الرئيسية » اكتشف روسيا! » القيم الرّوسيّة: نظرة من الداخل سهيل فرح : رئيس التحرير (1)
lqym_lrwwsyw2.jpg

القيم الرّوسيّة: نظرة من الداخل سهيل فرح : رئيس التحرير (1)

 

مفهوم وموقع القيم:

           حيث إن الحديث عن الجانب الأكسيولوجي في الشخصيَّة الرّوسيّة بات من الموضوعات "العتيقة" لخطاب العولمة، فإن الباحث عن المساحات المشتركة بين الأمم والحضارات ، يشعر بنفسه وكأنه "غريبٌ" " يغَرد في عالم غير هذا العالم، الذي تسود فيه "قيم" الحضارة المادية الاستهلاكية و التي تدعمها رباعية المال والقوة والسلطة والمعرفة.

                 في الحقيقة  إن القيم هي من المفاهيم الجوهرية  في جميع ميادين الحياة، فهي تمس جميع مظاهر العلاقات الإنسانية لأنها ضرورة حياتية للكائن الإنساني، ولأن لها معاييراً وأهدافاً لا بد من وجودها  في أي مجتمع، مهما كانت تركيبته ومستوى تطوره. سواء أكان معقلناً ام منظماً. فالقيم تسري  في دواخل وعي ونفوس الأفراد في شكل اتجاهات ودوافع وتطلعات، وتظهر في السلوك الظاهري والباطني. فالقيم تتعدى الإطار الفردي لتشمل المفاهيم الوطنية والسياسية والأخلاقية والثقافية والدينية.

    فالقيم بهذا المعنى، هي من الوسائل المهمة التي تميز بين أنماط حياة الأفراد والجماعات. لذا فإن لها ارتباطاً وثيقاً بدوافع السلوك والآمال والاهداف. ومن هنا  لا يمكن الاتفاق مع وجهات النظر التجريبية والداروينية الاجتماعية الغربية التي تصور القيم مجرد انفعالات وتعبيرات صوتية. أو كما يقول المفكر الاميركي جون ديوي: "إن الآراء حول موضوع القيم تتفاوت بين الاعتقاد من ناحية، أن ما يسمى بالقيم ليس سوى إشارات انفعالية "emotional epithes" أو مجرد تعبيرات صوتية، وبين الاعتقاد في الطرف المقابل بأن المعايير القبلية العقلية ضرورية لأن على أساسها يقوم كل من الفن والعلم والأخلاق.  وإنْ كان ديوي لا يميل إلى التصور الأول ولا الثاني، إلا أنه يقر بالجانب البراغماتي البحث لنفعية القيم.

    صحيح  أنه بمقارنة القيم  يتداخل الذاتي مع الاجتماعي، التطور السلبي مع الإيجابي. فالحياة بدورها هي ذاك المزيج من الخير والشر، البناء والهدم، العلم والجهل، اللذة والشقاء، التعاسة والسعادة الإلحاد والايمان. فهذه القضايا ليست متساوية في هذه الدنيا، بل هي مسائل وقضايا يجري التفضيل بينها.

 فما دام الإنسان يفضل ويستحسن ويرجح هذا على ذاك، فهو يتجه نحو القيم أو بالأحرى يهتدي بهدى القيم في سلوكه. وهذا ما حدا بأحد المفكرين إلى القول إن دراسة القيم هي "علم السلوك التفضيلي" فكل فعل لكل فرد يمثل تفضيلا" لمسلك على آخر. والمسلك المختار هو الأحسن والأكثر قبولاً وأهمية في نظر الفرد طبقاً لتقديره الظروف القائمة في الموقف أو الحالة. فالفرد قد يستعمل قيمة ما طوال سلوكيته الحياتية، يستعملها، كلما أقدم على مسلك ما، أو اتخذ قراراً يفضل فيه مسلكاً معيناً من عدة بدائل. فمختارات أحكامه وموازناته تنشأ من عدة ممكنات. وقراراته للعمل مسائل دائمة تواجهه باستمرار في كل وقت وفي كل خبرة من خبرات حياته.

فالقيمة، بهذا المعنى، تتضمن معاني كثيرة كالاهتمام والاعتقاد الرغبة والسرور اللذة والإشباع النفع والاستحسان القبول والرفض المفاضلة والاختيار والنفور.  و هذه المعاني كلها تعبر عن شخصية الفرد أو الجماعة أو الثقافة ولكل شعب حسب تكوينه الإثني واللغوي وتجربته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والجمالية والدينية.

وفي هذا السياق سنستقي عينة فكرية من الأفكار التي تسلط الضوء على جوانب متنوعة من منظومة القيم الرّوسيّة و نتوقف عند تلك التي حبكها الأكاديمي الرّوسي نيكاندرف. ولما كان الإنسان الرّوسي يعيش في عالم متعدد الشعوب والأمم والحضارات فإن لثقافته تجربتها الخاصة نقاط تألقها وضعفها نجاحها وفشلها. اختيارنا للعمل الهام الذي نشره رئيس أكاديمية التعليم الرّوسيّة البروفسور نيكولاي نيكاندروف في موسكو عام2000والذي حمل عنوان " التربية و المجتمع على عتبة الألفية الثالثة " له دلالاته الخاصة لكونه و من باب الموقع العلمي و التربوي الهام في بلاده. فهو يقيدنا في التعرف على منظومة القيم من خلال ثوابتها ومتغيراتها في التجربة الرّوسيّة. في هذا الكتاب يركز المؤلف على منظومة القيم الرّوسيّة في إطارها المحلي والدولي ويطرح مجموعة من التساؤلات الكبرى التي شغلت فضاء كلامه وأفكاره مثل: ما هي القيم المتنوعة التي وجدت في الديار الرّوسيّة في الأزمنة المختلفة؟ ماهي وتيرة الحركة الحضارية في المسيرة التاريخية الرّوسيّة، كيف يمكن مقارنتها مع قيم حضارات وثقافات البلدات الأخرى؟ ما هي علاقة القيم في الحياة وفي منظومة التعليم؟ وهل في المستطاع الاستناد إلى منظومة التعليم الكلاسيكية في تحقيق مهمات تربية الأجيال الصاعدة؟ وهل في إمكان الشعارات التي يكثر استخدامها في الفترة الأخيرة مثل "الحرية" والديمقراطية “أن تساهم في تحويل الوعي سلوكيات الرأي العام؟

    هذه التساؤلات الكبرى حضرت في الأفكار التي تناولت موضوعات الحياة، الصحة العقلية والجسدية، الطبيعية، الحب والعائلة، التعليم والثقافة، والخدمات. فالأمر الذي شغل محور هواجس الكاتب هو "القيم المتعلقة بالإنسان الرّوسي ومجتمعه ودولته" والمنطلقة من رؤية أو خطاب إيديولوجي للمؤلف ركيزته "الفكرة الوطنية الرّوسيّة" والتي يراها ممثلة بثلاثية " الأرثوذكسية والوطنية والشعب".

في معرض تقويمه للتراكم التاريخي لمنظومة القيم الرّوسيّة، يرى أن هناك مجموعة عوامل ساهمت في تكوين تلك القيم، إلا أن هناك عاملاً ذاتياً يراه سلبياً، يتشكل في علاقة كل منظومة جديدة بسابقتها وهو عملية الدمار التي تحدث في كل مرحلة إعادة بناء للشخصية الرّوسيّة. ولكي يبعد نفسه عن هذا التوجه يستشهد برأيٍ واحدٍ وهو المفكر والفيزيائي لوباتشفسكي الذي قال في عام 1832 "يتوجب على ذاتنا الرّوسيّة أن تحدث الدمار بشيء تم بناؤه، بل المطلوب العمل على إنضاج عمليات البناء وتكاملها"

ويبدو البروفسور نيكاندروف محقاً في هذه النقطة لأن الروس في علاقتهم بتاريخهم السياسي والاجتماعي عادة ما يقومون بعمليات قيصرية حادة لتجاربهم. فتذهب أحياناً تجاربهم الإيجابية مع السلبية إلى دهاليز التاريخ المنسية. فالكاتب يثمن عاليا كل التجارب الكبرى التي صنعها الإنسان الرّوسي في ظل النظام القيصري والاشتراكي ويطل على العصر  من النافذة الرّوسيّة المنفتحة على القيم العلمية الإيجابية للحضارة المعاصرة . و التي يحددها بعدد من العناوين تم أخذها من تجارب باحثين تربويين غربيين معروفين  ويمكن تلخيصها ب :

أ‌-        القدرة على استيعاب الآراء المتعددة، لتحضير العقول والنفوس على تبني هذا الرأي أو تبديله إذا دعت الحاجة إلى ذلك.

 ب -البحث الدائب عن الوقائع والمعلومات الجديدة التي تدعم هذا الرأي وتبتعد عن الرأي الأخر.

ج-الارتكاز على روح دينامية الحاضر، والنظرة المنفتحة على المستقبل مع عدم الارتهان الى ضغوط الماضي.

د- المقدرة على التأثير والاقتناع في المحيط الاجتماعي الذي يوجد فيه الإنسان.

ه-الاعتماد على الخطط البعيدة الأمد كما في المسائل المتعلقة بالقضايا الاجتماعية كذلك في القضايا المتعلقة بحاضر الفرد ومستقبله.

و-الإيمان بالطاقات الواقعية التي تنتجها الذات الإنسانية على مستوى المؤسسات والأشخاص احترام مقدرات الأخرين إدراك منطق إنتاج القيم المادية

    هذه القائمة من العناوين الأساسية لقيم الفكر والعمل يسعى الكاتب إلى أن يبين حاجة الروس إليها  تعكس في حقيقة الأمر افتقار الإنسان الرّوسي  إلى نظام المساواة والعدالة التي غابت في النظام القيصري وتَحَقَّق قسمٌ يسيرٌ منها في النظام الاشتراكي,  فإنه (أي الرّوسي) لم يدرك في العمق حتى الآن قيم العمل وقيم الفرد لا في النظام القيصري ولا في النظام الاشتراكي -السوفياتي. فالعلاقة الصحية الناجعة  تجمع في شكل خلاق بين المثل الفردية والمثل الاجتماعية.

ولعل في المدرسة الرّوسيّة بعض النقاط المضيئة والإيجابية في هذا الميدان فهي التي ربت أبنائها على:

– مبادئ الطموح  لقول الحقيقة والعدالة الاجتماعية والمعايير الأخلاقية والإنسانية.

– التمكن من معارف العصر.

-احترام المهارات والطاقات الإبداعية.

 – الاستقامة في القضايا الكبرى والصغرى والكرامة الذاتية وصحة الإنسان والمحيط.

– الحفاظ إلى حد ما على الطبيعة وإمكان التلذذ بجمالاتها.

 – النشاط  الاجتماعي والصحة الأخلاقية للمجتمع.

 – تثمين خصائص الثقافات الأخرى.

– أنسنة المسيرة العلمية والتقنية

    على هذه المبادئ تربت في الواقع  مجموعة من الأجيال الرّوسيّة.

كما أن منظومة التعليم الرّوسيّة الراهنة كما يعتقد نكاندروف وبصرف النظر عن دخول الوهن في العديد من مناهجها. ما زالت حسب ظنه المنظومة الأكثر قوة وصلابة على هذا الكوكب من حيث التحضير المعرفي والإنساني لمريديها .

     ولكن الكاتب يعتبر روسيا في المرحلة السوفياتية , بمثابة الخروف الضال  الذي شرد عن الساحة المسيحية والدينية العامة . فهو في كتابه يركز على الطابع الروحاني لقيم المجتمع في جوهره الأخلاقي والإلهي والكوني. من هنا , يأتي حديثه المستفيض عن أبرز المعاني والمقولات التي أتت بها تعاليم المسيحية والإسلام وسائر الأديان الناشطة في الديار الرّوسيّة (يتبع)