الرئيسية » اكتشف روسيا! » القيم الرّوسيّة: نظرة من الداخل سهيل فرح : رئيس التحرير (2)
lqym_lrwwsyw3.jpg

القيم الرّوسيّة: نظرة من الداخل سهيل فرح : رئيس التحرير (2)

 

القيم و الثقافة

هذه المبادئ التي ذكرها الكاتب وصلت إلى الأربعين قيمة أبرزها:

الإخلاص لمعنى الوجود الإنساني. القدرة على المشاركة في آلام الغير. التعاطف. الشعور بالأمل. الشعور بالأمان. اليقين. الرغبة في التواصل. المروءة . قوة الشكيمة،  المبادرة. العلاقة الدينامية بالحياة. العدل. الإيمان.  الإخلاص. الشعور بروح الزمالة. القدرة على التسامح. حب الصداقة. التهذيب.  النفس الأبية. الاندفاع للمساعدة. الشرف. الطمأنينة الداخلية.  التفاؤل.  الطيبة.  المحبة. الإصغاء للآخر. الصبر. السلام. الثبات على الرأي والموقف السليم. الاعتماد على المشيئة الربانية. الطموح. التوبة. احترام الوسط المحيط. الشعور بالمسؤولية. القدرة على تنظيم السلوكية الخاصة. القدرة على مبادلة المعروف. الاستعداد للثقة. الرجاء. الحكمة. تقديس الله رب الأكوان.

 هذه المبادئ على بساطتها وعلى تردادها المتواصل في كل الكتب السماوية  والأرضية  والكلام لنكاندروف  " نحن في أمس الحاجة لها الآن , في ظل هجوم قيم العولمة الاقتصادية والثقافية التي تعتبر كل هذه المبادئ والقيم كلاماً عتيقاً مضى عليه الزمن" .

     ومن خلال تحليل المؤلف لما يقارب 800 كتاب مدرسي موجه للتعليم في المدارس الأرثوذكسية يلمس وبصرف النظر عن خصوصية المقاربة الرّوسيّة الأرثوذكسية  لنظام التعليم الديني في روسيا المعاصرة  أن هناك الكثير  من القيم والمثل التي تروج لها تلك الكتب تأتي على ذكرها بقية الأديان الأخرى .فرغم أرجحية العامل الأرثوذكسي في الوعي الديني للكاتب إلا أنه أيضاً يثمن غالياً الروح الأخلاقية العالية في الإسلام والبوذية واليهودية وغيرها.

   وفي تركيزه على الجانب الديني في نظام القيم وفي منظومة التعليم لا يقلل من شأن التعليم العلماني الذي ساد في الفترات السابقة . وإنْ كان يوجه له بين الحين والآخر بعض الانتقادات لانتقاصه من الروح الدينية، إلا أنه يثمن دوره العالي في تربية الأجيال على قيم العدالة والصداقة والثقة والشرف والتضامن الإنساني بين الشعوب والأمم.

   إلا ان نقطة ضعف الكاتب  الأساسية في رأينا  هي عدم نقده للطابع الأيديولوجي والسياسي الذي هيمن على فلسفة القيم الرّوسيّة. فالتجربة أثبتت افتقار تلك المنظومة إلى حكمة التوازن بين البعد المادي والبعد الروحي للشخصية الإنسانية. وإلى محاولة إقحام الأيديولوجيا والسياسة في موضوعات علمية بحتة والسعي لطبع كل أوجه المجتمع بلون واحد الأمر الذي أدى إلى تخشب الطروحات والمناهج والتطبيقات وإلى ترهل التجربة لتصل إلى الحائط المسدود الذي يعرفه الجميع.

    وعلى الرغم من انفتاح المؤلف الواضح على قيم الحضارة المعاصرة  وعلى روح الديانات غير المسيحية فإنه يبقى في كل صفحات كتابه متمسكاً بالقيم الخاصة للمنظومة التربوية الرّوسيّة المتعلقة بفكرة الجماعية والعدل الاجتماعي والأخلاق الأرثوذكسية والاحتكام إلى حكمة الشعب في تسيير شؤون دنياه.

   ومهما كان موقف القارئ النقدي  لبعض اجتهادات وأفكار المؤلف من هذه النقطة أو تلك بالسلب أو الايجاب، إلا أنه يرى فيها نكهة اكسيولوجية أخلاقية إنسانية عامة تستحق التقدير والتعاطف . لأن قيم الحضارة الرّوسيّة التي يرّوج لها الكاتب هي من النتاج العالي للحضارات الإنسانية العريقة والفنية في جمالتها وسحرها الحياتي والروحي

   هذه القيم تريدها حضارة العولمة  إما في المتاحف لتكون أداة محنطة يسمح فقط للعين أن تتمتع بها  من دون أن يتم ضخ ديناميتها وروحها في حركية تجديد حياة الثقافات ، أو أن يكون مصيرها كمصير الآثار التي تحطمت في متاحف بغداد على يد الطغاة "المتحضرين" في أميركا ، أو قيم تماثيل بوذا التي تحطمت على يد الطغاة  المتخلفين في حركة الطالبان، أو مصير الآثار العظيمة في العراق و سوريا التي حطمتها إيديولوجية التوحش لدى منظمة داعش الإرهابية  . فالتطرف الذي لا يحترم قيم الاخر ، أياً كان خطابه ومسلكه هو أب الخطايا البشرية جميعها.