الرئيسية » اكتشف روسيا! » التأثير الأيديولوجي للعلوم الطبيعية (3) جينادي كابيلوف، متخصص فى الفيزياء النظرية والرياضية، رئيس تحرير مجلة (centaur) – ترجمة: أشرف الصباغ
ltthyr_lydywlwjy_lllwm_ltbyy_3.jpg

التأثير الأيديولوجي للعلوم الطبيعية (3) جينادي كابيلوف، متخصص فى الفيزياء النظرية والرياضية، رئيس تحرير مجلة (centaur) – ترجمة: أشرف الصباغ

أهمية نظرة تعددية العالم

 

لنناقش في البداية هذه القضية من دون الإشارة إلى العلوم الطبيعية بوجه خاص. ماذا تعطينا وجهة النظر التيتفترض وحدة العالم ووحدة الحقيقة؟ نرى أنها تعطينا الحرية والحماية: درجة أكبر من الحرية وتعزيز للحماية.

قضية الحرية تنطوي على تناقض ظاهري هام: إن هذا العالم (الغربى) العلمي- الهندسي الذينعيش فيه قد تأسس كعالم مُحَرِّر. وسعت العلوم الجديدة إلى وضع القوى الخفية للطبيعة في خدمة الإنسان كي تعزز قوَّته، وسعت النزعات السياسية الجديدة إلى تحريره من سلطة الكنيسة ودرجات الترقي والطائفية.

ولكن بعد مرور 300 سنة حدث وأن أصبحت حياة الإنسان تسير داخل العالم الذي تكوَّن نتيجة لضم ثلاثة عوالم: العلمي- الهندسي (التكنولوجى)، والمالي- التجاري، والأيديولوجي – النفســي (وهو المسؤول عن مسار أو خط سير المادة البشرية في هذا العالم). في هذا العالم أصبح الإنسان مرة أخرى هدفا (مادة) للتاريخ وليس فاعلا (ذاتا) له. وبالتالي، فمن الجائز تماما أن ينتهيالتاريخ كما يخطط السيد فوكوياما!!

إن أهداف (مواد) التاريخ اليوم هي المنظومات المؤسساتية والقانونية والمنظومات التي تشكِّل العالم: العلوم الطبيعية والتكنولوجيا، البنية المالية التحتية، وسائل الإعلام، مجموعة العلوم الإنسانيـة (الهندسة الاجتماعية، والهندسة النفسية)، بالإضافة إلى، وربما هذا هو الأمر الرئيسي، عمل البُنى التي تضع الأفعال الانعكاسية والتفسيرات: كل ذلك التصميم الاصطناعي الذى يتم التعامل معه كواقع وحيد وأصيل.

ووجهة النظر البديلة والمُعَلَّلَة هنا – تلك التي تنظر إلى المعمورة كمجموعة من العوالم المحليـة "المركزية" التي بُنِيَتْ ولا تزال تُبْنَى اصطناعيا – تعطي أسسا فكرية من أجل تحقيق الحرية، وتسمح بفهم إمكانية الحرية (مؤكدة بعدم حتمية الواقع) وتلَمِّح إلى طريقة تحقيقها (تشكيل عالم محلي "مركزي" بطرق هندسية – اجتماعية متنوِّعَة)، كما تسمح على نحو واعٍ بتطوير هذه الطرق وإعادة تفسير نظم المعرفة الإنسانية حول ما هو موجود موضوعيا، وتتعامل معها كمشروعات وحدود ومبادئ موجودة في عملية تشكيل العوالم، وتعطي إمكانية للعمل مع الوضع المعاصر (الآني). إضافة إلى أنها تسمح بالخروج بنتائج متفائلة حول احتمال تشكيل إنسان بديل عن الإنسان الحالي (إنسان وسائل الإعـلام الغربية)، إنسان بديل في حاجة إلى هذه الحرية بخلاف الإنسان الحالي.

تحت مفهوم تعزيز الحماية تندرج عملية حماية نظم التفكير التي تمارسها الشخصيات الفردية، والمجموعات الاجتماعية، والدوائر التخصصية… إلخ وإذا اعتبرنا العالم واحد ويمتلك واقعا أصيـلا مُحَدَّدا، فلابد أن تواجهنا مشكلة التوفيق بين منظومات التفكير هذه. وسوف يكون ذلك في شكل: إما ابتلاع منظومة لأخرى (كما حدث على سبيل المثال أثناء صراع النيوتونيين مع الكارتيزيين)، أو بناء نظم جديدة كبيرة الحجم (وأفضل الأشكال التي يمكن تحقيقها لا تحدث إلا عندما نتمكن من تحديد، وبشكل واضح، الحدود المنهجية العلمية والمعرفية "ابستمولوجية" لكل من النظم الأولية)، أو بناء "فلسفة عميقة" من نوع "وأنتِ أيضا، يا أُختي، على حق!" ومع ذلك ففي كل تلك الأشكال لا توجد ضمانة بالحفاظ (في حالة صِدَام عالم "الثقافات والجماعات" الأولى المُعَذَّب مع عالم "الثقافات والجماعات" المُحَدَّد والمنشود) على منظومة المفاهيم – الأنطولوجيا.

إن وجهة نظر تعددية العالم تربط لوحة الواقع والتكوين "البِنَاء" بالمنظومات القانونية والمؤسساتية والحقوقية لذلك العالم. في هذه الحالة نجد أن مشكلة التوفيق هنا غير موجودة إطلاقا، أو في أسوأ الأحوال، أصبحت ضعيفة جدا. وسوف يصبح لكل عالم نظامه العالمي. وليس من المُجدِي أن يُمْلِي عالم ما أفكاره ومفاهيمه على عالم آخر. وهذا يعني تلك الحماية الضخمة للعالم، والتي يشير إليها قبل كل شئ الهدوء الداخلي لهذا العالم أمام الضوابط الأخرى للمعمورة كلها.

 

ضرورة الوقوف ضد المذهبية العلمية antiscientism

 

نعود مرة أخرى إلى العلوم الطبيعية. وأعتقد أن عقيدة تعدد العوالم لن تحصل على أي انتشار واسع أو اعتراف إذا لم يتيسر مبدئيا هز النظرة التقليدية إلى العلوم الطبيعية. ونحن نستطيع أن نناقش، كما يحلو لنا من حيث الوقت والجهد، عملية بناء الوُقع الرمزية في سياقات ثقافية مختلفة، وعوالم الأسرار الخفية البديلة، والطابع التكويني على نحو هندسي للمعارف الإنسانية. ولكن إذا لم تُجَرَّد العلوم الطبيعية من سلطة القضاء الأعلى الذي يملك وحدة السيطرة الكاملة على الحقيقة، فسوف تظل كل تلك الإشارات والمفاهيم الأحادية إلى تعدد الوُقع مجرد تلاعبات واحتيالات تفسيرية لباحثي العلوم الإنسانية.

وبالتالي، فمن الضروري تنشيط عملية النقد الواسع والتفصيلي للعلم وعلى نحو مشابه للعملية النقدية التي جرت طوال القرنين الثامن والتاسع عشر مع الديانة المسيحية. وإلى جوار تطوير الإلحاد العلمي ينبغى تطوير اللامذهبية العلمية على نحو ثقافي منهجي بحثي. والمهمة الرئيسية لهذا العمل يجب أن تكون عدم أسطرة demythologize العلوم الطبيعية.

العلم – ظاهرة فريدة من حيث مستوى توافق أو تناسق تأثيراته وهُويته (وعيه بذاته). وهذا ما كانت عليه المسيحية قبل أن تتحقق عملية النقد التاريخية.

لقد تحدَّثنا أعلاه عن الـ "كوكتيل" أو الخليط الإدراكي المفاهيمي الخطير – وهكذا، فعملية عدم الأسطرة يجب أن تتم بمطابقة تفسيرات العلم وواقعية تأثيراته. إن العالم الهندسي للعلوم الطبيعية يجب أن يُدْرَك كعالم اصطناعي ومحلي "مركزي"، وكعالم موجود على حد سواء مع عوالم أخرى. إنني هنا لا أقف ضد العلم، ولا أسعى إلى صنع تقاطع للعلم مع "الطاوية" Taoism . فابتكارات العلوم الطبيعية وإنجازاتها – المكوِّنة للنشاطات والأفكار والقادرة على خلق العوالم – هي ابتكارات وإنجازات عظيمة. ولكن "الكوكتيل الشيطاني" من وجهة نظري ينشأ فقط في ظروف الهُوية (إدراك الذات) غير الملائمة لهذا العالم، وفى ظروف عولمته، وقبل كل شئ عولمته الفكرية – الإدراكية. ومن أجل تفادى الضرر، من الضروري وجود النقد الواسع والتفصيلي للعلم مع التقييد الذاتي. وأنا لا أقصد هنا عملية رقابة المجتمع على التجارب العلمية أو التقويمات القاسية لنتائجها، ولا فرض القيود على موضوعات الأبحاث العلمية (على سبيل المثال في ميدان الهندسة الوراثية)، ولا المطالبة بمساواة جميع التقاليد في جميع الهياكل التعليمية ومواقع اتخاذ القرارات. إن رقابة المجتمع والتقويمات القاسية وتقييد موضوعات الأبحاث لا تُشَكِّل قيودا على العلم، وإنما تعرضه للهلاك التام والنهائي (نظرا لأن العلوم لا تنفصل عن منظومات تحقيقها).

ولكن الأهم من وجهة نظري هو الانعكاس الدقيق والأصيل تاريخيا ومنهجيا وثقافيا لطريقة بناء علاقة العلم والتقنيات بالواقع القاسي والمتوحش، والفهم الملائم لمكانة العلم كنشاط تشكيلي للعالم في إطار مجموعة التكوينات المؤسساتية والقانونية. من هنا تحديدا ينبغي تجريد العلم من كونه سلطة"بديهية طبيعية موضوعية" تاركين له وضع البديهية الموضوعية التاريخية المحلية. 

ترجمة: أشرف الصباغ – أسرة التحرير