الرئيسية » حضاريات » التعددية الدينية ( الجزأ الثاني) – د- عامر عبد زيد الوائلي
الصراطات المستقيمة

التعددية الدينية ( الجزأ الثاني) – د- عامر عبد زيد الوائلي

أ‌.          ولكن حينما كان هيجل معنيا بالدين بوصفه فكرة أو جوهر متعال لظاهرة اجتماعية ، كان شلايرماخر (1768-1834)واتو(1869-1937) ، يؤكدان أن جوهر الدين لا يمكن العثور عليه إلا في تجربة داخلية (جوانية ) فالدين بالنسبة لهما ليس ظاهرة اجتماعية وليس قضية إيمان بدائية او ابتدائية لمعتقد أو مذهب معيين ، وليس هو كذلك ممارسات وتلقيات أو ألقاءات خاصة وإنما الدين شعور أو إحساس يستوي على الروح ويستحوذ عليها ويمسك بها فجأة .

  1. شلايرماخر:كان مؤثر على أفكار داعية التعددية الدينية جون هيك، إذ اعتبر شلايرماخر الدين مسألة شخصية وخاصة ، إذ قال : إن جوهر الدين مسألة تعمل في ذات الإنسان وروحه، وباطنه ، وتذوب في مشاعره آنية ، اتجاه المطلق ، وليس في قوالب أو أنظمة دينية معينة ، ولا في أية صيغة خارجية مزعومة . (1)
  2. ردولف أوتو: يزعم إن جوهر الدين كله هو المقدس The Heilige رغم من أن مفهوم المقدس هذا يتضمن كافة العناصر العقلية وغير العقلية ، الا انه يؤكد بل يقطع أن العنصر غير العقلي او غير المنطقي هو الذي يستحوذ على الثابت الديني . ويسمي اوتو ثابتة غير المعقول هذا (الانفعال الروحي) numinous  مشاعر الانفعال تقترن عادة بالخوف والرعب ترتطم بانطباع آخر يسميه أوتو (الرعب الغامض)mysterium tremendum إن الاحاسيس الروحية هذه المصحوبة بالدهشة والكشف والحب هي استجابات أخرى الى الوجه الآخر للمقدس ويسميها (الانبهار الغامض) mysterium  fascinans. أسس اوتو رابطة ثيولوجية دينية المحتوى لرعاية المعاني الروحية والقيم الاخلاقية من خلال التنسيق والتعاون بين المؤمنين من كل الاديان والمعتقدات . الامر الذي نال التنسيق والتعاون بين المؤمنين من كل الاديان والمعتقدات .
  3. ارنس تولتش (1865-1923) يناقش ما تم زعمه من قبل هؤلاء المفكرين حول جوهر الدين الذي استكمل بالمسيحية انما هو انعكاس خالص لثيولوجيين ليبراليين يعكسون وجهات نظر خاصة ، أكثر من كونه نتيجة لأية دراسة تاريخية هادفة . ان التاريخ لا يقوم حركته تدريجية باتجاه الصورة المتقدمة الأكمل للدين ، وإنما هو حركة باتجاه تنوع الأديان ، بدأ من الصورة الأكثر بساطة إلى الأكثر تعقيدا والموجودة دائما ، إلى جنب ، في الثقافات المختلفة والأحقاب المختلفة  .(2)
  4. جون هيك(3): موقفه من التعددية الدينية (4) يعد من المرجعيات التي نجد اثرها في علم الكلام المعاصر الايراني عند سروش ، فهذه الرؤية التي تنطلق منها التعددية الدينية عند هيك هي :

5-1- انها كانت توسلا صريحا والتماسا واضحا للتسامح الديني وهذا ما أطلق عليه أسم التعددية الدينية المعيارية Normative Religious Pluralism ، ويعني منهجيا أن على المسيحيين أن يلتزموا أخلاقيا باحترام أتباع الديانات الأخرى من غير دينهم ..ويتطلع دعاة التعددية الدينية هذه من المسيحيين إلى أن إتباع الديانات غير المسيحية سوف يستجيبون ويتعاطون مع هذا النمط من التعددية الدينية المعيارية .

5-2- الوجه الأخر لتعددية هيك يتعلق بإشكالية الخلاص . هذا يعني أن التعددية الدينية الخلاصية أو الإنقاذية يمكن أن تعرف مبدأيا على أنها منهج أو مذهب لغير المسيحيين تقودهم إلى سبيل ما لنيل الخلاص المسيحي .وهذا يظهر في التحولات التي مر بها فكر هيك من التعددية ، إذ كانت الكتابات الأولى ل جون هيك حول التعددية الدينية تركز على نوعين منها :  التعددية المعيارية ، والتعددية الخلاصية .

5-2-1-  التعددية الدينية المعيارية:  تعتمد على التعددية الخلاصية المعهودة لدى كافة أتباع الديانات في العالم ، فإذا كانت الأخيرة(إي التعددية الخلاصية) تتعرض مع التصورات المسيحية الأسبق منها وهي الاولى " الفردانية exclusivist": القائلة ان المؤمنين بدينهم فقط هم وحدهم يدخلون الجنة ،اما الثانية المضمونية: وان كانت تفتح أبواب السماء بشكل أوسع قليلا لكي تسمح لغير المسيحيين من الفضلاء الذين ساهموا في التعاطي مع تعاليم بعض الديانات الأخرى عنهم أنهم انتهجوا حياة مخلصة مفعمة بالقيم المستقيمة او مبنية على الاستقامة وهم المسيحيون المجهولون بتعبير "كارل راهنر" .بالقياس إلى تلك الأفكار تعد تعددية هيك وان كانت أكثر راديكالية؛ إلا أنها أكثر تحرر من التعددية الفردية والتعددية الضمنية فهذه تسمح تقريبا لأي كان أن يدخل الجنة بصرف النظر عن العرق والون والمعتقد شريطة أن يجتاز الشخص مرحلة العبور أو الانتقال من مركزية الذات إلى مركزية الحقيقة مع أداء أشياء بسيطة من التعاليم الدينية . يبدو أن هذه الرؤية تعود إلى عاملين :

الأول :انه نتيجة إلى انشغاله في العلاقات الاجتماعية التي مكنته أن يكون قريبا أو على صلة وثيقة مع المسلمين واليهود والسيخ في برمنغهام عندما منح عام 1967 كرسيا لتدريس فلسفة الدين في جامعة برمنغهام ، ثم انه كان منخرطا في نشاطات لمواجهة العنصرية ، أصبح جزءا لا يتجزأ من المجتمع التعددية الدينية .

الأمر الأخر: رغم انه كان لا يستطع تلقي أو قبول قرارا المسيحية التقليدية ، في كون أصدقائه من غير المسيحيين غير قادرين أو مؤهلين لنيل الخلاص .إلا أن الأمر لم يقتصر على نيل الخلاص أي مكان في الجنة بل كان مأخوذا بانطباعات خاصة عن قدرات هؤلاء ومؤهلاتهم للتوفر على إثارة أسئلة مهمة أمام أغلب التعاليم المسيحية الأساسية والدعوة إلى تشكيل تصوير مبدأ الكنيسة الثيولوجي .

ولهذا جاءت رؤية الخلاصية القائمة على العبور من مركزية الذات إلى الحياة المبنية على الحقيقة المطلقة بصرف النظر عن تسمية هذه الحقيقة أو عنوانها ، سواء سميت إلها أو براهمان أو نرفانا أو تاو .فالمرء يمكن أن يعتبر مقدسا أو طاهرا أو حاله فيه القداسة والطهارة إذا عاش فترة في انسجام وتناغم مع الإرادة الإلهية ، أي عبر التركيز على الحقيقة المتعالية أو التعاطي معها .(5)

5-2-2- التعددية الدينية الابستمولوجية: epistemological religious pluralism لاحظنا ان تعدديته الدينية وصياغته للثيولوجيا المسيحية متأثرة بنشاطه الاجتماعي من ناحية و إن تلك التعددية أيضا مطبوعة بعقلانية الاعتقاد الديني من ناحية أخرى. فهذه العقلانية في الفكر الديني أوصلت هيك إلى نتيجة مفادها: إن التجربة الدينية هي التي تجعل المعتقد الديني عقلانيا .وهنا يناقش هيك بأنه من العقلانية بمكان أن على أولئك الذين تقودهم تجربتهم الدينية بقوة إلى نفسها أن يعتقدوا بحرارة بالحقيقة الإلهية (6) وانطلاقا من هذه التجربة من خلال بعدها العقلاني يحاول هيك تلمس المشتركات بين الأديان فيقول: أن المسيحيين ليسوا أوفر حظا من غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى في تجسيد الإيمان واستيعاب مفهوم البراءة ، هنا يعتقد هيك أن المسيحية ليس على تضاد مع إتباع الديانات الأخرى في العالم اذ يقفون على قدم المساواة ، بمقدار ما يتعلق الأمر بفهمهم لفكر البراءة في معتقداتهم الدينية ، والتي يطرحها على أنها نابعة من التجربة الدينية وتقف على أرضيتها بقوله ((ان الفرضية الظنية القائمة على النمط الكانتي تعرض إشكالية دعاوى الحقيقة المتصارعة أو المتدافعة للأديان المختلفة بتثبيت الافتراض القائل أنها ليست في الحقيقة مسألة صراع وتدافع حقيقية وإنما هي مجرد تجليات متباينة للحقيقي او المترشح عن كتل العقائد الدينية المختلفة ، ولكن من متطلقها الخاص أو تعاطيها الخاص مع تجاربها الروحية الخاصة ، وكذلك أسلوب معيشتها وما تختزنه من كنوز الأساطير والأقاصيص والخواطر التاريخية (7) وقد عبر عن تلك التجارب الروحية ولكن بلغة كانطية "إن الحقيقة المفترضة من قبلنا إنما هي افتراض قبلي أو زعم مسبق ، وليس من الحياة الأخلاقية –كما عند كانط- وإنما بوصفها تجربة دينية في الحياة ، فيما يعبر الآلهة ، كما هو معروف صوفيا لدى (البرهمية) وسونياتا وغيرهما أنها تجسيدات أو تجليات مظهرية للحقيقة حينما تجد نفسها في دائرة التجربة الدينية"  (8) تتحول التجربة الروحية إلى وسيلة من اجل تجنب الصراعات العقائدية بين الأديان والمذاهب التي تحرمنا من أرضية لتأكيد الاتفاق المطلق وبدن تلك الأرضية فان التنوع المعتقدات والتجارب تقوض إيجاد ضمانة عقلية للاعتقاد بالتجربة الدينية ومن اجل البحث عن تلك الدعامة التي وجدها في المصالحة عبر التأويل عندما يكتشف الشخص بان ادراكاته الحسية تحمل له معنى يقول بان الله هو الأعظم فيما يزعم شخص آخر انه يدرك روحيا أيضا أن البرهمة مثلا هي الأعظم والتأويل يمكن أن يوصلنا إلى نوع من المصالحة بين ما يعتقده هو وما يعتقده الآخر كون كلمة براهما تعني كلمة الله .

 

المصادر :

    *- استاذ الفلسفة الوسيطة في كلية الاداب جامعة الكوفة

  1. محمد ليكنهاوزن ، الإسلام والتعددية الدينية ، ترجمة مختار الاسدي مؤسسة الهدى للنشر والتوزيع ط1، ص26
  2. المرجع نفسه ،ص29-30.
  3. جون هَرود هيك (باللاتينية John Harwood Hick) 1922 أستاذ وثيولوجي وفيلسوف في الدين. قدم مساهمات في الثيولوجيا الدينية عن الكريستولوجيا والإسكاتولوجيا والثيوديسيا، وفي فلسفة الدين قدم مساهمات في إبستمولوجيا الدين والتعددية الدينية.
  4. يعتقد هيك بسبب تأثره بكانت بأن الاعتقادات الدينية المختلفة صيغت لحد كبير بالأصناف التي قدمتها الطبيعة. ويقدم أدلته ضد الحصرية المسيحية التي تقول بأن الأديان الأخرى قد تحوي بعض الحقيقة والخير لكن النجاة ممكنة فقط بشخص المسيح وأن الحقيقة الكاملة موجودة فقط في المسيحية. يقول روبرت سمد بان هيك يعتقد أن عقائد المسيحية "لم تعد صالحة في العصر الحالي، ويجب بالنتيجة تنزيلها".ويلاحظ مارك مان بأن هيك يقدم أدلته عن وجود أشخاص عبر التاريخ "كانوا أمثلة عن الحق"ويرفض هيك حتى الفلسفة المسيحية غير الحصرية، فهو يشعر بأن آلهة العالم المختلفة كانت ببساطة طرقا مختلفة لرؤية الإله عبر تفكير محدد بالأصناف بسبب الحضارات. الموسوعة الحرة
  5. المرجع السابق ،ص48-54.
  6. المرجع نفسه ، ص55.
  7. المرجع السابق ،بواسطته  وانظر :John Hick "Religoous Pluralism," inACompanin to Philosophy of Religion ,Ph L.Quinnn and Charles Taliaferro,eds.(Oxford:Blackwell,1997),612-613
  8. المرجع السابق ،ص59، وانظر بواسطته : John Hich ,An Interpretation of Religion (New Haven :Yale, 1989),243