرى, إلا أن جميعها وعلى نحو متقارب زمنيا قد شهدت صعود اللغة الطائفية في الخطابات السياسية .

ومكمن السؤال هو …كيف أمكن للغة الدينية/الطائفية الحضور في الخطاب السياسي في هذه الدول الثلاث؟ وهي الدول ذات التجارب العريقة في الدخول للحداثة من خلال غرسها لقيم العلمانية في مؤسسات الدولة .

 ليس هذا وحسب بل أن ما يثير التساؤل , لماذا قامت النخبة السياسية في هذه الدول بتبني وتنشيط الرؤى الأصولية المتطرفة عن طيب خاطر منهم ؟

إن هذا الانبعاث للمد الأصولي وتفشيه في تلك الدول يتحدى, بحسب سكوت هيبارد, الرأي السائد والقائل بأن العقائد التقليدية تضمحل مع دخول الدولة في حقبة التنمية الإقتصادية والسياسية, وأن الدين تبعًا لذلك سيتراجع في الحياة الفكرية لينوب عنه العلم التجريبي الحديث , وأن الأعراف العلمانية هي من سيرسم شكل المستقبل وليس الدين .

يراهن هيبارد في دراسته على وجود قالب تفسيري يتمكن من كشف الملابسات والأسباب التي أدت إلى انبعاث الأصوليات الدينية داخل دول اتسمت بإظهارها للعلمانية كأساس لأنظمتها السياسية , ويتمكن هذا القالب من تفسير السبب الذي لأجله حدث هذا الانبعاث  في حقبة زمنية واحدة .

فما هو سر التأثير العميق للحضور الديني وبالتحديد لذلك النمط من التدين الذي يتخذ أكثر الصور تطرفًا ورجعية[1] ؟

يجد سكوت هيبارد أن هنالك أسبابًا مترابطة تساعد على فهم الدين متناولًا إياه باعتباره ظاهرة سيسيولوجية ثقافية .

فالدين من ناحية ذو علاقة متسقة مع الهويات الطائفية والشرعية , فهو من هذا المنظور له تأثير هائل في تشكيل الحشود الجمعية .إذ يوجد اعتقاد سائد بأن العنصرية الطائفية توحّد الحشود ضمن أهداف سياسية واقتصادية مشتركة . ولهذا السبب فإنه دائما ما يتم استحضار الرموز والأيقونات الدينية في المناسبات الوطنية .

فعلى الرغم من أن الوظيفة التاريخية النبيلة للدين كانت تظهر في صورة انتقاد ومراقبة السلطة السياسية , أو بما يسميه هيبارد بالوظيفة “النبوية” , إلا أن سياسيي الدول الحديثة تمكنوا من قلب هذه الوظيفة “النبوية” ليحولوها إلى وظيفة “كهنوتية” إن صح التعبير. حيث تمكنوا من جعل السلطة الدينية حامية للسلطة السياسية عبر التحكم بمفاصل المؤسسات الشرعية .

أما السبب الآخر والمهم فيكمن فيما يحتوي عليه الدين من لغة أدبية راسخة في وجدان الشعوب, حيث يتم استخدام هذه اللغة بربط المشاريع السياسية والوجود البشري بعالم فائق السمو والرومانسية . من خلال الباس المشروع السياسي بمصطلحات لا يمكن أن تكتسب مدلولاتها إلا من خلال الاستعانة بالمنظومة الدينية (كالشهداء ,وأرض الميعاد, والمشروع الإلهي , والمباركة الربانية للدولة “التي كثيرًا ما يستعملها رؤساء الولايات المتحدة” ) , فالمنظومة العلمانية بطبيعة الحال لا يمكن أن تستوعب مثل هذه المصطلحات أو تنشيء بديلًا عنها .

وبذلك فإن للدين , وحده, القدرة على تحويل أهداف المشاريع “الدنيوية/العلمانية” إلى أهداف مقدسة .

 ومن هنا مثلا يمكننا أن نفهم لم استخدم جورج بوش الابن تعبير “الحملة الصليبية” في حملته الانتخابية الثانية, ومن هنا أيضًا يمكن أن نفهم كذلك سبب وصف الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية للحملة الروسية على سوريا بأنها “المعركة المقدسة” .

ولكن ومع كل ما يحمل هذا التحليل من منطقية إلا أنه لا يتمكن من الإجابة على التساؤل المحوري. فبالرغم من كل هذه الامتيازات التي لدى الدين , والمغرية “للعلماني” لتوظيفها , إلا أن هنالك تساؤل غير مجاب عنه… ومقتضى هذا التساؤل هو, ما سر البريق الكامن وراء الصيغ الأكثر تطرفًا ورجعية للدين؟؟ ما هو عنصر الجاذبية المخزون في خطاب التطرف ؟؟

لأنه وبالرغم من كل الامتيازات السياسية المذكورة للدين, إلا أنها يمكن أن توجد في كل الصيغ الأخرى! أو بعبارة ثانية , يمكن أن نجد كل تلك الأهداف من الدين عبر صياغات أكثر حداثة وليبرالية .

 أما الذي حدث بأرض الواقع أن جميع حالات الانبعاث الديني في الدول العلمانية كانت قد اتخذت الصياغات الأكثر تطرفًا ورجعية !!.

يتوجب لفهم مقاربة سكوت هيبارد الرجوع أولًا للرؤية التي تبنتها النخب السياسية لهذه الدول الثلاث في خمسيات وستينات القرن الماضي .

 فقد كانت تتبنى بالبداية مشاريع تنموية كان الهدف منها استئصال الفقر , ورفع معدل التنمية الاقتصادية , مما جعل من الرؤية الوطنية “العلمانية” ضرورة لإتمام هذه المشاريع… بل تحولت الرؤية الدينية الأصولية بنظر النخب السياسية في تلك الفترة , بمثابة امتداد لماضٍ رجعي. وهذا ما عزز الاعتقاد السائد أن دخول الدولة في طور الحداثة يقتضي بالضرورة الدخول إلى العلمانية التحررية .

لكن الذي حدث في الواقع في حقبة السبعينات والثمانينات أن تبدلا في الأولويات قد حدث لدى النخب السياسية …فلم يعد هنالك اهتمام جاد بالمشاريع التنموية الاقتصادية. وقد أدت هذه النكسة إلى عزوفهم عن الالتزام بالرؤى الحداثية المتحررة , وبالتبع, رجوع التفسيرات الأكثر أصولية وتزمتًا للدين.

أمّا تعليل ذلك فيعود إلى الضرورة التي ارتآها السياسيون لمواجهة التيارات اليسارية الآخذة بالصعود آنذاك . فأصبح تنشيط المد الديني الأصولي جزءًا ضروريًا للمحافظة على ديناميكية الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي .

فتحولت الرموز الدينية الأصولية, من كونها رموزًا مقموعة تمثل الصورة التقليدية للتزمت والتخلف, إلى أيقونات سياسية فاعلة, بل تحول الرمز الديني في تلك الحقبة إلى رمز من الواجب التودد إليه لضمان نجاح الناخب السياسي .

وباستحضار هذه المعطيات التاريخية, ووضع ظاهرة الانبعاث الديني في موقعها الزمكاني, فإنه من الواجب إذًا إعادة تفسير السياسة الدينية الحديثة بعيدًا عن الافتراضات المسبقة والجاهزة .

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر استعر النقاش بين العلماء والمفكرين حول سر تفشي هذه الصياغة من الدين ورواجها. لأن ما وجدوه محيّرًا أن ذلك الرأي السائد, الذي كان يفترض بأن المعتقدات والهويات الدينية ستأخذ بالتراجع والتقلص إذا ما حلّت محلها التنظيمات الاجتماعية الحديثة لم يصمد على أرض الواقع .

يجد سكوت هيبارد أن جل الدراسات التي كُتبت بعد الحادي عشر من أيلول كانت تعزز افتراضين مضللين ….

الافتراض الأول أن السياسة الدينية المعاصرة هي سياسة معادية للحداثة , أو أن القائمين عليها هم أشخاص متلاعبون بالدين .

أما الافتراض الثاني فهو أن بعض الأديان “الاسلام تحديدا” هو بنفسه دين ضد قيم التنوير وضد المجتمع الحر .

وبناءً عليه جرى تصوير الحروب التي قادها جورج بوش الابن على أنها حروب على الارهاب , حروب تواجه الحرية فيها الطغيان , وتواجه الحداثة التخلف , وباختصار قد صوّر بوش نفسه على أنه يقود حرب الدولة ضد الارهاب .

وعليه فإن سكوت هيبارد يعيد بناء الإطار الذي يرى من خلاله السياسة الدينية الحديثة , إذ يجد أن الدين ,أي دين, يعتبر جزءًا لا يتجزأ من بناء الأيديولوجيات الوطنية , ويلعب دورًا أساسيًا في التحشيد الجماهيري .

فالدين قادر على نحو فريد على توفير الغطاء الأخلاقي للعملية السياسية مهما كانت توابعها . ويتبيّن هنا أهميّة وجود الدين لشرعنة عمل مؤسسات الدولة الحديثة .

الأمر الآخر الذي يشير إليه هيبارد, بأنه لا يجد أن السياسة الدينية الحديثة تمثل ارتكاسًا إلى الوراء , أو أنها تمثل حالة مضادة للحداثة .

بل يجد هيبارد أن هذه الصياغة بالتحديد من الدين جرى “تطويرها” و “انتقاؤها” بوضوح , وهي تمثل الاستجابة الاجتماعية التي أفرزتها المعطيات السياسية الراهنة .

يفترض هيبارد كذلك في دراسته أن (الانفجار الكبير) للظاهرة الدينية لم تنشأ من فراغ ابان الحرب الباردة. بل جاءت أولًا نتيجة لتخلي النخبة العلمانية عن التزامها بعلمنة المجتمع , والأكثر من ذلك أنهم , هم, من اختار الالتزام ودعم صياغات دينية رجعية بعينها, وقيامهم بعد ذلك بالنفخ في نار الانقسامات الدينية , وهذا على خلاف مع الفرضية التي تفسر الانبعاث الديني على أنه محض تجدد للحلم الأسطوري بالعودة إلى العصر الذهبي الراسخ في المخيال الشعبي .

وللاقتراب أكثر من التفسير التقليدي لظهور السياسة الدينية , فإن هنالك مدخلان وطريقان مختلفان كل منهما يفسر هذه الظاهرة من زاوية نظر مختلفة .

 

[1] ويقصد تحديدًا بالرجعية تلك الصيغة من التدين التي تلتزم بحرفية التفسير النصي للكتب المقدسة , وأن كل ما جاء في النصوص المقدسة يجب أن يتم التعامل معه كحقائق حرفية مطلقة لا تقبل التأويل ولا النقاش .

[2] بالامكان مراجعة الدراسة التي قدمها الباحث علي راتانسي (مقدمة قصيرة جدا:التعددية الثقافية) حول مأزق التجربة الفرنسية في مشروعها الاجتماعي الذي يتأرجح تارة نحو التعددية الثقافية وتارة نحو خطاب الهوية ولم تتمكن أي صياغة حتى الآن من الجمع بينهما .

 

حكمة: ٢-٥-٢٠١٧