الرئيسية » حضاريات » النص الديني ورهانات المعنى السياسي – د. وجيه قانصو الجزء الثالث
"إنما هو خط مستور بين دفتين لا ينطق بلسان ولا بد له من ترجمان وإنما ينطق عنه الرجال".

النص الديني ورهانات المعنى السياسي – د. وجيه قانصو الجزء الثالث

قول علي يؤكد ما ذكرناه، من أن القرآن لا ينطق بعد النبي، وهي حالة ثابتة للقرآن لن تتغير، وتستتبع انفتاح النص على معان محتملة لا حصر لها، يقبل معها النص كل معنى محتمل. فلا يعود معنى خاص من لوازم النص وتوابعه، وإنما هو من لوازم العلاقة والاشتباك بين القارئ والنص. أي تنفك العلاقة الذاتية بين النص والمعنى، ويصبح المعنى ثمرة عملية ذهنية ونشاط فكري وروحي يمارسه القارئ على النص أو يمليه النص على القارئ. ما يجعل المعنى يخرج من خلالنا إلى العالم، وعبر قنوات إدراكنا، ونمط وعينا، ومستوى تفكرينا، والأفق التاريخي الذي ننتمي إليه.

بذهاب المؤسس، الذي هو النبي (ص)، يذهب المتكلم والمبلغ والمفسر الأصلي للنص، وتنتفي صفة الكلام عن النص، ويصبح بتصرف الناس، وعرضة لسوء استعمالاتهم. فلا يعود النص قادراً على التكلم عن نفسه، بل نحن الذين نتكلم عنه، ويغيب المعنى الواقعي أو الحقيقي، على فرض وجوده، ويصبح أحد المعاني المحتملة بعد أن تتساوى أرجحيته مع باقي المعاني المحتملة الأخرى التي تتوالد إلى ما لا نهاية مع تجدد شروط حياة جديدة.

فالنص لا يحمل معنى واحداً عابراً للأزمنة، فمعناه المفترض وليد الحقل الذي ينوجد فيه النص، وكلما تجدد الحقل، وتغيرت موازين القوى والوضعيات الاجتماعية فيه، تتولد معان جديدة ومقترحات جديدة. الحقل الجديد يلقي رهانات جديدة على النص، تحدد وجهة دلالية جديدة له. عندها يكون فهم النص أو تفسيره، عبارة عن استثمار لإمكانات النص داخل حقل دلالي معين، وليس استنفاذاً لقدرات النص نفسه. فالنص لا تستنفد محتملات المعنى فيه، إنما تستنفد الإمكانات التي يوفرها حقل معين، وعندما تأخذ المعاني تكرر نفسها وتتحول إلى قوالب عقائدية جامدة داخل هذا الحقل، فهذا مؤشر ودليل على حالة الإشباع التي وصل إليها، وإنذار بضرورة الإنتقال إلى حقل آخر.

 5.2  المشهد الثاني

حين قال الخوارج "لا حكم إلا لله"، رد عليهم الامام علي: "كلمة حق يراد بها باطل". تعبير الخوارج بأن "لا حكم إلا لله"، دلالة على نمط استعمال للنص، يقوم على فصل النص عن ظرف استعماله، وفك ارتباط الآيات بعضها ببعض، لتصبح كل آية مطلقة ومستقلة عن الأفق التاريخي أو الزمني الذي تستعمل فيه. عندها يكون الصدام حتمياً، بين دلالة أولية للنص، ترسخت في وعي المؤمنين وفق سياق خاص، وواقع جديد يستدعي دلالة جديدة للنص تخالف وتتنافى في كثير من تفاصيلها مع الدلالة الأولية السابقة.

فالخوارج كانوا أكثرهم من القراء، أي من حفظة القرآن، وشاركوا في الفتوحات الإسلامية للقضاء على كل مظاهر الشرك والكفر ليكون "الدين كله لله". وهي ممارسة ولدت في أذهانهم عدم قابلية الدين للمساومة وأنصاف الحلول، فالخير أولى أن يتبع في كل الحالات، والخير الذي يخالطه شر يصبح شراً محضاً. ظن هؤلاء أن حال الدين في تعامله مع غير المسلمين في الخارج هو نفس حاله في تعامل المسلمين مع بعضهم البعض. فالخطيئة ليست علامة على الضعف البشري يمكن معالجتها، بل هي فعل انتهاك لساحة القدس الإلهية، ويجب أن تعامل على هذا الأساس. وهو تفكير يدعو إلى إلغاء المجال السياسي بأكمله لصالح انصياع آلي وشكلي لتعاليم الله، يضع إرادة الإنسان في جميع صورها في حالة تعارض ومواجهة مع إرداة الله، وتضع النص في حالة صراع دائمة مع عجلة التاريخ، التي تستولد باستمرار شروط حياة جديدة تستدعي بدورها دلالات وأطر فهم جديدتين للنص.

كان قول الخوارج تعبير عن أزمة كبرى فجرت نفسها في الداخل الإسلامي، ليس على هيئة صراع بين القوى السياسية فحسب، بل على هيئة وعي ديني مأزوم، لم يستطع استيعاب الأوضاع الجديدة، بحكم انتمائه إلى أفق آخر أخذت موازين القوى الجديدة تحاصره وتقتلعه من جذوره وتستبدله بأفق جديد. كان الصراع بين علي ومعاوية صراع على التأويل، أي صراع على الخيارات الممكنة في ظل الأوضاع الجديدة، أما صراع علي مع الخوارج فكان صراعاً على أصل التأويل ومشروعية التكيف مع الأوضاع الجديدة. أي كان صراع علي ومعاوية عن الخيارات المعمدة داخل المجال السياسي الجديد، أما صراع علي مع الخوارج فكان صراعاً على أصل وجود هذا المجال.

واجه علي شعار الخوارج "إن الحكم إلا لله" الذي هو جزء من آية قرآية، بأنه "كلمة حق يراد بها باطل". أي إن نص الآية حق من الله، إلا أنها تتعرض لسوء استعمال مؤذية، فالذي يتعرض للإنتهاك هنا ليس ساحة القدس الإلهية كما يدعي الخوارج بل الآية نفسها، والذي يمارس الإنتهاك ليس المعصية البشرية، أو مسعى لحقن دماء المسلمين، بل سوء استعمال الآية وإسقاطها على أي شيء. أراد علي فتح باب التأويل على مصراعيه ليكون بالإمكان استيعاب المتغيرات الجديدة. لم يكن بوارد علي العودة بالتاريخ إلى الوراء، أو استعادة المشهد النبوي النقي في صفائه، بل أراد وضع منطلقات جديدة في التعامل مع النص الديني، لا تقصي النص عن المجال العام بالكامل مثلما فعل معاوية، ولا تقصي المجال العام عن النص الديني مثلما فعل الخوارج.

1.           رهانات المعنى السياسي

نبه علي في معرض رده على شعار الخوارج، بأنه: "هل تعلمون ما يقولون، يقولون لا أمير.كلمة حق يراد بها باطل، نعم لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها لكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، تأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح به بر ويستراح من فاجر".

أي إن النص بحكم طبيعته الجديدة والثابتة بعد النبي، يضع نفسه في تصرف من يتلقاه، فلا يملي ما يريد بشكل مستقل عن الحقل الذي يوضع فيه. فالنص يدلي بمعناه بعد موضعته داخل حقل دلالي معين. هذا الحقل لم يعد من مستلزمات النص بل هو مجال خارجي يأتيه من واقع اجتماعي وسياسي وثقافي معين.

واجه علي الدعوة إلى انفصال النص الديني عن الواقع المتحرك، بوضعه داخل هذا الواقع وفي قلبه، فلا ينطق إلا به وعبره لا من خارجه. فلينزل هذا النص من عليائه إلى الأرض وليخدم هذا الواقع، رغم بقاء المخاطرة بسوء استعمال هذا النص، لكنها مخاطرة تستحق المجازفة، لأنها تضمن حيوية دائمة للنص، ويبقى ضررها على النص أقل بكثير من عزله والتعالي به، لأن ذلك يعني عملياً سلبه قوة الحضور وإماتته داخل قوالب تبجيل فارغة.

أحال علي النص إلى ضرورات الإجتماع الإنساني، التي عبر عنها بقوله: "لا بد للناس من أمير بر أو فاجر". فالمعنى الأكثر احتمالاً وأكثر قربا من مراد النص هو الذي يخدم ضرورات الإجتماع التي تحتم قيام سلطة سياسية، مهما كانت طبيعتها الأخلاقية. وفي ذلك ملامح لروح توماوية تتجلى في اعتبار السلطة السياسية مرادة لله بالتكوين، مثلما أن الوحي مراد لله بالتشريع، وملامح لروح ميكيافيلية تتجلى في مبدأ السياسة أولاً، أي اعتبار السياسة حقلاً مستقلاً قائماً بذاته، يولد آلياته ووظائفه من طبيعته الداخلية لا بمحددات من خارجه.

كون النص لا ينطق، لكن ينطق به الرجال، يعني ضرورة وضع النص داخل إطار مناسب يحقق فاعليته، ويقيه نسبيا من سوء الاستعمال، هذا الإطار هو ضرورات الإجتماع الإنساني، وما يتفرع عنها من شبكة مصالح. بذلك لا تعود مهمة القارئ تكييف الواقع المتحرك لما يمليه القرآن بشكل مستقل ، بل تكييف القرآن لما تقتضيه شروط الحياة وضرورات الإجتماع ومنطق التاريخ. والتكييف هنا لا يعني لَي معاني النص القرآني وتحريف وجهته الدلالية، فهما أي المعاني والوجهة الدلالية لا يتحققا إلا داخل حقل خارجي وسياق تارخي معين يحمل خصوصية فهم معينة. فالتكييف هنا يعني تسهيل تبيئة النص الديني داخل حقل جديد ليكون بالإمكان توليد مساراً تأويلياً جديداً.  فالنص لا ينطق إلا داخل حقل خارجي يحدد وجهة المعنى داخل النص ويقترح المضامين التي تجب مناقشتها وبحثها، هذا الحقل أراده علي ملتصقاً بالمجال العام، أي المكونات السياسية العليا التي لا بد منها لأي اجتماع، ليلغي بذلك ثنائية النص والواقع، إرادة الإنسان ومراد الله.

أشير هنا إلى أن قول علي: "إنما ينطبق عنه الرجال" إشارة لطيفة إلى أن قراءة النص تصدر عن الرجال بالجمع، أي هي فعل اجتماعي أو جماعي، رغم ظاهر الأمور بأن التفسير ممارسة فردية. فالنص لا يتكلم إلا داخل إطار تاريخي يستنطقه، أو رهان اجتماعي يجد مسوغاته في القرآن. عندما ينطق الرجال عن القرآن، لا ينطقون عن أنفسهم ولا عن النص نفسه، وإنما يرون النص وفق خياراتهم الاجتماعية.  فالنص لا يتكلم إلى فرد بل إلى جماعات، والجماعات هي التي تقرا النص، وعندما يفسر الفرد النص ويشرحه ويستدل عليه، إنما يفكر عن الجماعة التي ينتمي إليها،  ويتمثل قيمها وخياراتها ورهاناتها.

كانت القراءات دائما عبر التاريخ استجابة لرهانات اجتماعية وسياسية ومعرفية. لا توجد دلالات فرضها القرآن على الناس، إنما كانت هناك وجهة دلالية فرضتها رهانات اعتمدتها جماعة أو المجتمع بأسره. فالرهانات  هي بمثابة ماقبليات تسبق عملية القراءة نفسها، وتضع القارئ والنص في داخلها، أو تحصل عملية القراءة في داخلها، وتكون بمثابة موجه خفي أو جلي، بوعي أو بغير وعي، لخيارات المعنى الجديدة، ووجهة الدلالة التي ترجح معنى على آخر. ليست الرهانات قضايا معرفية خالصة تندرج ضمن برهان قياسي أو استدلالي، أي هي ليست صغرى أو كبرى اي قياس برهاني. هي ليست معرفة أو مبادئ محددة، بل هي قوة داخل الإنسان تقف وراء أي فعل قراءة أو نشاط فهم أو صياغة مفهوم، أو عدة معانٍ. قوة الفهم هذه، لا ننتجها نحن، بل تُنتَجُ داخل فضاء ثقافي واجتماعي ننتمي إليه وتُزرع فينا من خارجنا، ونتمثل ثوابتها غالباً بطريقة لاواعية، وتكون بمثابة قوة دفع توجه فعل المعرفة باتجاه دون اتجاه، وتوجه قراءة النص باتجاه وجهة ومقصد دلالي من بين عدة وجهات أخرى محتملة وممكنة، وتعوم معنى خاص للنص على حساب معان أخرى مكافئة له بالفهم اللغوي الأولي، أو التحليل العقلي الرياضي.

فإذا كانت الدلالة اللغوية من لوازم النص الديني، ترافقه في حله وترحاله، فإن رهانات المجتمع التي تؤطر خياراته الوجودية والحياتية، تحدد وجهة الدلالة، أو إذا شئت المقصد الدلالي للنص الذي يتجاوز الدلالة اللغوية من دون أن يلغيها، لينتج مفاهيم ومعان وقيم دينية لزمن من الأزمنة وعصر من العصور .

القضية هي أن المفاهيم القرآنية لا تتولد بشكل آلي من النص، ولا يدلي النص الديني مفهوماً من خارج الحقل الإنساني الذي تتحرك قراءة هذا النص فيه. بذلك يكون مفهوم المعنى السياسي للنص فرع من فروع الأطر التي تحكم الواقع العام، واستجابة لفهم معين لقضية الحياة العامة، ومفهوم السلطة، ونمط توزيع القوة داخل المجتمع، ومكانة الفرد داخل هذا الترتيب، والتراتبيات الحاصلة بينهم.

ويمكننا هنا إدراج مثالين معبرين عن تبعية المعنى الديني للرهان الإجتماعي- السياسي الذي تتحرك بداخله عملية فهم النص الديني:

 6.1  المثال الأول: الشورى والديمقراطية

قول رشيد رضا في أوائل القرن العشرين: "لا تقل أيها المسلم إن هذا الحكم المقيد بالشورى أصل من أصول الدين، ونحن قد استفدناه من الكتاب المبين، ومن سيرة الخلفاء الراشدبن، لا من معاشرة الاوروبيين والوقوف على حال الغربيين. فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكرت أنت وأمثالك أن هذا من الإسلام، رغم أنها كانت موجودة دائماً بيننا".

قول رشيد رضا يؤكد أن الدلالة السياسية لفكرة الشورى الموجودة في القرآن، ما كان المسلمين ليلحظوها بشكل مستقل، أو أن يكون من المستتبعات الذاتية للفظ القرآن، أو ان تتنبه له المؤسسة الدينية المعنية بشؤون النص الديني والموكل إليها فهمه وتفسيره وشرحه.كل ذلك ما كان ليحصل أو يفصح القرآن عنه، إلاّ حين وضع القرآن داخل رهان خاص، ووفق مرجعية تفكير أجنبية عن مرجعية الفكر الإسلامي، وهي المرجعية الغربية، التي حركت في المسلمين التفكير بالمسألة السياسية وقضية الحريات والتمثيل السياسي والديمقراطية، لكن وفق مرجعيات الفهم الغربية للمسألة السياسية. عندها أخذ لفظ الشورى يتخذ دلالات غير مسبوقة وجديدة، لم يكن أحد ليلتفت إليها على مدى ألف وثلاثمائة عام. نبّه رشيد رضا إلى أن النص القرآني ما كان ليفصح بنفسه عن هذا المعنى، وما كان ليثير في أذهاننا الدلالات السياسية الحديثة لفكرة الشورى.كل هذا لم يحصل إلا من "معاشرة الأورروبيين والوقوف على حال الغربيين"، أي النظر إلى القرآن برهانات معنى مختلفة منتجة داخل بيئة مختلفة وثقافة غير مسبوقة.

الدلالة السيياسية للشورى ما كان القرآن ليفصح عنها أو يثيرها في أذهاننا، إلا بمثير دلالي خارجي (External Stimulator) هو حال الغربيين، الذي عندما تمثله بعض المسلمين، أخذت أية الشورى دلالة جديدة، ومعنى مختلف عن السابق.

وفي السياق نفسه، يمكن إدراج جميع الكتابات المعاصرة التي تدعي تطابق الإسلام والديمقراطية، وهو تطابق ما كان أحد ليلتفت إليه، أو يدعي وجوده إلا بعد الاطلاع على أدبيات الفكر السياسي الغربي والنتاجات الكثيفة لمعنى الديمقراطية. ما فعله هؤلاء ليس إكتشاف الديمقراطية في القرآن، بل إنتاج فكرة الديمقراطية من القرآن، بعد وضع القرآن داخل سياق وفضاء دلالي يستقي أكثر مرجعياته من الغرب.

كلامنا هذا لا يعني فعلية المطابقة بين أنظومة القرآن والديمقراطية، فالديمقراطية خبرة حياة وتجربة تاريخية، وهذه لا تحققها إلا البناءات التاريخية، والرهانات الفكرية، والتحولات المجتمعية، والهندسة السياسية. فالقرآن يملك أن يشق لنا الطريق، ويواكب سير عملية تحقق الديمقراطية، ولا يملك أن يقدم لي وصفة جاهزة لها، لأنها أي الديمقراطية سيرورة داخل المجتمع، ونتاج خبرة الحياة فيه

 6.2 المثال الثاني: مفهوم الحرية

يقول العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان عن الحرية: "كلمة الحرية على ما يراد بها من المعنى لا يتجاوز عمرها في دورانها على الألسن عدة قرون، ولعل السبب المبتدع لها هي النهضة المدنية الأوروبية قبل بضعة قرون" .

كلمة الحرية لم تتخذ قبل الأوروبيين دلالة سياسية قبل النهضة الأوروبية، بل كانت تستعمل في الفقه الإسلامي لتدل على الشخص المتحرر من الرق. أي ما يقابل الاستعباد، في حين أن اللفظ في المجال الأوروبي الحديث أتخذ دلالة سياسية مركزية في التنظير السياسي. ولذلك عندما حاول الطهطاوي فهم لفظ الحرية وفق مرجعيته الدينية المحافظة، لم يجد للفظ رديفاً أو مفهوما مطابقاً له في المجال الإسلامي، ولم يستطع التقاط الدلالة المحورية التي يتخذها هذا المفهوم في هيكل وبنية الكيان السياسي الحديث. بل عمد إلى ممارسة قياس، وفق آليات التفكير الفقهي، وقاس المفردة الحالية على غائب راسخ في وعيه، فوجد أن الحرية هي "العدل والإنصاف" عندنا. يقول الطهطاوي: "ما يدعونه حرية ويمجدونه هكذا هو المقابل الدقيق عندنا لما يعبر عنه بالعدل والإنصاف" .  وهو فهم يضع الحرية في دائرة الضرورة والقسر، أي فهم يُعرِّفُها بما ينفيها ويتنكر لها.

لم  ير الطهطاوي وفق رهانات المعنى التي ينتمي إليها سوى العدل والإنصاف كمعنى رديف لمفردة الحرية. والتي لا يمكن أن ترى طالما أن السياق السياسي لفكرة الحرية بصياغاتها الفلسفية ظل مفقوداً في المجال العربي أو أي مجال إسلامي آخر، ولم يصبح رهاناً اجتماعياً أساسياً. عندها لا يمكن للقرآن أن يوفر دلالة واضحة ومباشرة لهذا المعنى إلا حين يصبح جزءا من حياتنا ونختبر ضرورته في تجاربنا، عندها فقط يمكن للقرآن أن يكشف لنا عن هذه الحقيقة الجديدة، بما يستجيب لخبرة حياتنا . ولا يدل عليه إلا بنحو التكلف والاصطناع المبتذل الذي نجده بوفرة في كتابات الإسلاميين، من دون فهم التقاط حقيقي للأساس الفلسفي الذي تقوم عليه فكرة الحرية داخل المجال السياسي الحديث .

2.           رهانات المعنى الراسخة

حين ينطق القرآن الكريم بعد النبي (ص) من خلال البيئة التي يُستنطق في داخلها، فإن القرآن يصبح محكوماً للرهانات الكبرى التي استقرت في الواقع الإسلامي. وهي رهانات بدأت على شكل صراع سياسي بين عدة خيارات، ثم استقرت على هيئة معان ومعتقدات راسخة، أخذت توجه أي فهم أو تفسير للنص القرآني. لكن السؤال هو: ما هي الرهانات الكبرى التي ترسخت في بنية الوعي الديني، وباتت تؤطر أي دلالة دينية حول المعنى العام (Public)، وبمثابة موجه قسري لتداول النص الديني، واستعمالاته في المجال السياسي والحياة العامة.

 ويمكننا في هذا المجال التقاط لحظتين رمزيتين، تعبران بشدة عن رسوخ نمط وعي وخلفية تفكير أخذت تترسخ شيئاً فشيئاً في المجال العربي والإسلامي، إلى أن أصبحت أصلاً متعالياً يحكم ولا يُحكم، يوجه أي فهم وتفسير، وعابراً للأزمنة ومقتحما زماننا هذا من دون أية عقبات أو موانع.

2.1         اللحظة الأولى: قدر الله وإرادة الإنسان

ما رواه الطبري: "فدعا هشام بن عبد الملك ميمون بن مهران ليكلمه (غيلان الدمشقي) فقال له ميمون: سل فإن أقوى ما يكون إذا سألتم. قال له: أشاء الله أن يعصى؟ فقال له ميمون: أفعصي كارهاً".

هذا المشهد عبارة عن حوار رمزي بين وجهتين تنزع كل منهما إلى تقرير مصير الوعي الديني، فكانت الغلبة في نهاية  المطاف بالطبع لمنطق السلطة، لا لجهة قوة حجتها، بل لجهة حرص السلطة على إنشاء حقيقتها الخاصة، وامتلاكها لأدوات التعميم والنشر والتعبئة. فالسلطة لا تقوم على السلب أو القمع أو الألغاء فقط، بل هي منتجة لمعايير ومعرفة وأطر علاقات تماثل طبيعتها ونشاطها. والقوة التي لا تعلو فوقها قوة أو تجاريها قوة، ترافقها أيديولوجيا تتعالى بالسلطة وتجعلها فوق متناول الناس وخارج دائرة نشاطهم، بحكم كونها شيئاً لابشرياً، تأتي وتذهب بمسببات خفية خارج إرادة البشر ورغبتهم، فمتى ما حصلت لا يد في تغييرها، ومتى ما ذهبت لا قدرة على استرجاعها. إنها خلق آخر، نشأة أخرى، قدر يحصل خارج مجال الاختبار الإنساني، وحصوله كشف عن تقدير الله الخفي للأمور، والتدبير الرباني للانتظام الكوني للطبيعة والمجتمع على حد سواء .

الحوار الذي ينقله الطبري يعبر عن لحظة مفصلية في خيارات المعنى ورهانات الوجود الإنساني: بين أن يملك الإنسان القدرة على تقرير مصيره، وبالتالي تصبح السلطة شأناً من شؤونه، وبين سلبه القدرة على كل شيء بما فيه فعله المباشر. الحوار تمحور حول المقابلة بين قدرة الله وقدرة الإنسان، أو بالأحرى فعل الإنسان الحر والمستقل مقابل فعل الله المطلق والعادل، حيث أن تحقق الواحدة منهما ستلغي الأخرى. فإذا كانت قدرة الله شاملة إلى حد إلغائها للقرار الإنساني، فإن عدالة الله تصبح محلاً للشك والتهمة، وإذا كان الإنسان قادراً على فعله بنحو مستقل، فإن الله يصبح عاجزاً في ملكه.

طبعاً لا قيمة فكرية أو فلسفية لهكذا حوار، إنما إهميته في رمزيته ومغزاه، لجهة أنه يعكس صراع الخيارات السياسية التي ستتحول لاحقاً إلى خيارات فكرية ولوازم عقائدية تحكم الوعي الديني بأسره.  فالسلطة تريد أن تعمم الصلة العميقة والضرورية بين مجريات الأحداث وقدر الله، لتصبح السلطة سراً غامضاً لا يملك الإنسان تفسيره أو فهمه، وبالتالي لا يملك أن يغير فيها شيئاً، وتبقى خارج مجال فعله وخياره. أما الموقف الآخر الذي سمي لاحقاً بالقدرية، فيريد انتزاع الأساس الأيديولوجي الذي تقوم عليه السلطة الأموية، بالشروع في نسبة أفعال الإنسان الحسنة إلى الله وأفعاله السيئة إلى الإنسان نفسه، ليتم فصل الخليفة عن الله،  ولا تعود منازعته معصية لله، بل يصبح خلعه أمراً ممكناً.

حتى تلك اللحظة انتصرت السلطة لقدرة الله المطلقة في سلطانه، لأن هذا هو القدر الذي يعنيها في إطلاق سلطتها بالكامل وتجريم أي خروج عليها. أما معضلة صدور المعصية عن الله، وبالتالي صدور الشر عن الله، فبقيت معلقة في الهواء ولم يتم التصدي لها إلا في مرحلة لاحقة.

7.2  اللحظة الثانية: عدل الله هو قدره

افتتح المنصور عهده بالقول: "أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على فيئه بمشيئته، أقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه، وقد جعلني الله تعالى عليه قفلا إذا شاء أن يفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم، وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني، فارغبوا إلى الله تعالى أيها الناس وأسئلوه.. أن يوفقني للصواب، ويسددني للرشاد، ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم، ويفتحني لإعطائكم وقسمة أرزاقكم بالعدل عليكم فإنه سميع مجيب" .

كلام المنصور يجعل مجريات السلطة في مجرى التدبير الإلهي للكون وحياة الإنسان، لا يريد من وراء كلامه إثبات إن ما يحصل قدر من الله، بل يريد إثبات المطابقة بين فعل السلطان وتدبير الله للكون، أي مطابقة فعل السلطان لحكمة الله وعدله. فالسلطان ترجمان حكمة الله، وليس فقط تجل لقدرته. وإذا كان الوصول إلى السلطة قدراً إلهياً، فإن مجريات السلطة ترجمة مباشرة لعدل الله وجزء من تدبيره للكون والحياة. فالعدالة ليست شيئاً سوى التطابق مع النظام العام القائم في الكون، أي إن العدالة ليست أكثر من الضرورة السارية في الكون، والتي تترجم نفسها في مجال الحياة العامة بالسلطان الحاكم التي يجري الله الأمور على يديه.

طابق الأمويون بين سلطتهم وقدر الله، وطابق العباسيون بين سلطتهم وعدل الله التي لا مكان فيها للإختيار الإنساني. وهو مسعى استكمل النقص الذي عجزت عنه السلطة الأموية، وتقدم خطوة إلى الأمام ليطابق بين قدرة الله المطلقة وعدله المطلق، واللذان يتجليان في الضرورة التي تحكم الطبيعة وتحكم الوجود الإنساني. بذلك انتقلت الجبرية من شكلها الساذج البسيط الأولي، التي كانت تركز في السابق على نفي إمكانية الفعل المباشر للإنسان، إلى نفي إمكانية الفعل السياسي. وبتنا أمام جبرية سياسية محكمة وراسخة في بنية الوعي الديني، وتوجه أي معنى أو دلالة للنص القرآني أو النبوي.