الرئيسية » سياسة واقتصاد » الشراكة الروسية المغاربية.. انطلاقة لآفاق رحبة – د. نورهان الشيخ
lshrk_lrwsy_lmgrby._ntlq_lafq_rhb.jpg

الشراكة الروسية المغاربية.. انطلاقة لآفاق رحبة – د. نورهان الشيخ

 
للعلاقات الروسية – المغربية عمقها التاريخي أيضاً، ويحتفل البلدان العام المقبل بمرور 120 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والإمبراطورية الروسية. وللشركات الروسية رصيد ضخم في إنشاء السدود والمحطات الكهربية في المغرب، مثل محطة جرادة وسدَّي المنصور الذهبي ومولاي يوسف، وسد الوحدة الذي يعتبر من أكبر السدود في إفريقيا والعالم العربي، ويسهم بحوالي 30% من الكهرباء في المغرب. وقد قام الملك محمد السادس بزيارة روسيا عام 2002، وتم خلالها التوقيع على إعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، الذي تطور إلى اتفاقية الشراكة الاستراتيجية المعمقة في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والأمنية والعسكرية والتكنولوجية خلال زيارته الأخيرة لموسكو العام الماضي. كما قام الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بزيارة المغرب عام 2006. وكانت العلاقات بين الجانبين قد تلقت دفعة قوية إثر إجهاض موسكو عام 2013، المقترح الأمريكي القاضي بتوسيع صلاحيات بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء المعروفة اختصاراً ب«المينورسو»، لتشمل حقوق الإنسان في دعم واضح للمغرب، يتسق والموقف المبدئي لروسيا، الذي يرفض الخلط بين الاختصاصات السياسية لمجلس الأمن والاختصاصات الحقوقية التي يتولاها مجلس حقوق الإنسان بجنيف. 
وعشية زيارته إلى المغرب يوم 11 أكتوبر/تشرين الأول نشر رئيس الوزراء الروسي ديميتري ميدفيديف مقالاً شديد الدفء والتأثير حول العلاقات الروسية – المغربية، في لفتة بدا منها شدة الاهتمام الروسي بشراكات متوازنة مع القوتين المغاربيتين، الجزائر والمغرب، وكشفت الزيارة عن الآفاق الرحبة التي تنتظر الشراكة الروسية مع البلدين مستقبلاً. وقد حظيت ملفات التعاون التقني والاقتصادي بنصيب الأسد في الزيارة، وذلك في إطار توجه موسكو لدعم صادراتها التقنية والسلعية. 
وتصدر قطاع الطاقة الأجندة الروسية في هذا الصدد، ومثل توقيع مذكرة التفاهم الخاصة بالتعاون بين موسكو والجزائر في المجال النووي نقلة نوعية للتعاون بين البلدين. فرغم تحفظات عدد من الدول الغربية، خاصة فرنسا التي ماطلت في مساعدة البلدين في الحصول على الطاقة النووية، تبدو موسكو والجزائر ماضيتين قدماً لبناء أول مفاعل نووي للاستخدامات السلمية وتوليد الطاقة الكهربائية بالجزائر.
كما يعد التنسيق بشأن حجم إنتاج وأسعار النفط والغاز بين روسيا والجزائر محورا مهما للتعاون بين البلدين. فروسيا أكبر منتج ومصدر للغاز في العالم، وتهيمن روسيا والجزائر معاً على 70% من صادرات الغاز لأوروبا. كما تحتاج روسيا للتفاهمات مع الجزائر بشأن أسعار النفط في إطار «أوبك بلاس». وتم خلال الزيارة توقيع مذكرة تعاون بين شركة «ترانس نفط» الروسية للطاقة، والشركة الحكومية الجزائرية للنفط والغاز «سوناطراك» للتعاون في استخراج ونقل النفط. ومن المعروف أن هناك تعاونا ممتدا بين روسيا والجزائر في مجال تحديث أنابيب نقل الغاز والنفط الجزائري. كذلك، تمثل روسيا ثالث أكبر مصدر للطاقة إلى المغرب، وتستحوذ الطاقة على 78% من صادرات روسيا للمغرب. وسيعزز فوز شركة غاز بروم الروسية بصفقة الغاز المسال في منطقة الجرف الأصفر المغربية من التعاون بين البلدين في مجال الطاقة. 
وتعتبر تكنولوجيا الفضاء من المجالات المهمة للتعاون بين الجانبين، وسبق وأن أطلقت روسيا القمر الصناعي الجزائري ألسات-1، في نوفمبر/تشرين الثاني 2002. كما أطلقت أول قمر صناعي مغربي من مركز بايكونور الفضائي عام 2001 تحت اسم «زرقاء اليمامة».
يضاف إلى ذلك التعاون الواعد في مجال تكنولوجيا المعلومات، وصناعات السيارات وطائرات الهليكوبتر والقطارات والبتروكيماويات والبيوتكنولوجيا والصناعة الغذائية وغيرها. وتطمح روسيا إلى بيع طائراتها المدنية من طراز «سوخوي سوبرجت 100»، و«إم إس 21» إلى الجزائر. وتم خلال المنتدى الاقتصادي «روسيا – المغرب: الشراكة الاستراتيجية الفعالة»، الذي عُقد في أغادير في سبتمبر/أيلول 2016، وشارك في أعماله نحو 300 رجل أعمال من كلا البلدين، بحث العديد من المشروعات المشتركة في المجالات المختلفة.
على صعيد آخر يكتسب التبادل التجاري أهمية متزايدة لا سيما مع الجزائر، الذي تضاعف وبلغ نحو 4 مليارات دولار عام 2016. كما تعتبر المغرب من أكبر شركاء روسيا التجاريين في إفريقيا والعالم العربي. ووفقا لإحصاءات مصلحة الجمارك الروسية، ازداد حجم التبادل التجاري بين البلدين بنحو 27.2% عام 2016، ليبلغ 1.6 مليار دولار. وتستقبل السوق الروسية 50% من إجمالي الصادرات الزراعية المغربية، وتعد المغرب سوقا مهما للحبوب الروسية، وبلغ حجم صادرات روسيا من الحبوب إليها 850 ألف طن عام 2016، وتسعى موسكو إلى زيادة هذه الصادرات وتوريد ما يصل إلى مليون طن سنويا من الحبوب إلى السوق المغربية، وإضافة أصناف جديدة إلى قائمة صادراتها. 
ورغم الصبغة الاقتصادية والتقنية الغالبة للزيارة، فإن البعد الأمني والعسكري كان حاضراً وبقوة أيضا. فروسيا والجزائر تستشعران خطر التطورات في ليبيا، وتحرك الجماعات الإرهابية والحشود الكبيرة لعناصر «داعش» في الصحراء الليبية وعلى الحدود مع الجزائر بعد هزيمته والتضييق عليه في ليبيا، وكذلك في سوريا والعراق. وتبدو المغرب مدركة أيضا أنها ليست بمنأى عن هذا الخطر، وأن هناك حاجة للتنسيق والتعاون الأمني مع روسيا. ففي أبريل/نيسان 2016 قام عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني المغربي، بزيارة موسكو، أعقبها زيارة فياتشسلاف ليبديف، رئيس المحكمة العليا الفيدرالية الروسية، للمغرب في مايو/أيار من العام نفسه، ثم زيارة نيكولاي باتروشيف أمين مجلس الأمن القومي الروسي، الذي حظي باستقبال ملكي في ديسمبر/كانون الأول.
ويظل التعاون العسكري، وسعي روسيا إلى الاحتفاظ بالجزائر كسوق رئيسية للسلاح الروسي على قمة الأولويات الروسية. واحتلت الجزائر المرتبة الثالثة بين مستوردي السلاح الروسي على مدى العقد الماضي، وتعد أكبر مستورد للأسلحة الروسية في إفريقيا، وذلك بصفقات بلغ معدلها 4 مليارات دولار سنوياً خلال العشر سنوات الماضية، منذ أن وقع البلدان على صفقة سلاح بقيمة 7,5 مليار دولا أثناء زيارة الرئيس بوتين للجزائر في مارس/آذار 2006. كذلك تسعى موسكو إلى أن يصبح المغرب في قائمة زبائنها، وتسويق عدد من المنظومات والأسلحة المتطورة لها، خاصة مقاتلات سوخوي والغواصات من الجيل الرابع.
إن زيارة رئيس الوزراء الروسي للمغرب العربي كانت كاشفة ومحفزة للتعاون بين الجانبين، لتتسع دائرة الاهتمام الروسي لتشمل العالم العربي من المحيط إلى الخليج.
الخليج: ٢٩-١٠-٢٠١٧