الرئيسية » سياسة واقتصاد » القدس: هستيريا الأركيولوجيا وعماء الاستيهام التوراتي – صبحي حديدي
wm_lstyhm_ltwrty.jpg

القدس: هستيريا الأركيولوجيا وعماء الاستيهام التوراتي – صبحي حديدي

بصدد القرار الخاص بالقدس القديمة والمسجد الأقصى والحرم الشريف. وكانت إيطاليا قد امتنعت عن التصويت على القرار، فكيف ـ في عرف قرا، ابن «دالية الكرمل»! ـ لو أنّ روما صوّتت مع القرار! وأي أعاصير، غير الزلازل، كانت ستحيق بالبلد فلا تُبقي فيه ولا تذر!

ما يضيف المأساة إلى المهزلة أنّ ساسة إسرائيليين يهوداً، ابتداءً من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه، وليس انتهاء بوزارة قرا ذاتها، هم الذين وبّخوا هذا العبقري على تصريحات خرقاء؛ وكانوا قد اعتادوا التصفيق له، كما يُصفّق للحواة غالباً، كلما صدر عنه موقف مؤيد للاستيطان في الضفة الغربية، أو مطالب بإعادة الفلسطينيين إلى التابعية الأردنية، أو كاره لشخص ياسر عرفات… صحيح أنّ قرا اعتذر لاحقاً، أو أُجبر على هذا بعد صدور بيان اعتذار رسمي من الخارجية الإسرائيلية وردود فعل عنيفة من الحكومة الإيطالية؛ إلا أنّ «حكمة» الموقف الإسرائيلي من قرار اليونسكو تجلّت، على أكمل وجه يمزج المهزلة بالمأساة، في هذا التصريح الأحمق.

وقبل هذه الواقعة كان طابور دولي، من غير الإسرائيليين هذه المرّة، قد انخرط في تقريع اليونسكو على إصدار هذا القرار؛ ابتداءً من المديرة العامة للمنظمة، نفسها، البلغارية إرينا بوكوفا، التي كتبت إلى تسيبي ليفني، رئيسة «الاتحاد الصهيوني»، لتؤكد أنّ «هذه القرارات تتخذها الدول الأعضاء وليس المدير العام في ذاتها»؛ دون أن يفوتها التشديد، بالطبع، على أنّ منظمتها تعمل «لمحاربة اللاتسامح والأشكال المعاصرة من العداء للسامية، بما فيها تلك التي تسعى إلى نزع الشرعية عن دولة إسرائيل».

الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، استكمالاً لسلسلة بدائعه في توديع المنصب (تكريم ممثل النظام السوري في المنظمة، مثلاً)؛ ذكّر العباد بما لا ينكره أحد: أنّ الحرم الشريف/ المسجد الأقصى، وجبل الهيكل، وكنيسة القيامة، هي أماكن مقدسة لدى الديانات الثلاث، الإسلام واليهودية والمسيحية؛ وبالتالي فإنّ أي تبديل في مكانتها «لا يخدم مصالح السلام، ولن يغذّي إلا العنف والتشدد».

أمّا ثالثة الأثافي فقد أتت من حيث لا يحتسب المنطق البسيط: من البرلمان التشيكي، أنعمْ به وأكرم، حيث صوّت 119 نائباً، من أصل 149، على بيان شديد اللهجة؛ يرفض قرار اليونسكو، لأنه لا ينكر حقّ اليهود وحدهم، بل حقّ المسيحيين أيضاً، ولهذا فإنه إجراء يجرّد المنظمة من المصداقية!

طريف، في المقابل، أنّ القرار لا ينتقص حقاً يهودياً أو مسيحياً، بقدر ما يسعى إلى ردّ حقّ للمسلمين دأبت إسرائيل على الانتقاص منه طيلة عقود تأسيس كيان الدولة، وعلى وتيرة مختلف مدارس التبشير اليهودية المتشددة، فضلاً عن العقيدة الصهيونية في ظاهر مفاهيمها الدينية و«العلمانية» وباطنها، على حدّ سواء. ما يثير حنق أصدقاء إسرائيل، فضلاً عن إسرائيل ذاتها، هي تلك الفقرات في حيثيات القرار التي تبدي القلق أو الأسف (ولكن ليس الإدانة، البتة، للإيضاح!) إزاء ممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلية في القيام بحفريات غير قانونية في المدينة القديمة وعلى جانبَي الجدار، والأضرار التي لحقت بالمسجد القبلي جراء تلك الحفريات، وحظر أو تعطيل أعمل صيانة باب الرحمة، وأخطار بناء خطّ ترامواي على مبعدة أمتار من أسوار القدس، وما إلى ذلك…

والمرء، هنا، يتذكّر العاصفة التي أثارها أرييل شارون في زيارته الشهيرة إلى الأقصى؛ وكيف اقترنت خطوة الانتهاك تلك، التي تمّت عن سابق قصد وتصميم، بتصريحات شهيرة حول انعدام الصلة بين الإسلام والقدس (أو أورشليم، في التسمية البديلة!)، تاريخاً ونصوصاً مقدسة معاً. ففي حوار شهير مع جيفري غولدبيرغ، يعود إلى مطلع 2001، نشرته مجلة «نيويوركر» الأمريكية؛ استذكر شارون أنّ القرآن لا يأتي على ذكر القدس أبداً، في حين أنها تُذكر في التوراة 676 مرّة! وأيضاً: النبيّ محمد لم يزر القدس أبداً، وحين وقعت المدينة تحت «الاحتلال» الإسلامي، فإنّ ذلك حدث بعد وفاة النبيّ بسبع سنوات؛ وأخيراً: اليهود، في العالم قاطبة، يصلّون ووجوههم إلى جبل الهيكل، أمّا المسلمون فإنّ مكة هي قبلتهم ويديرون ظهورهم للقدس!

يومئذ، كما في هذه الأيام كذلك، كان تاريخ القدس يحتشد بمعادلات ضاغطة لا تتسع لها الجغرافيا، المعاصرة مثل تلك القديمة في الواقع؛ خاصة وأنّ التاريخ يقول إنّ مملكة داود لم تكن تتجاوز العشرين أكرة (مقابل 27.000 أكرة تحتلها إسرائيل اليوم!)؛ وأنّ الملك داود جاء إلى فراغ إسرائيلي، مقابل امتلاء كنعاني يمتدّ ألف سنة على الأقلّ، قبل أن يقرر تحويل القدس إلى بديل عن الخليل وبيت إيل. وهكذا فإنّ القدس ترتدّ دائماً إلى خصوصيتها الفريدة، التي عجزت جميع الشعوب والديانات والعقائد والقوى الكونية الجبارة عن تبديلها: أنها المدينة المسكونة بالتاريخ، حيث لا ينقلب حجر إلا ويتكشف عن صفحة غابرة تضيء الماضي ثم تمتدّ إلى الحاضر، وتستطيل أخيراً لكي تخيّم على المستقبل أيضاً.

إنها «البقرة المقدسة» عند القومية الإسرائيلية والقومية الفلسطينية، كما قال الروائي الإسرئيلي عاموس عيلون؛ ولكنها تصبح أكثر من بقرة لاهوتية مقدّسة حين يصطدم تهويدها بعبوة بشرية ناسفة من النوع الذي انفجر مراراً في قلب فلسطين، الممسوخة إلى جغرافيا توراتية؛ أو ساعة تتدخل الأبدية في قرار الكنيست، الذي يعتبر القدس عاصمة أبدية موحدة لشعب إسرائيل. لهذا فإنّ تسعة أعشار الساسة اليهود (ولندعْ أمثال أيوب قرا جانباً) تشابهوا، ويتشابهون، في الموقف من يهودية القدس: الديني المتشدد، مع العلماني المعتدل؛ واليميني المستنير، مع اليساري الليبرالي؛ وعمدة القدس الأسبق إيهود أولمرت (الليكودي الصقري) مع سلفه تيدي كوليك (الليبرالي الحمائمي)، أو العمدة السابق أوري ليوبينسكي (الذي يدعو إلى هدم المسجد الأقصى!)، مع العمدة الحالي نير بركات (الذي نصح فلسطينيي 1948 بمغادرة إسرائيل النزوح إلى رام الله)… أكثر من ذلك، كان كوليك هو المسؤول عن عمليات التهويد الأولى، مباشرة بعد احتلال القوات الإسرائيلية للشطر الشرقي من المدينة؛ ثمّ انتقل إلى تنظيف الفضاء الجغرافي المحيط بالحائط الغربي، فهدم حيّاً عربياً بأكمله بين ليلة وضحاها…

وحين هندس مناحيم بيغين قرار القدس عاصمة لإسرائيل، توجّب أن تُستكمل الهندسة اللاحقة، في الأنفاق الحاسمونية والمجاري الهيرودية، ولكن بعيداً عن حقائق السجلّ التاريخي، وفي مطحنة هوجاء تشوّه الوقائع وتمسخ الحقائق وتحرّف المعطيات؛ كما توجّب على باطن الأرض أن يقذف الحمم بين حين وآخر… الحمم التاريخية ذاتها، الأكثر التهاباً وسخونة. وفي غمرة هذا الامتزاج العجيب بين لهيب التاريخ وجليد النفاق الدولي (على غرار بان كي مون وإرينا بوكوفا والبرلمان التشيكي، وإدارة أوباما، ورئيس الوزراء الإيطالي، وسواهم كثر…)؛ يبقى واقع فعلي على الأرض، لا يقلّ صلابة عن صخور أسوار المدينة العتيقة: أنها مدينة تحت واحد من أسوأ الاحتلالات في التاريخ، وأنها ذبيحة يومية أمام هستيريا الأركيولوجيا وعماء الاستيهام التوراتي!

 

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي