الرئيسية » اكتشف روسيا! » الروسياالدوستويوفسكية – الجزء الثاني – سهيل فرح
الروسياالدوستويوفسكية

الروسياالدوستويوفسكية – الجزء الثاني – سهيل فرح

على العكس، على العكس من ذلك. فلا أؤكد فقط على مخاطر " تغييب الشخصية، بل أركز على أهمية حضور الشخصية الإنسانية في أرقى درجاتها وتحليلاتها. وهي التي تحددت معالمها بوضوح في الغرب. يرجى أن يُفهم موقفي: فالتصرف الحر المنبثق من وعي تام به، وغير المجبر للإقدام على التضحية التامة بالنفس مقابل الكل، هو حسب ظني، يعتبر المؤشر الأرقى لتطور الشخصية، يعبر عن القوة الهائلة الحاضنة لها. ويفسح المجال لصاحبه لأن تكون في داخله أعلى درجات حرية الإرادة الخاصة. إن طاقة العطاء المنطلقة من محض الإرادة الطيبة لأجل إشباع الآخرين، لا يقدم عليها، إلا من كان يملك الشخصية القوية المنظورة. وهذه الشخصية هي الواثقة بالتمام من حقوقها القائمة بذاتها، والتي لا تحمل في ثناياها أي خوف، والتي ليس بمقدورها العمل بأي شيء خارج عن إدارتها. أي إنها لا ترى نفسها إلا لكونها مؤهلة لأن تمنح عطاءاتها للآخرين، لكي يشعر الآخرون بأنهم على الطريق الحق، وبأنهم سعداء كأشخاص" (7).

        في هذا التوصيف الدوستويوفسكي لمفهوم الحرية الشخصية والحق والواجب تجاه الأنا والآخر، نلمس عن حق رؤية روسية متقدمة، تجعلنا لا نجافي الموضوعية إذا استنتجنا بأنها لا تضاهي في احترامها و نظرتها للإنسان ولسلوكياته . تلك الأطروحات الفلسفية والوجودية التي طلع فيها الفكر في الغرب. ولعلها بالتالي تقلب الصورة الستيريوتيبية (المنمطة) لدى الكثير من المقاربات الأوربية والغربية وغيرها التي تعتبر بان الفرد كقيمة  ,وبان الإرادة الحرة في التفكير وفي السلوك ,  لا وجود لها في الفكر الروسي.

ودوستويوفسكي يعتير بأن صفاء الفكرة الروسية ونقاءها الأخلاقي والوجودي ينبغي أن يستند إلى هذه الروحية. دوستويوفسكي في إشارته المتواصلة الى دور الديان الأكبر في بعض أعماله يركز على ضرورة الحرص الشديد على حرية الفرد وعلى حرية الإرادة وعلى وعيه وضميره الأخلاقي، و على ضرورة عدم التفريط بأي ثمن بهذه القيم. والشخص الذي يملك حرية الإرادة، هو الإنسان المتميز بالضمير المرتاح لنفسه ولغيره. وهو المؤهل أكثر من غيره لأن تكون مساحة الحرية والواجب الأخلاقي واسعة في الفلسفة التي ترتكز عليها أمته.