الرئيسية » سياسة واقتصاد » السلفيّة الحديثة ومدارسها – فاروق شريف
السلفيّة الحديثة ومدارسها  - فاروق شريف

السلفيّة الحديثة ومدارسها – فاروق شريف

لكنّ المتبحّر في خفايا هذه الجماعة التي ترقى إلى أنْ تكون مذهباً معاصراً، يرى اختلافاً ونزاعاً شديداً بينَ منظريها المتأخرين وهذا الاختلاف قادهم إلى التمترس وراء حزبيّاتٍ ضيّقة خلعوا عليها ألقاباً عديدة ً بهدفِ التميّز عن الآخر والطعن فيه وتبديعه واستئثاراً بمقصودِ حديثِ الفرقةِ الناجية ونسبتهِ إليهم ضمن دوائر تضيق كلما استجدّ أمرٌ سياسي أو فقهي وكلما تقادم الزمن، وبحكمِ تجربتي الشخصية ورحلتي الاعتقادية مع السلفية تمكّنت من ملاحظـــــة هذا الاخـــتلاف وأسبابه وأقسام تلك الفرق المنبثقة عن فرقة السلفية التقلــــيدية الأم، لكنْ قبل سردِ هذهِ الملاحظات لابدّ أنْ نفرّق بـــين السلفية اصطلاحاً عامّاً وبـــينَ السلفية كصـــفةٍ تميــيزية، فالسلفية ُ في أبسطِ تعاريفها تعني إتباع نهج السلف الأوائل وخصوصاً الفقهاء وأهل الحديث كالصحابة وكبار التابعين، وأما سلفية اليوم فتعني أتباع النهجِ الوهّابي المنسوب لمحمد بن عبد الوهّاب صاحب الدعوة السعودية الأولى أو شيخ الإسلام كما يسمّيه أتباعه.

تتّفقُ الوهابية بجميع تفرعاتها بعقيدة التوحيد (الألوهية ـ الربوبية ـ الأسماء والصفات) كما تجمعُ أيضاً على عقيدةِ الولاء والبراء والحذر من البدع الكبيرة التي تعتبرُ الميزان الضابط للخروجِ من الجماعة الأمّ عموماً إلاّ أنها لا تعني الخروج من الإسلام كلّياً كما يقوله الكثير من مخالفي الوهّابية، ويعتبر كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب» الأصول الثلاثة « هو المرجع الجامع الذي تنهل منه السلفية وهو كتيّب صغير ناظم للمتون العقدية التي تعتبر امتداداً للمذهب الحنبلي،إلا أنّ الجديد فيه هو قسم نواقض الإسلام التي رسمت خطوط طريقة جديدة يعتبرها الكثير علامةُ مذهب جديد يتمايز عن المذاهب الأربعة السابقة.

ظلت المدرسة الوهابية شبه متماسكة إلى حين نشوب الحرب الأفغانية السوفييتية ومن ثم حرب الخليج الأولى ودخول القوات الأمريكية إلى الخليج، فبدأ الخلاف السياسي وانعكس الواقع الأممي على الأفق الوهّابي مما أنتج جماعات جديدة غير منضبطة ولا تملك سلاحا وقائيا من شأنهِ أنْ يحمي الجسد الوهّابي من التفكك، وذلك ماساهم في نشوء عشرات الفرق التي تنضوي تحت مظلات عديدة أهمها.

 السلفية التقليدية : تعتبر هذه المدرسة الكلاسيكية البناء الشكلي الذي ظل محافظاً على الروابط بين تفرعات السلفية المتعددة، كما أنّه المورد الأساسي لعموم المجتمع السلفي الشعبي، ويُسمّى منظروه من قبل جمهور السلفية بكبار العلماء ويعتبرونهم حملة راية الدعوة ولهم مكانة إجلال واحترام حتى عند كثير من المسلمين، فهم يتعاملون مع القضايا الإسلامية بمنظور أوسع من أتباعهم ولديهم دقّة وحذر في الخطاب الجماهيري التوازني، ولقد بقي منهم القليل كصالح فوزان الفوزان، فالغالبية قد ماتوا كابن باز وبن عثيمين والألباني إلا أنّ الألباني وبحكم اشتغاله بالحديث وخروجه عن التمذهب ولينه في النظر إلى المخالفين جعل متزمّتي السلفية يسقطونه ويتهمونه بالإرجاء.

السلفية التجريحية: ويسمون أيضاً بالسلفية الجاميّة نسبة إلى شيخهم محمد بن أمان الجامي، وتعتبر هذه المدرسة نفسها هي الوريثة الشرعية للتركة الوهّابية وأنّها لاسواها على هدى بيّن طريق مستقيم وسمّيت بالتجريحية لإنشغال أفرادها تلامذةً ومعلّمين بالجرح والتعديل والتبديع للدعاة والمشايخ من خارج الدائرة، وأهمّ ما يميّزها هي لزومها المطلق لطاعة الحاكم والقرب من بلاط السلطة وحمل الناس على لزوم خطّ دقيق من يحيد عنه يعتبر مبتدعا وضالا ويرمونه بألفاظٍ قاسية « كحزبي ومحترق ومميّع وخبيث « ويحمل رايتها حالياً شيخهم ربيع بن هادي المدخلي، إمام الجرح والتعديل حسب وصفهم.

السلفية الحدّادية : وهي فرع مغالٍ انشقّ عن السلفية التجريحية وتنسب إلى الشيخ المصري محمود الحدّاد الذي اختلف مع التجريحيين بضرورة تعميم ِالتبديع والتضليل دون مراعاة الزمان وإسقاطِ العذر بالجهل، فشرع أتباعهُ يطعنون في كل من خالف النهجَ العام للسلفية وأبدى رأياً مخالفاً في مسألةِ الأسماء والصفات والخروج على الحاكم، لذلك طعنوا في كبار العلماء القدامى وبدّعوهم وحذّروا من كتبهم كالإمام أبي حنيفة وابن حجر والنووي وهذا مالم تصل إلى درجته السلفية التجريحية، ويحمل رايتهم حاليّاً عبد الرحمن بن صالح الحجي وهو شيخ سعودي صغير السنّ.

السلفية الحركية : ولها تفرّعات كثيرة أشهرها السلفية السرورية نسبة إلى الشيخ محمد سرور زين العابدين، وتعبر هذه المدرسة مزيج من الدعوة الوهّابية وجماعة الإخوان المسلمين، فلقد تأسست على فكر حركي إسلامي إلاّ أنّ ترعرعها في كنف الوهّابية أكسبها الطابع السلفي العقدي، فهي تلتزم الأصول الثلاثة التي كتبها محمد بن عبد الوهّاب وتتبنى النظرة الجهادية لسيد قطب، وهذا ما أكسبها فضاءً إسلاميّاً واسعاً ومرونةً في التحرّك الدعوي وخصوصاً لأنّها تتبنى القاعدة القائلة : «نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذرُ بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه»، وتنطلق من نظرية فقه الواقع،لذلك وبرغم تفرّعاتها بقيت منسجمة بين أفرادها بلا تشنّجٍ ولا تبديع، وأكثر منظريها هم من الدعاة الجماهيريين، ويرفضون الانتساب اسميّاً لمدرسةٍ معيّنة، لكنْ هذا ما يسميهم به مخالفوهم من سلفيّة التجريح.

السلفيّة الجهادية: وهذه المدرسة لاشيء يجمعها بالمدارس الأخرى إلا من حيث التوافق على أصول عقيدة التوحيد وتبديع المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، كما وصل الحدّ بهذه المدرسة إلى الانسلاخ عن المدرسة التقليدية ورفض شيوخها كلهم ماعدا المؤسس الأول محمد بن عبد الوهّاب، ويعتبر أسامة بن لادن هو المؤسس الفعلي لهذه المدرسة، وأهم ما يميّزها هو تكفير مؤسسات الدول الإسلاميّة وحكّامها دون تكفير المجتمعِ كلّياً، ومن أشهر منظريها الشيخ أبو محمد المقدسي، ومن فروعها تنظيم القاعدة أمّا تنظيم الدولة فبالـــرغم من تبنيه المنهج الوهّابي عقيدة ً وانبثاقه من رحم الوهّابية إلا أنه يرفض من عموم المدارس السلفية التي تعتبره من صنف الخوارج.

السلفية العلميّة: تكاد تكون هذه المدرسة عبارة ً عن وسيلة نقلٍ لكتبِ التراث لانشغالها بالمكتبات الدينية و شرح متونها وتحقيقها وتدقيقها في عزلةٍ تامّة عن حركة المجتمع المسلم، فهي لا تبدي رأياً ولا موقفاً ولا تدخل في المشاحنات ولا تتصدّر مجالس الإفتاء ولا المناظرات.

السلفية الوطنية: وتتبنى هذه المدرسة النظرة القطريّة للإسلام فلا تهتمّ بما هو خارج حدودِ دولتها ولا يشغلها شيء سوى الدعوة المحليّة لنشر العقيدة في البلد المتواجدة به مع مراعات العلاقة الشكلية بين أخواتها في البلدان الأخرى.

ما ذكرته من فروع للمدرسة السلفية لا يعتبر تقسيماً هويّاتيّاً واضحاً إنّما هي خرائط وضعها السلفيون بين أنفسهم وأطلقَ كلٌّ منهم على مخالفيهِ تسمياتٍ عديدة يسودها المدّ والجزر في خضمّ بحرٍ متلاطمٍ من الخصام والتناحر سببه التمسّكُ بالمفهومِ الظاهري للنصوص الذي يوجب المضي في طريقٍ واحدٍ موصلٍ للنجاة وما عداه يعتبر انحرافاً يترتّبُ عليه البراءة العقدية من صاحبه، وهذا بخلاف النص القرآني الجامع الصريح «إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ».

 

الكاتب: فاروق شريف (كاتب من سوريا)

المصدر    : القدس العربي

كلمات مفتاحية: السلفية التقليدية، السلفية الحديثة، الهويّة، الوهابية، الآراء الفقهية