الرئيسية » اكتشف روسيا! » الروسياالدوستويوفسكية – سهيل فرح
الروسياالدوستويوفسكية - الجزأ الأول سهيل فرح

الروسياالدوستويوفسكية – سهيل فرح

تمكن من أن يحفر في أعمق طبقات الوعي واللاوعي مما جعله يدخل في قائمة الأدباء المفكرين العالميين بامتياز.

دوستوبوفسكي لم يكن أديباً من الطراز الأول، بل إنه كان باحثاً نفسياً ومفكراً فيلسوفاً.

وإن كان ينزع عن نفسه صفة الفيلسوف أو عالم النفس إلا أن الباحث المتمعن في مضامين كلامه يرى في الصنف الذي نهجه دوستويوفسكي في كتاباته هو نوع من الأدب الفلسفي الرفيع المستوى.

عالم ألفاظه وإدراكه للعالم كان يحضر فيه وبكثافة المصطلح الأخلاقي والروحي والجمالي. كان يرى بأن البيئة السعيدة الحاضنة للإنسان لا يمكن أن تكون إلا في دائرة جمالات الثقافة. وهو صاحب القول المشهور الجمال ينقذ العالم… والجمال الذي يفهمه دوستويوفسكي يبدأ من خلال الاكتشاف الدائم لطاقات الخير والمحبة في الثقافة الإنسانية.

إبداع دوستوبوفسكي هو بمثابة الملحمة الوجودية التي يدور الحوار والسجال والصراع الدائم فيها بين محوري الشر والخير، بين قطبي العبودية والحرية، بين ثنائي الواجب والحق.

كان شديد التعلق بالقيم الروحية والإنسانية المشتركة رغم اضطهاد سلطات بلده القيصرية له، من جراء انتمائه الى مجموعة بتراشيفتسكي التي دعت للتمرد المطلق  على نظام القنانة ودعوته لإصلاحات  جذرية في بنيان النظام القائم، الأمر الذي أدى بالبوليس القيصري لأن يحكم عليه بالإعدام، إلا أنه، ومنحسن حظ الأدب والفكر الروسي والعالمي, و ربما جاء القدر لينقذه , حيث خُففت العقوبة عليه ليقضي سنوات أربع في السجن. ومن ثم قام بالالتحاق في الخدمة العسكرية. بيد أن سنوات السجن والعسكر وكل أنواع القهر والاضطهاد لم تكسر نفسيته ولم تدفعه إلى دائرة العبث والفوضى والانغلاق.

شعر في تلك الفترة ومن أعماق روحه بان أثمن شيء في الوجود هي الحياة، لذا فإن معنى إرادة الحياة والتركيز على الجانب الأكسيولوجي فيها كان حاضراً في كل أعماله.

 

وعندما جرى الحديث عن دوستويوفسكي بأنه أديب فيلسوف فالمقصود من ذلك أنه كان يُفعِل عقله من أجل  تظهير الفكرة والبحث في مضامينها الوجودية، والعمل على صياغتها بالشكل الذي نصل فيه إلى النقطة التي تثير وبقوة طاقة العقل والقلب معاً عند القارئ.

فالفكرة في عالم دوستويوفسكي كان لها وظيفتها السيكولوجية والإنسانية. فهي تعكس الوعي الذاتي لأبطال رواياته، تعكس حالات التمرد والخنوع، الأخذ والرد على مجمل مجريات الواقع التي تحيط بعالم الإنسان. بيد أن لكل فكرة عنده دلالة ورسالة تعبر عن نفسها بالكلام الذي تفوهت به ألسنة أبطاله  المتصالحين مع ذاتهم الشخصية والاجتماعية والكونية، أو الثائرين عليها. لم توضع فكرة دوستويوفسكي في قالب واحد، منسجم مع الشكل الظاهر في الكلام .  والمضمون الكامن في دواخل النفس، بل إنها جاءت متنوعة، متناقضة، قلقة، متفائلة، حيناً ومتشائمة أحيانا أخرى، منغلقة على ذاتها الدينية والقومية أو منفتحة على العالم، إلا أن فكرته المفضلة، كانت مرتبطة بحلمه الفاضل، أو جمهوريته الفاضلة، المتماهية مع الجوانب الأكثر إشراقاً في الثقافة الإنسانية.

رغم أن فكرة إبطاله كانت تعكس نماذج بشرية لها أسماء محددة كدفورجين و أليكا، وكيريليوف وتاتيانا و  أولغا وغيرها من الأسماء التي تشير إلى  هوية معينة لصاحبها، إلا أن الوعي الذي يحمله هؤلاء الأبطال لم يعبر عن وعي ذاتي لشخص واحد، بل إن تلك الأفكار كانت تعبر وبأسلوب فني خاص عن روح الإنسان الذي يعيش في كنف أمة معينة أو شعب معين. وكما يقول الباحث الروسي ميخائيل باختين: " اتصف دوستويوفسكي بالقدرة على تصوير فكرة الغير، محافظاً على كل قيمتها الدلالية الكاملة بوضعها فكرة" (1) . بمعنى آخر إنه وإن كان الاختصاصي الماهر في عكس خوالج النفس الإنسانية. وإفرازاتها السلوكية الظاهرة عند الغير، إلا أنه كان أيضا، الفنان والأديب المحترف الذي كان يعبر عن تلك الأفكار على الأبعاد الشكلانية والرمزية والجمالية للفكرة. بيد أن هناك شروطاً كان يرسمها دوستويوفسكي لنفسه تتحدد على ضوئها إمكانية تصوير الفكرة. وفي هذا السياق برع  باختين في تحليل هذا الجانب من إبداع دوستويوفسكي عندما قال: " إن صورة الفكرة لا تنفصل عن صورة الإنسان… وبطل دوستويوفسكي هو إنسان الفكرة" (2) … غير أن هذا الإنسان لم يكن هائماً في فضاء الفكرة المجردة، بل له جذوره المرتبطة بالمكان والزمان. والمكان هنا هيالروسيا، والزمان هو الحقبة المتقدمة من التاريخ الحديث. بيد أن هذا المكان وذاك الزمان على خصوصيتهما، كانا يحملان وعياً فلسفياً لعلاقة الإنسان بأناه، وبالآخر، أي بمعنى آخر بأناه الروسية وبالآخر الإنساني والكوني. وروسيا التي كانت الهاجس الأساسي لفكرته، لم يكن يتصورها ألا رحاب التناطح  الخلاق مع الحضارات الأخرى.

 

فكرة روسيا.

قبل الإشارة إلى الخصوصية الثقافية والدينية للروسيا، يركزدوستويوفسكي على الفلسفة الأخلاقية العامة للروسيا المجسدة في إطار وطني. ففي عام 1877 يكتب إن " فكرة روسيا الوطنية ليست في الحصيلة العامة سوى الكليانية الإنسانية العامة" (3).فهو يتخيلها بأنها تشمل وحدة كل شعوب العالم بلا استثناء .  ومن خلال تفاعل الأنا الروسية مع كل القيم الحضارية على هذا الكوكب. ويقول بهذا الصدد: " لعلنا نحن الذين نعلم في الطليعة بان قوميتنا التي نسعى إليها والنجاح الذي نطمح إليه، لا يحصلان من خلال الضغط على الآخرين، على العكس من ذلك، فنحن نقترب من أهدافنا من خلال تلمس التطور الواسع لقيم الحرية والسيادة عند الأمم الأخرى، ومن خلال تمتين عرى  الأخوة معها. كل طرف يمكنه أن يكمل الآخر والمسيرة تكون وثيقة الصلة إذا ما تمكن كل واحد أن يضم العناصر المتأصلة في ثقافة الآخر، على أن يكون جسر التواصل بيننا مبنياً على ما تنير به النفس والروح من قيم. نتعلم منهم ويتعلمون منا. وهكذا تتواصل الشعوب كافة فيما بينها إلى أن تصل البشرية إلى الكليانية الموحدة للعالم، الى الشجرة الكبيرة والعظيمة التي تغذي جذورها الأرض السخية والسعيدة" (4)

دوستويوفسكي المدرك جيداً لنقاط ضعف وقوة شعبه عبّر في رواية " المراهق" على لسان أحد أبطالها، ماكار إيفانوفيتش، بأنه وبصرف النظر عن الأوضاع الصعبة المتفاقمة التي يعيشها في دنياه، فإنه يبقى شديد التمسك بكرامته وبهدوئه. ويبقى حبه المطلق لبني البشر يسكن روحه. وفي الفطرة يحضر التضامن مع كل المعذبين ليس في بلده فقط ، بل مع كل المعذبين على الأرض. وفي معرض قراءاته الواسعة لأعمال دوستويوفسكي يقول أحد المفكرين اللاهوتيين الروس، المتروبوليت أنطوني ( خرابوفيتسكي) بأن " روح الشعب الروسي ملأى بذاك الرصيد الكبير والواسع من الضمير الحي والحرية الداخلية، والابتعاد عن النزعة الفردانية الأنانية التي قلما نراها حاضرة بنفس القوة عند الشعوب الأوروبية – الغربية" (5) 

       النفس الروسية المليئة بعدم الرضى عن الذات والتي نادراً ما دخلت عناصر اللذة المادية والرفاهية إلى القطاعات الواسعة من أبنائها، فهي تختزن في داخلها مساحات واسعة من الوداعة والغنى الروحي. وتعليقاً على رؤية دوستويوفسكي للإنسان الروسي يقول المتروبوليت أنطوني " بأن من الاستحالة بمكان قهر الروح الروسية، حتى في المرحلة القاهرة لنظام القنانة، وفي الظروف المغرّفة في الفقر تبقى الروح الروسية مفعمة بالحب والخير والسلام" (6). فالقلب الروسي الذي عكس نبضه دوستويوفسكي في روايتي " الأخوة كرامازوف" و"المراهق"  هناك تركيز دائم على قدرته في التوفيق بين المشاعر الدافئة الموجهة للروح الوطنية والمودة الموجهة إلى روحانية الإنسانية. قلبه يتماوج فيه ذاك التوق الكبير لخير البشرية عامة. وفي هذا كله يعتبر الينبوع الذي يستقي منه هذا الخير العام وهذه الروح منبثق من عقيدته الإيمانية والمتماهية مع الروح المسيحية. فدوستويوفسكي يعتبر الروسيا والمسيحية الأرثوذكسية صنوان أبديان لا يفترقان " ويوجه انتقاداته للغربيين في اوروبا وللمغربيين في بلده ,  هؤلاء الذين يقللون من حجم حضور الأرثوذكسية روحاً وثقافة في الحياة الروسية . فكان يؤكد دائماً بأنه لا يمكن فهم الشعب الروسي في العمق، ما لم يتم إدراك وفهم الأرثوذكسية. ويذهب إلى أبعد من ذلك ليصل في هذا الطرح إلى أقصى نهاياته عندما يقول: " من لا يدخل الإيمان الأرثوذكسي العميق إلى قلبه لا يمكنه أن يكون روسياً" .

وفي لحظات من حياته جاءت ببعض المتغيرات على مزاجه الإيماني والروحي والتي أتت من جراء عدم رضاه على السلوكية البشرية لممثلي المؤسسة الرسمية الدينية في بلاده وفي الغرب بخاصة، ومن جراء قراءاته الواسعة لفلسفات وآداب الغرب والشرق معاً، يعود مرة جديدة معلناً تمسكه الأقوى بجذوره الإيمانية ومشهراً عن عناقه للقلب الروسي الذي يعبق نسيمه الروحي والديني من الشرق. يعود يجهر إيمانه أمام الجميع ليقول: " آمنت بالمسيح المنبثق من أعماق الشعب، الذي يختفي وهجه في المدى الأوربي" . ففي مؤلفه الذي حمل عنوان " مراسلات من البحر الميت"، يعتبر بأن الحضارة الأوربية بالذات، بمبشريها وفلسفاتها ومعتقداتها تمكنت من فتك روح الإيمان في وعي الشبيبة. وتمكنت من أن تُدخل إلى أسر فكرها فئات واسعة من الأوساط الشعبية ومن النخب الحاكمة. وأعلن عن مخاوفه من تلك الطاقة المعتمة المهددة للروح الإيمانية الروسية". غيرأن هذا وفي إطار رؤيته الإيمانية للوجود، لم ينسه، رغم انتقاداته للأفكار الغربية المادية و " لرخاوة" الإيمان حتى عند بقية المذاهب المسيحية الأخرى، من التركيز على الجانب الديني في الفكرة الروسية " التي يسكنها الرجاء للتماهي مع الروح المسكونية الجامعة للكنيسة". وفي هذا السياق من الكلام الدوستويوفسكي عن الفكرة الكليانية، لا يمكن الحديث عن إحاطته وأمانته للبعد الشامل و الكوني لها والتي دائماً ما كان يرددها في أعماله. تبدو الرؤية الروحية الدينية عنده غير منسجمة، لا بل يمكن القول بأن المشترك الروحاني عند سائر الأديان والثقافات يكاد يكون مهملاً حيناً ومغيباً أحيانا أخرى في العديد من أعماله . إلا أن كتابات أخرى له حول مفاهيم أخلاقية ونفسية وفلسفية حياتية عامة يبدو فيها أكثر انفتاحا وشمولية وأكثر قرباً وأمانة للمفهوم المركزي لفلسفته الكليانية حول الفكرة الروسية.