الرئيسية » سياسة واقتصاد » السياسة الإعلامية لمواجهة المتطرفين
abdalla_jabri.jpg

السياسة الإعلامية لمواجهة المتطرفين

ذكر "مرصد التكفير والفتاوى " في مصر، في تقريره الأخير تحت عنوان " دَورُ المنتديات ِ الإلكترونية ومواقعِ التواصلِ الاجتماعي في تجنيد الإرهابيين"، أن ثمانين بالمئة من الذين انتسبوا إلى التنظيمات الإرهابية جرى تجنيدهم عبر وسائلِ التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن عدد المواقع التابعة لهذه الجماعات ارتفع من اثني عشر موقعاً إلكترونياً عام سبعة وتسعين، إلى مئة وخمسين ألف َموقع عامَ 2016، حيث تنتشر مواقعها على كل أنواع التواصل الاجتماعي: فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب، وانستغرام.

كما أظهرت أيضاً عدة استطلاعاتٌ للرأي أن "داعش" على وجه التحديد هو من أكثر التنظيمات استغلالاً لشبكة الإنترنت بشكل عام، ولا شك أن المتتبّع لإصدارات التنظيمي لحظ على نحو واضح احترافية استخدامه لهذه الوسائل، واحترافيته في التصوير، وإنتاج الأفلام الوثائقية، فجُودة أعمالها لإعلامية تضاهي ما تنتجه أكبر شركات الإنتاج في العالم.

أسباب عديدة دفعت التنظيمات المتطرفة إلى الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي، أولها أن إيصال المعلومة من خلالها سهل جداً، ويصل إلى أكبر عدد من الناس، فآخر الإحصائيات العالمية توضح أن أكثر من ثلاثة مليارات شخص يستخدمون الإنترنت، بينهم مليار ومئتي ألف يستخدمون "الفيسبوك"، فيما تجاوزعدد مستخدمي "التويتر" الخمس مئة مليون.. ثانياً، إن نشر المعلومات والتقارير والأفلام عبرهذه الشبكات العنكبوتية، يقلل من التكاليف المادية..

 ثالثاً، وهو الأهم بالنسبة لمثل هذه الجماعات، هوالابتعاد عن عيون أجهزة الاستخبارات، حيث يمكن التواصل مع أعداد كبيرة من الناس بحسابات وهمية، يصعب تحديد هويةِ صاحبها..

 رابعاً، صعوبة حظر أو محاصرةِ ما تنشره هذه الجماعات.

وهنا، لعله من المفيد أن أتطرّق بإيجاز إلى مؤسسات "داعش" الإعلامية بشكل عام، لنرى مدى أهميةِ مواقعِ التواصل الاجتماعي ضمن هذه المنظومة الإعلامية، فللتنظي ممؤسسات مرئية، ومؤسسات إذاعية، ومؤسسات مكتوبة، فضلاً عن الألعاب "الهادفة" التي تروّجل فكر التنظيم.

فمن أهم المؤسسات البصرية، مؤسسة "الفرقان"، ومؤسسة "خيبر"، ومؤسسة "دابق"، ومؤسسة "الحياة"، وتعتمد في نشر مقاطعها بشكل أساس على مواقع التواصل الاجتماعي.

أم االوسائل الإعلامية المكتوبة، فهناك مجلة "دابق"، وتصدر بعدة لغات،وقد أنشأ التنظيم أيضاً قناة تلفزيونية سماها "الخلافة"، إضافة إلى العديد من الإذاعات المحلية في العراق وسورية، ومؤخراً في ليبيا،إضافة إلى قنواته الكثيرة على "يوتيوب"، وإلى جانب كلهذاهناك ألعابٌ يصدرها التنظيم، أهمها لعبةٌ للأطفال تحتاسم "صليلُ الصوارم"، وهي نسخة من اللعبة المعروفة "غراند ثيفت أوتو Grand Theft Auto 55"،حيث يسعى إلى تكريس صورة المقاتل الأسطوري المؤمن الذي لايُقهر حتى بالموت.

لقد وصل الإعلام في عهد "داعش" إلى مرحلة متقدمة، إذ أضحى لكل ولاية إعلامها، وهنا تتداعى إلى الأذهان أسئلة عديدة، لعل أهمها: كيف نواجه إعلام المتطرفين والإرهابيين؟

هناك طريقتان: الأولى تقنية، والثانية لها علاقة بالمضمون.

من الناحية التقنية، يمكن القول إن التنظيمات الإرهابية نجحت إلى حد كبير في التحايل والالتفاف على عمليات الحظر، فقد جرت محاولات عدة من الدول الكبرى والشركات العالمية المشرفة على شبكات التواصل الاجتماعي لحظر الحسابات الرسمية لعدة تنظيمات إرهابية، لكنها كانت تعمد في كل مرة إلى فتح حسابات بالمئات، وإعادة نشر مقاطعها الترويجية على "يوتيوب" و"تويتر" و"فيسبوك"، فمن السهل إنشاءُ حساب جديد على مثل هذه الشبكات، فقد أعلن "فيسبوك" مثلاً العامال ماضي عن وجود نحوثلاثة وثمانين مليونَ حساب مزيَّف،ضمن قاعدة حساباته، فيما أعلنت "تويتر" عن وجود 20 مليون حساب مزيف.

أما من ناحية المضمون،وهو الأهم، فيمكن مكافحته بالطرق الآتية:

أن يقومعلماء متخصصون بمجال الإعلام والسياسة والدين بتفنيد كل مقطع ينشره المتطرفون، والردِّ عليه، ومن ثم تحميله على الشبكة العنكبوتية بالاسم عينه، مثلاً: موقف الإسلام من الحرق،والتمثيلِ بالجثث، وهدمِ التماثيل، وتهجيرِ المسيحيين.. وبتقديري، ينبغي أن يكون هناك مؤتمر لعلماء المسلمين، يصدر وثيقة مفصّلة تردّ على كل الأدلة الفقهية والدينية التي يستشهد بها المتطرفون لتبرير أعمالهم وإضفاء المشروعية عليها.

أما في ما يتعلق بوسائل الإعلام المرئية، وكيفيةِ نشرهذه المقاطع في نشرات الأخبار والبرامج، تتبادر إلى الذهن أسئلة عدة: هل يجب أن يمتنع الإعلام عن إعادة بث المواد السمعية والبصرية التي تُنتجها المجموعاتُ الإرهابية؟ وكيف يمكن أن يغطي الصِّحافيون بشكل أخلاقي أزماتِ الرهائن المتواصلة، من دون أن يعززوا – عن غير قصد – الجهودَ الدعائية الإرهابية؟

هناك مدرستان:

الأولى تقول: ينبغي حرمان الإرهابي من حرية الوصول إلى منافذ الوسائل الإعلامية.

المدرسة الثانية تقول: نحاول نقلَ الخبر كي لا تضعفَ مصداقيةُ الإعلام ويلجأَ الناس إلى مصادرالتنظيمات وحساباتهم،لكن في الوقت عينه علينا أن نحاول ألانقع في فخ دعاية الخبر، فهناك فرق بين العمل الإعلامي والدعاية الإعلامية.

في الختام، يمكن اقتراح الآتي:

أولاً: عدمُ تضخيم حجم الإرهابيين وإظهارهم كأنهم منظَّمون ولهم جيوش.

ثانياً: أي استشهاد ديني يورده المتطرفون يجب الرد عليه بعد عرض التقرير، لإقناع المشاهد أن الاستشهاد بالدليل غيرُ صحيح،وأُدرج في غير سياقه.

ثالثاً: في عمليات القتل،لا ننشرِالأساليب، بل نكتفي بالقول: أَعدمت "داعش" ثلاثة أشخاص، مثلاً، لأن التنظيم يعمد إلى نشر الوحشية، لترعيب الناس،وإسباغ صفة البطولة على عناصره.

رابعاً: استضافة الخبراء والمختصين في المجالات الأمنية والاجتماعية والنفسية، والثقافية، والدينية، والتربوية، لمعالجة الجوانب المختلفة للظاهرة، وقراءةِ الحدث كظاهرة وليس كحدث منفصل.

خامساً وأخيراً، بلورة صيغة تعاون وتكامل بين المؤسسات الإعلامية الجادة في محاربة التطرفو الإرهاب، وإعداد برامج علمية وعملية تسهم في نشرالاعتدال في الفكر والسلوك.

كلمات مفتاحية:الفتاوى، الإرهاب، التواصل الاجتماعي، المنتديات الالكترونية العنف