الرئيسية » اكتشف روسيا! » الروسياالدوستويوفسكية – الجزء الثالث: الإنساني والشخصي في فكر دوستويوفسكي – سهيل فرح
دوستويوفسكي الإنسان المواطن العالمي

الروسياالدوستويوفسكية – الجزء الثالث: الإنساني والشخصي في فكر دوستويوفسكي – سهيل فرح

في مقاربة دوستويوفسكي لهذه الظاهرة بدا التناقض واضحاً في الرؤية الفلسفية للحلم المرسوم في الذهن حول المشهد الأكسيولوجي الإنساني العام، وبين العلاقة الملموسة والمحسوسة في سلوك الإنسان. وهي في طروحاتها الكلامية – النظرية وتمثلاتها الحياتية – المعاشة تُظهر بعض من أوجه الصراع في علاقة الفكرة الروسية بنفسها أولاً قبل علاقتها مع الآخر. فهذه الروسيا  ومع إنسانها القاطن في مداها الواسع الأرجاء، الذي يحتضن عشرات لا بل مئات الإتينات والشعوب واللغات والأديان والمذاهب والأفكار والثقافات، يجول في داخلها من الناحية النظرية الرغبة الجامعة في تمثل القيم الإنسانية العامة المشتركة، وقد تكون مخلصة لذلك، لا بل محبة لها. إلا أنها على المستوى العملي اليومي، وانطلاقاً من اعتبارات مادية اقتصادية، بيوسيكولوجيةوسوسيوثقافية، تجد نفسها في المشهد اليومي للعلاقة بين بشرها بأن الكثير, الذي لا يمكن إحصاؤه, تدخل فيه عناصر الضعف والعتمة واللاتوافق الداخلي. وهذا ما يظهرعادة داخل دائرة الجماعة التي يجمعها البناية أو حتى المسكن الواحد، او الحي الواحد، او المدينة الواحدة. ومجمل تفاصيل الحياة اليومية التي تصنع المشهد اليومي طوال الساعات الأربع والعشرين هي التي تحدد معالم الشخصية الاجتماعية . وفي هذا المشهد اليومي تظهر في السر والعلن كل أوجه الصراع مع الذات الفردية والجماعة. وتبعاً للعوامل الإيجابية او السلبية، لحالات التشاؤم أو التفاؤل التي تفرزها الطاقات الغرائزية والنفسية والعقلية والروحية ترسم روسيا لنفسها في يومياتها نظرتها وعلاقتها مع أناها الجماعية. وهنا يصعب على الباحث تحديد حركية البارومتر الروسي حيال اقترابه أو بعده من الجانب المتسامي في فكرته الروسية. ودوستويوفسكي الإنسان المفكر الشخص أو الفرد لم يكن في فلسفته وفي سلوكياته اليومية بعيداً عن هذا المشهد.

        في عمله "المفتش الكبير"  يعترف  فيقول" لأن يستطع أن يفهم كيف إن الواحد منا لا يتمكن من محبة جاره, علما أن بإمكانه محبة الناس عن بعد". ويقول في مكان آخر: "فإنه كلما ابتعدت مسافة الود بيني وبين الناس على انفراد، كلما تصاعد نور ونورانية الحب في داخلي حيال الإنسانية بعامة" (8). قد تكون هذه الأحاسيس مرتبطة بنموذج عن البشر النوابغ الذين يتمتعون بإحساس مرهف وبذاتية قد تصل بالبعض منهم إلى درجة النرجسية.  ودوستويوفسكي الذي عبر عن هذه المشاعر مع شخصيات أبطاله في رواية " الأخوة كارامازوف" لم يكن بعيداً كشخص في سلوكياته اليومية عن هذا الجو. وقد يبدو لأول وهلة بأن رؤيته للإنسان الواقعي الملموس والمحسوس تتناقض مع الرؤية العامة للإنسانية وللفكرة الروسية معها. إلا أن الحقيقة البشرية المعاشة لدى الملايين من البشر تؤكد بأن المسافة دائماً ما تكون شديدة البعد بين الحلم الجميل والواقع المر. فتجربة الإنسان في علاقته مع ذاته وداخل دائرة الأسرة والمجتمع والثقافة الواحدة تصبغ مفرداتها وكلامها وسلوكياتها العملية إشكاليات الأنانية وروح التضحية، العدوانية الانفصالية و السلام العقلي، إغراءات المادة والتوق إلى الروحانيات، الخاص الشخصي والعام الإنساني.  التعصب لروح الجماعة المسورة بكاتدرائيات الدوغماتيات المتنوعة الألوان والمصادر، وتقديس الروح الفر دانية، الحرة، المعقلنة.

     أشد ما كان يقلق دوستويوفسكي في نظرته للناس هو تلك الفئة التي تطىءطىء رؤوسها كالقطعان أمام أوامر السلطات كل السلطات أي كان نوعها. فهو لا يغمز بنظرته النقدية لسلوكية البشر، من زاوية العين الروسية الفاحصة، بل يوسع دائرة الرؤية لتشمل مشاكل وتناقضات وعذابات وآمال وطموحات وأحلام البشر على المستوى العالمي.  وحالة دوستويوفسكي تعكس موقف الأديب، الفيلسوف الحالم بعالم طاهر يصطدم دائماً بواقع الحياة البشرية المليئة بالثغرات والأخطاء والخطايا . وخلاص هذا العالم كان يراه دوستويوفسكي يتمثل بشهادة المسيح ورسالته على الأرض. وصورة الشعب الروسي الذي عاش دوستويوفسكي بين ظهرانيه طوال حياته كان يشبهها بصورة المسيح المصلوب.

       بيد أن هذا الشعب الذي تجمع معظم أبنائه عقيدة الإيمان الأرثوذكسية الواحدة مستعد لأن يخوض الحرب من أجلها كقيمة تجسد قدس الأقداس الروسية . فهو في الحياة العملية وفي أسئلته التي يطرحها على ذاته القومية وعلى علاقته مع روسيته والآخر، نجده يتوه في أجواء واسعة من القلق والضياع والحب والكراهية بين هذا الخيار أو ذاك.