الرئيسية » سياسة واقتصاد » الرؤية الروسية للمشهد في أفغانستان – د. سرجون هدايه – نيويورك
lrwy_lrwsy_llmshhd_fy_fgnstn.jpeg

الرؤية الروسية للمشهد في أفغانستان – د. سرجون هدايه – نيويورك

 

" للأسف تترك تعقيدات علاقاتنا الثنائية مع الولايات المتحدة أثرها على التنسيق بين موسكو واشنطن في أفغانستان. وإذا سمينا الأشياء بمسمياتها فبإمكاننا القول إن هذا التعاون غير قائم من الأساس حاليا، لكنْ هناك مجال في الأفق للتعاون. وإذا كنا نرغب بالفعل بعد مرور 16 عاما من دخول الناتو بتأسيس جيش أفغاني فاعل وقادر على تنفيذ مهام قتالية وتأسيس أجهزة امنية ذات كفاءة، فعلينا في المقام الأول أن نتعاون مع الأمريكيين بشأن دعم الجيش والأجهزة الأمنية خاصة في النواحي الفنية والتقنية. كان مقترحنا يتلخص في العودة إلى التعاون الطبيعي. كانت لنا تجربة جيدة للتعاون مع الولايات المتحدة، فقد اشتروا منا ثلاث وخمسين مروحية من طراز مي سبعة عشر. وكان بإمكانهم التصرف بالأسلوب ذاته فيما يتعلق بالمروحيات القتالية. لكن هذا الأمر غير قابل للحدوث الآن، فهم أنفسهم (الأمريكيون) من قاموا بفرض هذه العقوبات، ولا يستطيعون التخلص منها في ظل الوضع القائم. وإذا كان هذا الأمر غير ممكن الآن، فهناك مجال آخر للتعاون، وهو ما تقوم به موسكو في إطار ما يُعرف بصيغة موسكو، حيث نهدف إلى عقد لقاء يجمع أفغانستان ودول الجوار، بما فيها البلدان الآسيوية، وبالطبع روسيا والهند، وذلك سعيا لتهيئة الظروف المناسبة لعقد مفاوضات أفغانية-أفغانية ذات مضمون حقيقي بين ممثلي الحكومة و حركة طالبان. وبإمكاننا تنظيم ذلك بالاشتراك والتعاون مع الأمريكيين".

 

 

الوجود الأمريكي في أفغانستان يقلق موسكو لما لتداعياته من آثار سلبية على المشهدين السياسي والأمني، لذا فالاستراتيجية التي أعلنها دونالد ترامب لم تأت بجديد سوى ما يتعلق بباكستان .

 

 

"حتى من دون هذه الاستراتيجية الجديدة، بالنسبة لي لم تكن هذه المسألة تشكل قضية ما، فقد كنت أشعر وأفهم جيدا أن الأمريكيين قد وصلوا إلى أفغانستان بعزم جدي وبنية البقاء لفترة طويلة، ففضلا عن ليهم ذراع الأفغان ودفعهم في عام 2014 إلى التوقيع على اتفاقية BSA، كما يسمونه، للتعاون في المجال الأمني لمدة 10 أعوام، نحن نعرف جيدا أيضا أنهم يقومون في الوقت الحالي بالضغط على الأفغان بغية تمديد فترة سريان هذه الاتفاقية لمدة 40 عاما. ويبقى السؤال: لماذا تحتاج الدولة التي تعتزم الخروج من أفغانستان إلى هذه الاتفاقية؟ لذلك، في ظل هذه الظروف والمتغيرات من الصعب ايجاد نقاط التقاء مع شركائنا الامريكيين. أما الخلافات مع باكستان فيؤثر بشكل سلبي على الأوضاع وهذا التركيز على باكستان هو العنصر الوحيد الجديد في سياسة الرئيس ترامب تجاه أفغانستان، أما كل ما خلاف ذلك فهي أمور قديمة، قديمة للغاية، ثلاثة أو أربعة آلاف من الجنود الجدد لن يحلوا شيئا، مثلما لم يستطع سابقا 100 الف جندي أمريكي فعل شيء. أما ما يتعلق بكون الأمريكيين يسعون لمواجهة باكستان ومعاداتها بسبب مخابيء للمسلحين، فالسؤال هو: أين كنتم خلال ستة عشر عاما من وجودها؟ أنتم كنتم تعرفون ذلك جيدا، ولم تعيقوا ذلك بأي طريقة من الطرق. لماذا الآن تحديدا قررتم التعامل مع هذه المسألة؟ هذا من جهة.

 

من جهة ثانية: إذا كانت واشنطن ترغب في التضييق على إسلام آباد، فقد تحصل في المقابل على رد قاس ، فقبل كل شيء من المستبعد أن يجلس الباكستانيون مكتوفي الأيدي في حال إذا قررت الطائرات الأمريكية قصف المناطق التي يفترض الأمريكيون أن فيها ملاجئ وقواعد لطالبان. فعلى الأغلب سيقومون بالرد على مثل هذه الأفعال إن وقعت. فبفضل علاقاتهم القديمة التي تم إرسائها مع طالبان ولا تزال قائمة لن يعدم الباكستانيون الآليات والأدوات المناسبة للرد على الأمريكيين في داخل أفغانستان. والسؤال هو: من المستفيد من ذلك؟ فلذلك ستتخذ باكستان مواقف معادية تجاه الأمريكيين، إضافة إلى إيران المعادية أصلا لأمريكا لاعتباراتها الخاصة. وهما الجارتان الرئيسيتان لأفغانستان اللتان تعدان اللاعبين الرئيسيين، إذا جاز التعبير، في هذا البلد. فكيف حينها سنقوم بإرساء التعاون الرامي لتحقيق المصالحة في أفغانستان وحل المشاكل هناك؟ هذا الأمر سوف يسبب صداعا فقط، أنا أعي أن هذا القرار انفعالي الطابع، ونعم، تبدو الصورة للوهلة الأولى أن هناك حاجة ملحة لمعالجة هذه المشكلة. لكن حركة طالبان منذ فترة طويلة تنتهج سياسة تهدف إلى إعادة التمركز في أفغانستان ولم يعد هناك مثلا ما كان يحدث منذ عامين مضيا، عندما كان مسلحو طالبان ينتقلون خلال فترة الشتاء إلى باكستان، حيث ثكناتهم في المناطق التي تتواجد فيها عوائلهم والخ.. هم الآن بالفعل أعادوا التمركز ويسيطرون بشكل فعلي على مساحات كبيرة داخل البلاد، أي أن باستطاعتهم العمل والحركة داخل أفغانستان دون الحاجة للخروج.  نعم، قد تتبقى عوائلهم هناك، فضلا عن بعض القواعد، هذا امر محتمل. لكن إذا أقدم الأمريكان على ممارسة سياستهم في أفغانستان بهذه الطريقة، أي على غير رغبة الباكستانيين، فانا أخشى أن الوضع سيزداد تعقيدا وحينها سيكون من الصعب حتى علينا نحن الاتفاق مع الجميع، لأن الأمريكيين يتصرفون بصفتهم القوة التي لا تجمعنا معا، بل تفرقنا " .

 

 

مؤخرا كثرت التأويلات حول العلاقة بين موسكو وطالبان، كابولوف لا ينفي ذلك بل يؤكد لنا أنها تهدف لدفع العملية السياسة في أفغانستان، ويرى في محادثات أستانا حول سوريا يمكن أن تكون مثالا جيدا.

 

 

"لدينا اتصالات مع طالبان وأقيمت في البداية وقبل كل شيء من أجل ضمان الأمن للمؤسسات الروسية المتواجدة في أفغانستان والمواطنين الروس المقيمين فيها. وكانت تلك مهمة ذات أولوية. بيد أنه بقدر تعميق الحوار بهذا الموضوع حاولنا – حيثما أمكن ووقتما كان طالبان مستعدون للإصغاء إلينا – حاولنا تحفيزهم على وقف الحرب والتوصل إلى الاتفاق السياسي مع الحكومة الأفغانية. لكنا لم ننجح في هذا الشأن ولدى طالبان حججهم الخاصة بهم والتي يمكن أن تعتبر مقبولة. ننطلق أيضا من أن حركة طالبان الآن تختلف كثيرا عما كانت عليه في السابق حيث كنا نعتبرهم أعداء لنا قاموا بحماية المسلحين الشيشان ودرّبوهم للصراع ضد روسيا. أما الآن فتغيرت الأمور كثيرا. حيث استخلص طالبان عبرهم ولا يرغبون في أن يكونوا لا "ساحةً للقتال" ولا أداةً للجهاد العالمي. وبعبارة أخرى تحول معظم أعضاء طالبان وقادتهم إلى حركة قومية مع جدول أعمال قومي. وهم غير راضين عن كون بلادهم – حسب رأيهم – محتلة من قبل الأجانب، إذ لا يعتبرون الاحتلال خطرا على استقلالية أفغانستان فقط، بل على ديانتهم الإسلامية. لهذا السبب كنا ندفع طالبان ولا نزال نحو  الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الحكومة الأفغانية من أجل محاولة التوصل إلى حل وسط. ونعتمد في ذلك على تجربة عملية أستانا وهي عملية غير سهلة وطويلة. لكن هناك بعض النجاحات التي تم التوصل اليها وتشبه من هذه الناحية ما يجري في أفغانستان، حيث يشارك في أستانا ممثلو الحكومة السورية الشرعية وممثلو المسلحين المحاربين ضد هذه الحكومة. ويعني ذلك أن هذا الأمر (أي المفاوضات بين الحكومة والمسلحين) صعب، لكنه ممكن وبإمكانهم التوصل إلى الاتفاق. وأعتقد أنه ينبغي على حكومة أفغانستان وحركة طالبان قطع هذا الطريق إذا ما كانت لديهما الرغبة الحقيقية والنية المخلصة في إحلال السلام في البلاد.

 

 

لكن ماذا عن داعش في وقت يكثر فيه الحديث عن هروب عناصره من سوريا والعراق إلى أفغانستان.

 

 

"لا يشكل "داعش" الآن خطراً محدقا من حيث النظرة العسكرية. وطبقاً لمعطيات متوفرة، فإن القوام القتالي الأساسي لمسلحي هذا التنظيم لا يفوق ثلاثة آلاف عنصر إضافةً إلى ما يساوي نفس العدد من المسلحين الاحتياطيين الذين يستطيعون المشاركة في القتال إذا اقتضى الأمر. ولا يمثل ذلك قوة كبيرة، إذ أننا على علم بأن حوالي 75 ألف مقاتل من حركة طالبان يحاربون في ميدان القتال في ذروة المعركة. أما فيما يخص عدد المسلحين الذين يستعدون دوماً المشاركة في المعارك فيبلغ تقريباً 45 ألف شخص. ولذلك يمكن القول إن الأرقام مختلفة. ولكن نظراً لأن غالبية المقاتلين من طالبان تخلوا عن فكرة ترويج الجهاد العالمي فإن هذه الحركة تنفذ أعمالها حالياً كحركة للتحرير الوطني في الأراضي الأفغانية. وتتكون حركة طالبان أساساً من البشتون الذين يعتبرون أفغانستان وطنا لهم. أما فيما يتعلق بــ"داعش" فهذا الأمر مختلف تماما. فإن لــ"داعش" إجندة واضحة خاصة بترويج الجهاد العالمي وتشكيل الخلافة العالمية التي ستشمل آسيا الوسطى قاطبةً وجزء كبيراً من الأراضي الروسية ابتداء من القوقاز وانتهاء بنهر الفولغا مما يشكل خطراً مباشراً على بلادنا. استخلصنا العبر والدروس من مكافحة تنظيم "القاعدة" الذي كان يمارس نشاطه بنطاق ضيق في البداية وبعد ذلك شكل هذا التنظيم صداعا شديدا للعالم كله. وبودنا ألا يتكرر ذلك السيناريو من جديد. ونعتزم القضاء على عناصر "داعش"، لطالما أنهم ضعفاء ولا يمتلكون القوة الكافية للتصدي. ولكن لا تستطيع روسيا تحقيق مبتغاها دون تواجد القوات الروسية في أفغانستان. ولذلك انتظرنا من الولايات المتحدة وشركائنا الآخرين علاوةً على الحكومة الأفغانية الموافقة الرسمية على مكافحة هذا الخطر المشترك. وللأسف، لا أحد يعكف على تحقيق هذا الهدف الآن إلا في بعض المناطق في شرق أفغانستان. وبطبيعة الحال، يشغل هذا الأمر بالنا. وإذا عجز المجتمع الدولي عن ممارسة هذه الأعمال داخل أفغانستان، ولاحظنا أن الحكومة الأفغانية بعينها تتلكأ للقيام بذلك، فهذا يعني أنه ينبغي على روسيا وشركائها في آسيا الوسطى أن تستعدّ لاستقبال "ضيوف غير مرغوب فيهم".

 

 

سؤال مهم جدا طرحناه على كابولوف حول العلاقة بين طالبان و "داعش" .

 

 

"إن هذا الأمر غامض. القيادة العليا في حركة طالبان وغالبية الضباط فيها يتخذون مواقف سلبية للغاية من "داعش" ليس فقط بسبب أن "داعش" يتنافسون مع حركة طالبان في أفغانستان بصفتهم قوة مضادة للحكومة وإنما ينظر "الداعشيون" الى طالبان باعتبارهم "مسلمين غير جيدين"، إذ يعتقدون أنه يجب على المسلم الحقيقي وذي الأخلاق الحسنة التمسك بفكرة تشكيل الخلافة وترويج الجهاد العالمي. أما حركة طالبان فقد قطعت هذا الطريق، وتجربتهم باءت بالفشل في عهد أسامة بن لادن. ولذلك نلاحظ تناقضات بين طالبان و"داعش" بهذا الشأن. ونظراً لأن الداعشيين أعلنوا رسمياً أن طالبان كفار، فيمكن القول إن هاذين التنظيمين سوف يقاتلان بعضهما البعض. وأرى شخصياً أمراً إيجابياً في هذه المواجهة المرتقبة. ومن هذه الناحية، وحتى من دون رغبتها فإن حركة طالبان ستساعد الحكومة الأفغانية والولايات المتحدة بطريقة أو بأخرى في القضاء على مسلحي "داعش". وهناك أمر آخر لا بد لنا من أخذه بعين الاعتبار وهو يتجلى في أن القادة الأفغان الميدانيين في شمال البلاد طبقاً لاعتباراتهم الشخصية يبدوون التعاون مع داعش. وربما يعود ذلك إلى تطابق المصالح السياسية لبعض القادة الميدانيين أو تقديم الرشوة. وبطبيعة الحال، انخفضت مصادر الدخل لدى "داعش" لكنه يمتلك الموارد ويحصل على مساعدات مالية، بما في ذلك من دول الخليج. ويشتري "داعش" بعض القادة من حركة طالبان. ولذلك يمكن أن يتعاون بعض القادة من طالبان مع داعش. وأعتقد أن المهمة الرئيسة لقيادة طالبان تتمثل في ضبط النظام في صفوفهم".

 

 

ليس سرا التأثير العربي في أفغانستان، سألنا السؤول الروسي  دور السعودية وقطر التي افتتحت ممثلية لطالبان في الدوحة.

 

 

"أظن أنه ينبغي التذكير بهاتين الدولتين والى جانبهما أيضا الكويت والإمارات. أما طالبان فكانت لديهم دوماً علاقات متشعبة مع هذه البلدان. ووفق تصريحات المسؤولين من الدول المذكورة، فإن حركة طالبان تحصل على المساعدات المالية عن طريق الصناديق الخيرية. وهذا الأمر جلي، لكن هذه الصناديق تقع في أراضي بلدان الخليج. وأرى أنه لا بد للحكومات في هذه الدول معالجة هذا الملف. وإذا لم تفعل ذلك دول الخليج فيمكن وصف هذا الأمر بالتمويل المباشر للإرهاب. وللأسف، هذا هو الحال. وتجدر الإشارة إلى أن تمويل الإرهاب يرتدّ على دول الخليج نفسها. وثمة منطق آخر يتلخص في طرد عناصر متطرفة غير مرغوب فيها من هذه البلدان. ومن المستحسن أن يحارب ويموت هؤلاء الأشخاص في أفغانستان أو ميانمار بدلا من ممارسة نشاطهم الإرهابي في السعودية أو غيرها من بلدان الخليج. وهذا المنطق واضح وبديهي ويكمن في ضرورة إرسال الإرهابيين من أوطانهم وإتاحة الفرصة للصناديق الخيرية لتمويلهم: ومن المهم أن يتواجد الإرهابيون بعيداً عن أوطانهم".

 

 

ماذا عن إيران ..

 

 

 " إن دور إيران هام جداً، ويجب أن أقول إنه من وجهة نظري هناك بلدان رئيسيان بالنسبة لأفغانستان، وهما باكستان وإيران. البلدان الأخرى هامة أيضاً، ولكنها ليست بأهمية هذين البلدين. إن أفغانستان بالنسبة لإيران مسألة أمن قومي. الإيرانيون لا يعجبهم – وأسباب ذلك واضحة – ترسُّخ الوجود العسكري الأمريكي في هذه المنطقة، ولهذا فإن الإيرانيين مواقفهم بناءة إلى حد بعيد، وهم يؤيدون التهدئة في أفغانستان، ولكن بدون الأمريكيين. وهذا أحد أسباب كون مقارباتنا مع إيران متشابهة ومفهومة، فنحن لدينا تجربة تعاون مع إيران أولاً عندما دعمنا الراحل أحمد شاه مسعود ضد طالبان، أي عندنا سوابق هامة، أما هنا فمصالحنا متطابقة، الإيرانيون ينزعجون مثلنا من ترسخ داعش في أفغانستان لأن داعش يهدد أمن ليس آسيا الوسطى وحدها بل أمن إيران أيضاً في هذه الحرب، ويوجد بيننا تفاهم وتعاون وثيق في هذا المجال. في سوريا نحارب إلى جانب الإيرانيين ضد داعش. أما في أفغانستان فلم تصل الأمور إلى هذه المرحلة بعد، وأرجو ألا تصل. علينا أن نستفيد من تجاربنا في سوريا وأن نستخدم آليات أخرى داخل أفغانستان دون تدخل عسكري مباشر، أي عن طريق دعم تلك القوات في أفغانستان – ويحبذ أن تكون القوات الحكومية بالدرجة الأولى – لكي تقوم هي بحل هذه المشكلة بلا قوات عسكرية أجنبية ".

 

 

كابولوف يوضح أن الولايات المتحدة لا تريد لروسيا أن تلعب دورا رياديا في التسوية الأفغانية وعليه تضع العصا في عجلة التسويات.

 

 

" لقد تناولنا عملية أستانا مثالاً على ما يمكن تحقيقه، وقد انطلقنا من هذا المثال بالفعل ودعونا إلى إطلاق عملية مماثلة. حتى الآن يعارض مقترحنا بَلدان إثنان، وهذا غريب لأن هذين البلدين يفترض أن يكون لهما مصلحة في ذلك أكثر من أي بلد آخر، وهما أولاً أفغانستان نفسها، فهي، وبخلاف جميع قرارات مجلس الأمن الدولي حول ضرورة دفع المصالحة الوطنية، بدأت تصف طالبان – في الاجتماعات ضمن إطار موسكو – بأنها حركة إرهابية بحتة، وبأنهم ليسوا من الشعب الأفغاني ولا نفع من التفاوض معهم. وفي هذه الحال لا يعود هناك مجال للحديث في هذا الموضوع، فستكون حربا لا تنتهي، وسيبقى يسقط القتلى من الطرفين. هذه هي المشكلة، وهنا يجب على الأفغان أن يجعلوا موقفهم منسجماً مع موقف المجتمع الدولي كما ورد في قرارات مجلس الأمن. أما البلد الثاني فهي الولايات المتحدة، ولقد كان موقف زملائنا الأمريكيين في بادئ الأمر يتسم بغيرة صرفة، إذ لم يعتادوا على الانقياد، بل يصرون دائماً أن يكونوا هم القادة. وفي سياق الطابع العام للعلاقات الروسية الأمريكية من المزعج بالنسبة لهم أن روسيا بادرت بإطلاق هذه العملية، وان يُعرض عليهم الانضمام إليها. ويبدو أن هذه الغيرة هي التي منعت الأمريكان من اتخاذ موقف بناء من هذه العملية، مع أنهم يدركون أننا نقترح ما حاولوا إنجازه خلال الست عشرة سنة الماضية وأخفقوا. أخفقوا لأنهم كانوا يحاولون أن يعملوا على طريقتهم لمصالحهم، لا لمصالح المنطقة ولا لمصلحة أفغانستان نفسها. وهنا نقترح، نحن والصين والآخرين، هيا بنا… الحرب يمكن إنهاؤها… الحرب ستنتهي بشكل أو بآخر، ربما بعد عشر سنوات وبعد مقتل مئات آلاف الأفغان؛ ولكن مقترحنا يهدف إلى تحقيق ذلك الهدف في ظرف أسرع"..