الرئيسية » اكتشف روسيا! » التأثير الأيديولوجي للعلوم الطبيعية (2) جينادي كابيلوف، متخصص فى الفيزياء النظرية والرياضية، رئيس تحرير مجلة (centaur) – ترجمة: أشرف الصباغ
ltthyr_lydywlwjy_lllwm_ltbyy_2.jpg

التأثير الأيديولوجي للعلوم الطبيعية (2) جينادي كابيلوف، متخصص فى الفيزياء النظرية والرياضية، رئيس تحرير مجلة (centaur) – ترجمة: أشرف الصباغ

واقعية العوالم المتعددة

 

وهكذا فالإجابة على سؤال: هل هناك إمكانية لوجود نظرة أخرى إلى العالم والإدراك، من الضروري أن تكون بالإيجاب والتأكيد. فالعلم على حد سواء مع الهندسة يعتبر نموذج قوي وواضح وموجود وظاهر لدى الجميع من أجل التعامل الواقعي مع عالم خاص (الأمر الهام هنا هو ألا نتقيَّد أثناء معالجته والبحث فيه والنظر إليه بتلك الأشكال والصيَغ الخاصة بـ "رد الفعل الانعكاسي الداخلي" التي صنعها – أى العلم – بنفسه عن نفسه، وذلك مثلما لا نتقيَّد بتلك الأشكال والصيغ أثناء تعاملنا مــع الدين). إضافة إلى ذلك، فكثيرا ما تم تناول التصوُّر حول تعدد العوالم من قبل فلاسفة كثيرين مثل أفلاطون وبرونو وليبنز، بل وحتى ديكارت ذاته نسب موضوعاته الطبيعية الفلسفية إلى "عالم جديد".

ولكن هل العلوم الطبيعية فقط هي التي تملك على أعتاب القرن الواحد والعشرين تلك الإمكانية الهندسية القوية على تنظيم وترتيب كل شئ بهذا الشكل الهندسي؟ بالطبع لا. ففي الواقع، يحاول أي مذهب أو مبدأ أن ينغلق في عالمه الخاص – أي إنه يتعلَّم تحقيق تصوراته بمساعدة هذه التقنيات أو تلك التي تم تحقيقها (أي الموجودة) في أدوات عالمه. وبعد ذلك، وبمساعدة هذه الأدوات، تحصل اللوحات الخاصة للواقع على مرتبة الحقيقة كرد فعل انعكاسي.

وهكذا، فالنظرية حول أن المجتمع ينطوي على تركيب طبقي تم تحقيقها أثناء تنظيم الثورة الروسية والإيمان بأن المجتمع لا يجب أن ينطوي على تركيب طبقي، وإنما يجب أن يكون ضمن دورة تكنولوجية للإنتاج الصناعي، تم تحقيقها أثناء إقامة المجتمع الاستهلاكي. ولكن على أساس مبادئ الأنثروبولوجيا الفلسفية والأيديولوجيات الحكومية يتم بناء النظم التربوية التي تشكِّل الناس طبقا للتصورات حول الإنسان.

 

التأمين الهندسي لعملية التناسخ reincarnation

 

إن جميع الأديان تمتلك خبرة ضخمة في تحقيق تصوراتها حول العالم والإله والإنسان. ففي استراحة دالاى – لاما (بمملكة نيبال)كان ينمو الصبى لينج رينبوشا (البالغ من العمر 11 عاما) المرشد الذى سيصبح خليفة للمرشد دالاي- لاما (البالغ من العمر 70 عاما). وهو يعتبر التجسيد القادم للمرشد الذي توفى قبل أعوام. وقد قام الخدم والمقربون من المرشد بالبحث عنه طوال عامين وسط أولئك الأطفال الذين وُلِدوا بعد ذلك الموت مباشرة. وتم اختياره من بين العديد مـن المرشحين. وأخذوا الصبي من ملجأ الدير إلى الاستراحة وله فقط عامان، ثم وُضِع في نفس الوضع الذي كان فيه المرشد السابق،حيث يحيط به خدم المرشد السابق. ويقوم بتربية لينج رينبوشا وتعليمه مساعد المرشد وصديقه العجوز ونديمه وموضع سره وثقته كُن – لي. وعندما يموت دالاي- لاما الحالي، سوف يتكرر الأمر بالضبط حيث ينبغي العثور على ذلك الطفل الذى يتم تجسيده فيه، ومن ثم يستطيع المرشد الكبير تربية دالاي- لا ما "الجديد"… وهكذا

في أساس كل تلك الحالة توجد لوحة تناسخية للعالم: روح الإنسان بعد الموت تحل في جسـد جديد. ولكن هل لهذا أي معنى أو أهمية؟ وهل هذا التصوُّر حقيقي؟ إذ أنه بفضل جميع ترتيب الأحداث التي تم اتخاذها ومازال، ففي الواقع سوف ينجحون في صناعة مرشد جديد قادم من هذا الصبي: حيث يستطيع المربون تشكيل وصياغة شخصيته بإنماء الملامح والصفات "المتشابهة"، وإخماد – تدريجيا – غير الضروري فيها، وسوف يتشكل لدى الصبي منظومة التبجيل والمسوغات ووجهات النظر، تلك المنظومة التي سوف يرسِّخها كذكرى عن الحياة السابقة: سوف يعرف (يتذكَّر) كيف تصرَّف في الحياة السابقة مع هذه المواقف أو تلك… إلخ إن التناسخ هنا قد حدث وتحقق بشكل هندسي بغض النظر عما هو عليه بالفعل. واللوحة المطابقة للعالم لا تشكل سوى إدراك هذه الحالة وتعطي أساسا عمليا وأخلاقيا من أجل الفعل الهندسي.

مثل هذا الوضع بالضبط موجود في مشكلة علاقة العلوم الطبيعية بـ "الحقيقة": حيث يتم صناعة الحقيقة بشكل اصطناعي- تقني داخل العالم (العوالم) الهندسي. ومن البديهي أن المعرفة العلمية ستكون في هذه العوالم الهندسية صحيحة ومتطابقة مع مثل هذا الوضع. في هذا الإطار يصبح السؤال، في صورته التقليدية، حول الحقيقة أمر بلا معنى: فأي معنى لمناقشة صحة قانون القصور الذاتي عند جاليليو إذا كنا نمارس كل الجهود من أجل تحقيقه هو بالذات في كل التصميمات الهندسية المختلفة (وعلى سبيل المثال استبعاد أو تقليل قوى الاحتكاك)؟

 

المدخل الهندسي لكل شئ وفي كل مكان

 

وهكذا، إذا كانت العلوم الطبيعية قد تعلَّمَت، باستخدام المواد والموضوعات الطبيعية الجامدة جدا "وصعبة المراس"، تشكيل العوالم الهندسية التي تعلن عن تلك التصورات المتعلِّقَة بالاجتماعي، وبالتراكيب الجماعية والاجتماعية، وبالإنسان وحياته وموته – تلك العوالم تتشكَّل بشكل أسهل وأبسط بسبب تَغَيُّر وعدم رسوخ المجتمع "المعاصر"، والإنسان عموما. ومن أجل نموذج ذلك التشكيل أو الخلق الاصطناعي- "تحقيق البرنامج في عالم خاص" – تم استخدام العلوم الطبيعية لأول مرة من أجل تأسيس وتطوير الهياكل أو الأشكال الهندسية المُحَقَّقَة.

إذا كان الكلام أعلاه صحيحا، فسنكتشف أنه لم يتبق أي شئ إطلاقا من اللوحة التقليدية للعالم الواحد. وبالتالي، يجب أن تظهر الآن المساحة الآهلة بالسكان على الكرة الأرضية في شكل عوالم محلية – مركزية – متعددة يتم الالتزام في كل منها على حدة بـ "نظام عالمي" خاص (يتعلَّق بذلك المخطط الموجود في النواة). تلك العوالم في الإطار الاجتماعي، تعيش أحيانا على نفس الموضوع أو المـادة (الاجتماعية والإنسانية والحقوقية)، وأحيانا تكون محلية أو مركزية من حيث الفضاء أو المساحة فقط. ولكنها تتناول وتتبادل موضوعات وأدوات ذات طبيعة مختلفة، مُسْتَخْدِمَةً إياها من أجل رسم واستكمال مفاهيمها الوجودية، وتتقبل من بعضها البعض وسائل تحقيق رد الفعل الانعكاسي وصورته، وتظهـر وتتلاشى.

إن مثل تلك اللوحات أو المخططات تُنَقَش بشكل مكثَّف في موضوعات الُوقع (جمع واقع) الافتراضية – إلا أن هذا المصطلح الآن في حاجة إلى تدقيق. فكل واقع حقيقي مثل عالمه، ونحن لا نستطيع أن نقول أي منها (في حالة وجود أكثر من واقع افتراضي) يأتي في المرتبة الأولى أو الثانية أو العاشرة. إن جميع الوقع افتراضية. والسؤال: إلى أي مدى تتوافق، من حيث الإيقاع والتلاحق، طرق تشكيل عوالم جديدة سريعة التطور. على سبيل المثال، عندما يتفوَّق التحقق المادي في النظم والعادات على التحقق الثقافي- الاجتماعي- النفسي؟

لعله قد أصبح من الواضح الآن لماذا صار من الممكن أن ندافع عن تلك النظرة، غير التقليدية إطلاقا، إلى العلم: إن الطرق المُحَقَّقَة (الرائجة) والتي تكاثرت وتطوَّرت في جميع المجالات عملت علىإبراز وتوسيع جانب العلم الهندسي الذي يُشَكِّل العالم، وعلى دفعه إلى المقدِّمَة. قبل ذلك كان هذا الجانب غير ملحوظ أو مخفي- حيث أن الأنطولوجيا العلمية الطبيعية كانت تُفَسَّر كواقع وحيد. ولكن منافسة اللوحات (المخططات) العلمية للعالم، والتي ظهرت بعد الثورة في علم الفيزياء، ومنافسة اللوحات البديلة الأخرى، سمحت بانعكاس ما يفعله العلم ومقارنة تأثيره مع التراكيب الفكرية الأخرى التي تشكل العالم. وعليه، فالعلم نشاط فعَّال ومهم لتشكيل العالم، ولكنه أحد النشاطات الكثيرة وليس الوحيد.

ترجمة: أشرف الصباغ – أسرة التحرير