الرئيسية » حضاريات » النص الديني ورهانات المعنى السياسي – د. وجيه قانصو الجزء الرابع
العقل اساس العقيدة

النص الديني ورهانات المعنى السياسي – د. وجيه قانصو الجزء الرابع

    ما كان قدراً سياسياً، تحول إلى رهان معنى يحكم أي تفكير في المجال السياسي العام، ويؤطر أية فعل تأويلي للنص الديني. وهي رهانات ترجمت نفسها في أكثر مستوى

1.1       مستوى علم الكلام

الذي توزع بشكل أساسي بين   الأشاعرة والمعتزلة:

أما   الأشاعرة فقد جعلوا عدل الله تابعاً لفعله. فكل ما يفعله الله هو عادل وحق وخير، حتى لو كان مستهجنا ومستقبحاً عندنا.  يقول الأشعري: " إن لله أن يؤلم الأطفال في الآخرة، ويعد ذلك عدلا إن فعله… الخير والشر كله من الله وبتقديره ومشيئته"، وهو مثال افتراضي يريد الأشعري من ورائه التأكيد على: أن عدل الله من لوازم فعل الله نفسه، وليس معياراً مستقلاً قائماً بذاته.

ويقول الأشعري في موضع آخر: " كل ما فعله فله فعله أنه المالك القاهر… فإذا كان هذا هكذا، لم يقبح منه شيء إذ كان الشيء إنما يقبح منا لأنا تجاوزنا ما حُدَّ ورُسِمَ لنا، وأتينا ما لم نملك إتيانه. فلما كان الباري ملكاً ولا تحت أمر لم يقبح منه شيء" . وفي هذا النص دلالة على جبرية اعتبارية بحق الإنسان، وهي أن صفة القبح التي تلحق بفعل الإنسان ليست وفق مقياس خارجي مستقل، بل وفق ما "حد ورسم لنا"، أي وفق ما أمرنا الله به. فيعود معيار الحسن والقبح في فعل الإنسان إلى المطابقة مع شرع الله، ولا إمكان للإنسان في اجتراح مجال مستقل لوجوده خارج دائرة الشرع، لانتفاء صلاحية وقيمة أي معيار ذاتي أو مستقل خارج إرادة الله التكوينية والتشريعية.

أما المعتزلة، الذين انشغلوا بتنزيه الله عن ارتكاب الظلم والشرور، فقد اضطروا إلى القول بذاتية الحسن والقبح. هذا لا يعني أن الحسن والقبح شيئآن يُلزمان الله من خارج ذاته، أو أنهما معياران خارجيان يفرضان نفسهما على الله، ويلزمانه تجنب القبح وفعل الحسن، بل إن العدل صفة ذاتية لله، ولا يصدر عنه إلا الحسن، ولا يمكن أن يصدر عنها القبح، لأن هذا هو جوهره . مهما يكن من أمر فقد كان النقاش بين   الأشاعرة والمعتزلة منصبا على إرادة الله وليس إرادة الإنسان. ف  الأشاعرة ينفون عن الله إمكان العجز، والمعتزلة ينفون عنه إمكان الظلم واقتراف الشر، من دون أن يعني ذلك أن المعتزلة أثبتوا حرية الإنسان بالأصالة، بل أثبتوها بالتبع، واعتبروها من لوازم عدل الله وعدم فعله للقبيح. أي أن أساس البحث ليس إرادة الإنسان وإنما إرادة الله، والإنسان كإنسان غير مقصودٍ بالكامل.

ننبه هنا إلى أن المعتزلة لم يقابلوا جبرية   الأشاعرة بالحرية الإنسانية، بل بقدرة الإنسان على الفعل المباشر. أما الحرية التي هي حقل أوسع من القدرة على الفعل المباشر، وتتعلق بقدرة الإنسان على صنع مصيره وبناء واقعه، فهذا غير ملحوظ في شروحات المعتزلة، بل يمكن القول أن الإرادة الإنسانية محكومة لضرورة خارجية عليه، وإذا كان قادرا على فعله الخاص فهو عاجز عن أداء الفعل الذي يتعدى ذاته وشخصه أو فعله القريب لينشيء فعلاً عاماً أي فعلاً سياسياً،. فالمجال الأوسع من الفعل الشخصي محكوم للحسن والقبح الضروريين، اللذين هما حقائق عقلية، أي طبيعية للأشياء، لا يملك الإنسان الخيار في رفضها أو تعديلها.

بذلك غاب في مباحث الاعتزال قدرة الإنسان على الفعل السياسي ، وظلت المسألة مغيبة. بحكم أن الفكر بجميع فروعه ظل فكراً تنزيهيا لله، وليس إثباتاً لفعل الإنسان واعتباره أصيلاً قائما بذاته. فالمعتزلة أثبتوا فعلاً حراً للإنسان في مباشرة فعله، لكن مدى هذا الفعل ظل ضيقاً ومحدوداً، ويقتصر على يومياته الشخصية، ولم تتوسع لتصبح حرية عامة. صحيح أن الامر بالمعروف والمنكر كان من أحد ركائز الإعتزال، إلا أنه ظل في حدود الحياة اليومية، ولم يصل إلى حد النشاط السياسي العام، أما عزل السلطة فهي بنظرهم ممكنة، في حال حصول أحد أمرين: إما ضياع الدين وهتك حدوده وأحكامه، وصدر كفر من الحاكم، وإما حصول طارئ يوجب اختلال النظام العام، من طرو جنون أو عاهة أو ضعف. وهي أحكام لا تهدف إلى إشراك الفرد أو المجتمع في المجال العام، بقدر ما تهدف إلى حفظ النظام العام، أي حفظ الضرورة وحمايتها.

استطاع   الأشاعرة أن يحلوا مشكلة الجبرية المباشرة بفكرة الاستطاعة، وأثبت المعتزلة قدرة فعل مباشر للإنسان، لكنهم لم يذهبوا إلى أبعد من ذلك، وأثبتوا الجبرية السياسية، المدعمة بجبرية كونية (معتزلة)، أو جبرية تشريعية (  الأشاعرة)، وبقي المجال السياسي غائباً بالكامل، بعد أن رفع من دائرة الإجتماع الإنساني أو الخيار الفردي.

1.2       مستوى التداول اللغوي والفقهي

تجلى هذا في قواميس اللغة، التي عسكت تداول مفردة الحرية واستعمالاتها في الفضاء الإسلامي.  حيث استعمل لفظ الحر لتمييزه عن المملوك المحروم من أكثر أنواع التصرفات الطبيعية. فالحرية هنا رفع للرق وإزالة له، وليست اكتساباً لحقوق سياسية أو فسحة حراك ذاتية واسعة. وفي الآية القرآنية: "فتحرير رقبة"، ما يفيد ذلك، حيث إن التحرير،  كما يقول ابن عاشور، تفعيل من الحُريّة، أي جعل الرقبة حرّة ، والرقبة أطلقت على الذات من إطلاق البعض على الكلّ.

اتخذت لفظة الحرية، طابعاً فقهياً- قانونياً، وصارت تقابل الحجر الذي يمنع الإنسان من التصرف بما هو حق له.كما في حجر العبد المملوك، والوصاية على الطفل القاصر، والحجر على المجنون، والحجر على السفيه من التصرف بماله. فكأن السماح للإنسان في التصرف بحقوقه الطبيعية، يتطلب كفاءة عقلية ومروءة أخلاقية خاصتين ، يستوجبان اعترافاً اجتماعياً بإطلاق يده في حقه المقرر والمقدر له. ما يجعل الحرية منحة اجتماعية وقانونية، وليس حقاً طبيعياً يقوم عليه المجتمع والتشريع معاً.

غياب لفظ الحرية وفق التداول المعاصر، ألجأ باحثين أمثال عبد الله العروي إلى تلمس الحرية من خلال الواقع العربي الممارَس وليس من خلال لفظها. فوجدها متمثلة في البداوة كأداة لتخفيف الإستبداد عليه، وفي العشيرة كوسيلة حماية من قهر أقوى منه، وفي حياة التقوى استجابة لنداء باطني للتحرر من قهر الشهوات ونوازع الأنانية، وفي طريق التصوف للإنعتاق من كل شأن دنيوي والذوبان في عبودية كاملة لله . وهي جميعها لا تحمل معنى الحرية، سواء أكان بمفهوم الحرية المعاصر، أم بمعناها الكلامي القديم المتمثل بالإرادة الحرة أو القدرة على الإختيار. بل هي حريات فارغة لا تحديدات في داخلها، وتعبير عن خروج من دائرة الإنتظام الإجتماعي والسياسي، لا لاكتساب شيء خارجها، بل للهروب من دائرة الانتظام العام، لتصبح الحرية علامة انزواء وانكفاء، لا علامة مواجهة لانتزاع اعترافاً بمشروعيتها، أو خلق مجال لتحققها الذاتي. صارت الحرية طوبى يعوض على الذات ضيقها من ضغط العالم الحقيقي، فانتهت خيالاً يحلق في الفراغ.

1.3       مستوى الأيديولوجيا السلطانية

أخذت الجبرية السياسية تعبر عن نفسها عبر ألسنة الحكام والخاصة التابعين لهم. فكان معاوية يكرر في خطبه: "أللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت" ، ما يشير إلى قناعة معاوية، أو محاولته في إقناع الناس، بأن الإرادة الإلهية والقدر الإلهي كانا وراء وصوله إلى السلطة، كذلك بدأت تظهر روايات مروية النبي يتردد بين الناس بأنه: "ستكون خلافة نبوة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" .

لم تعد إرادة الله، في المجال الاجتماعي والسياسي، تتعلق بما يجب تحققه في المستقبل، بل صار: ما هو متحقق علامة وإمارة على إرادة الله، ما جعل إرادة الله من متعلقات الماضي لا متعلقات المستقبل. لم تعد إرادة الله تستدعي إرادة إنسانية لتحقيق واقع بشري معين، بل أخذت (إرادة الله) تتجاوز الخيار الإنساني، وتخلق هذا الواقع بطريقة غامضة لا يفهم الإنسان طرقها، ما نقل القاعدة الإيمانية من "افعل ما يريد الله أن يكون"، إلى "طابق فعلك لما أراده الله بما هو كائن". صار مجرد حدوث شيء، علامة حتمية على أنه مراد لله، ويمثل العدل الإلهي الذي لا يمكن التشكيك فيه.

أما مفهوم العدالة، الذي أخذ في اللغة معنى "وضع الاشياء في مواضعها الذي تستحقه" بحسب التعريف الشائع. وهو معنى يستلزم مساواة الشيء بما يعدله، واعتدال يحفظ اتزان الأمور وعدم خروجها عن طبيعتها وحقائقها، وتطابق قيمة الأشياء مع معايير مسبقه تقدر وزن الأشياء ومواقعها، وانتظام يحفظ حقوق الأشياء ويمنع ما قد يغبنها. هذا يعني أن العدالة، تستوجب معايير مسبقة تقدِّرُ حق الأشياء ومنزلتها، وسلطة حفظ ومنع وتوازن تقيم العدالة. أي إن العدالة تتقوم بقيم (أو معايير مُلزِمَة) وقوة قادرة (أو سلطة).

بإلغاء أية مدخلية للإختيار والقرار الإنسانيين في صنع أي حدث اجتماعي، أو قيام أي ترتيب سياسي، صارت العدالة تتحقق بطريقة خفية وغيبية، وأخذت تقترن بالحدث لمجرد حدوثه، الذي ما كان ليحدث، إلا لأن الله ارادة، وخلف ظاهرة الدموي والغريب، هنالك خير خفي للمجتمع والإسلام.  صار الحاكم هو الواقع القائم، وصار الواقع هو القدر، وصار القدر هو العدل المتحقق الذي "يقطع الله به الفتنة" و"يجمع  كلمة المسلمين" و "يفتح البلاد" .  هو تصور جديد اختصره قول معاوية: "نحن الزمان من رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتضع" .

وصلت الأيديولوجيا السلطانية إلى ذروتها المنطقية، حين أقامت تماثلاً بين الملك والله . فصار السلطان من طينة خاصة يختلف عن سائر الناس لا يدين بشخصه أو ملكه لأحد. وهو فريد من نوعه يتموقع خارج الاسماء، وخارج أخلاق العامة، طبيعته الحقيقية كلها عدل، وينفرد في كل شيء إسما ولباسا ومسكنا وماكلاً، حتى قال الجاحظ: "الملك إن أمكنه التفرد بالماء والهواء ألا يشرك فيهما أحد فإن البهاء والعز والابهة في التفرد" .

أما الاختيار الإنساني، فلم تكتف الأيديولوجيا السلطانية الجديدة بمحاصرتها، بل عمدت إلى إلغائها تماماً، مستندة في استراتيجيتها إلى جبهتين:

الأولى، أن التوحيد يقتضي الإيمان بأن كل شيء يحصل في هذا العالم من الله، بما فيه الفعل الإنساني. الثانية، استعادة وتضخيم التوجس القرآني من الإرادة البشرية، حيث عملت الأدبيات السلطانة على تعميم فكرة تأصُّل الشر في البشر، ما يسوغ للملوك الحزم في القضاء على هذا الشر بملاحقة فلول الحرية أو طردها بالكامل من دائرة المدنية إلى فلوات الصحراء.

أما فكرة الإمامة فليست استثناءاً عن الجبرية السلطانية، التي قابلت الجبرية السياسية الواقعية بجبرية تشريعية، بالقول ان المجال السياسي من مختصات الله، الذي يقرر وحده كيف نحكم ومن يحكمنا.  فإذا طرحت الأحكام السلطانية جبرية  قدرية، بأن ما يحصل تقدير سري غير مفهوم من الله، فإن الإمامية طرحت جبرية تشريعية، رفعت به المجال العام من دائرة الاختيار البشري، وجعلته من المحرمات التي يجب على المكلف الامتناع عن ممارستها، لأنها من مختصات شخص استثنائي فوق اعتيادي في قدراته وعلمه، معين من قبل الله. فالشأن العام مجال فوق بشري يتطلب شخصيات فوق بشرية

كل ذلك لم يرسخ عقيدة جبرية، بل أفق معنى ورهانات وجود مؤطرة ومحاصرة بالكامل بجبرية صلبة وعنيدة، ومنتشرة في كل أوجه النشاط الفكري والسياسي والاجتماعي. وقد كانت مقدمة ابن خلدون بمثابة الخلاصة الأخيرة والخاتمة النهائية لتقلبات الفكر الإسلامي وتحولاته في قصية الحكم والسلطة.  يقول ابن خلدون: "أما الملك فملكان: طبيعي مقتضاه الغرض والشهوة والتغلب والقهر، وهو جور وعدوان، وهو مذموم، وملك سياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقل في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار ، وأحكامه هي أيضاً مذمومة لأنه نظر بغير نور الله.. أما الخلافة فهي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة. فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا".

فالملك القائم على العقل، الذي هنا هو التجربة والنظر المستقل مذموم، ولا مكان له في دائرة الإجتماع الإسلامي الذي استقر على هيئة واحدة حتى زماننا الحديث والمعاصر، والذي أخذ يعبر عن نفسه ايضاً بتعبيرات متعددة، كان أبرزها الخطاب الإسلامي المعاصر.

2.         الحبرية السياسية الحديثة

بانتفاء استقلالية المجال العام، ووضعه خارج الإختيار الإنساني، مع عدم انبثاق النشاط الاقتصادي الذي يخلق في الإنسان الوعي بقدراته وإمكاناته التي تتعدى دائرة نشاطه اليومي، ترسخت جبرية سياسية صارمة مثلت رهانات المعنى والوجود الإنساني داخل الوعي الديني. وهي رهانات غلفت النص الديني نفسه، وبات اللوحة الخلفية لاي تفكير بالنص الديني حتى يومنا هذا.

ولو قرأنا نصوص الحركات الإسلامية المعاصرة، المعبر الأوضح عن الوعي الديني الراسخ في المجال السياسي، حيث أن الخلاف بينها وبين المؤسسة الدينية التقليدية ليس في الأصل الذي تقوم عليه السياسية، بل في الأهلية في تطبيق الأحكام والكفاية في فهم الدين. فالطرفان يتحركان على ارضية جبرية سياسية،  وكلاهما يعادي رهانات الحداثة، لأنها تستوجب قلب المعادلة بالكامل، وتتطلب أصالة إرادة حرة للإنسان، لتكون العدالة من متفرعات حرية الإنسان لا من متفرعات قدرة الله الكاملة. فالعدالة تتحقق حين ترتفع الوصاية على الإنسان ويكون لديه الجرأة أن يفكر بحرية، وأن يكون محيطه مجال وجود، وحقل تحقق، وفعل إخراج لإمكاناته المتعددة.  

وأود هنا أن أعرض نصين معاصرين، يعبران عن استمرارية الجبرية السياسية بشدة في الوعي الديني المعاصر، بحكم بقاء رهانات المعنى التي تحدد وجهة النص الدلالية ثابتة لم تتغير. إنها جبرية أصيلة وغير مستعارة، لكنها عبرت عن نفسها بتعبيرات حديثة، أي أنشأت لنفسها خطاباً حديثاً، رغم أن رهاناتها العمقية ظلت واحدة منذ زمن الماوردي وحتى يومنا هذا.

2.1       سيد قطب: حاكمة الله وجاهلية الإنسان

يقول سيد قطب: "وإن المجتمعات القائمة كلها مجتمعات جاهلية وغير إسلامية، وإنه لينبغي التصريح بلا وجل أن الإسلام لا علاقة له بما يجري في الأرض كلها، لأن الحاكمية ليست له، والبديل هو أولا قيام مجتمع إسلامي يتخذ الاسلام شريعة له، ولا تكون له شريعة سواه….لا بد من درجة من القوة لمواجهة المجتمع الجاهلي، قوة الاعتقاد والتصور، وقوة الخلق والبناء النفسي، وقوة التنظيم والبناء الإجتماعي… الإسلام لا يتحقق بالإيمان بالله ربا وخالقا وحسب، بل لا بد أن يشمل الإيمان بالله حاكما ومسيراً ومصدرا للتشريع والقيم" .

ويبين سيد قطب أساس جاهلية المجتمع بالقول: "العالم كله يعيش جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها … هذه الجاهلية تقوم على الاعتداء على سلطان الله في الأرض على أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية. إنها تستمد الحاكمية من البشر" .  ويبين في موضع آخر: "كل ما حولنا جاهلية: تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، مواد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة اٍسلامية، ومراجع ٍإسلامية، وفلسلفة إسلامية، وتفكيرا إسلامياً، هو كذلك من صنع الجاهلية". وفي السياق نفسه، شجب قطب الإنتماء القومي، وأعلن أن جنسية المسلم عقيدته، كما إنه شجب الحداثة، وأدان كل ما تقوم عليها .

هذه الجاهلية بنظر سيد قطب ليست مقتصرة على غير المسلمين، بل يدخل بحسب سيد قطب: "في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة… لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها. فهي وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله، إلا أنها تعطي أحد خصائص الالوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها وشرائعها وقيمها وعاداتها وتقاليدها" .

عبارات سيد قطب صياغة مباشرة وصريحة للرهانات الكونية الكامنة في الوعي الديني، والتي ترجمت نفسها جبرية سياسية بثوب حديث، ولغة مبرمة لا تقبل التأويل، وقدمت نفسها في زماننا بلغة معاصرة، وببنية أيديولوجية هي أيديولوجيا "الدولة الدينية"، القائمة في تفاصيلها على أساس جبري خالص، تحاصر الإنسان من جميع جهاته، وتقيم ملازمة وحتى مساواة بين الخطيئة وممارسته الإنسان لحريته، وتؤكد على القصور الذاتي في أي مبادرة إنسانية، وتذكر الإنسان بنقصه الجوهري الذي يفرض عليه الانسلاك في خط هداية مفصل. إنها من جديد عقيدة الطاعة التي تتخذ في كل ذلك تبريراً، ومن لبوس خاص

2.2       محمد باقر الصدر: السياسة مجال حصري لإرادة الله

يقول محمد باقر الصدر: "غاية حزب الدعوة هي جعل كلمة الله عي العليا، وتحكيم الإسلام في جميع مرافق الحياة… وذلك يتحقق بتغيير شامل للمجتمع بجميع مقوماته، بعمل جماعي منظم متواصل يتنامي بتأثيره إلى أن تتغير معالم المجتمع نوعاً وكما تغييراً شاملاً… فهدف حزب الدعوة تغيير واقع المجتمع البشري إلى واقع إسلامي، بتغيير المفاهيم والسلوك والأعراف والعلاقات على كل المستويات، على أساس من العقيدة والرابطة الأخلاقية الإسلامية، وإحلال الشريعة الإسلامية محل القوانين الوضعية تحقيقاً لإرادة الله"

عبارات الصدر وإن كانت أقل حدة من عبارات سيد قطب، إلا أنها تسير في الاتجاه نفسه، وهو سحب المجال العام من دائرة اختيار الأفراد والجماعات والمجتمع، وإعادة بناءه وفق بنية تفكير وأطر علاقات ثابتة تعبر عن مراد الله. فالمجال العام هو جال إرادة الله حصراً.   

إنها جبرية ضمنية، بل جبرية خالصة، تدعو الإنسان إلى التنازل عن حريته والتخلي عن خياراته لصالح قالب وبنية مؤدلجة يدعى أنها لله. فالمدار هو ما يريده الله، وليس ما يريده الإنسان. ليس هذا فحسب، بل لا بد للفكر نفسه أن يتقولب ويعاد إنتاجه، أي زرع الجبرية الخالصة ليس في هيئة القانون والمعايير الأخلاقية الخارجية، بل زرعها في الوجدان والتكوين الذاتي للإنسان، لتكتمل عملية انسلاخ الإنسان عن ذاته، ليس فيما يحققه في الخارج فسحب، بل فيما يفكر فيه

اللافت في أطروحة الصدر، وفي معرض الجواب عن السؤال الذي طرحه في كتابه المدرسة الإسلامية: "ما هو النظام الذي يصلح للإنساني وتسعد به في حياتها"، أن الصدر لم يستطع الصدر في معرض بحثه عن النظام الأفضل، إلا التفكير بأطر جاهزة ثابتة ذات طابع تكويني ونابعة من تفكير عقلي صارم، أي البحث عن نظم ليست من اختراع الإنسان، بل نظم تقرب الإنسان من الطبيعة وتبقيه في دائرة الضرورة لا في دائرة الحرية. فالسؤال عن النظام الأفضل هو سؤال ضمني عن النظام الاقرب إلى ضرورات الكون والطبيعة، أي نظام اللاإختيار ونظام اللاإرادة واللاحرية، نظام الآلة التي تحقق سعادة للإنسان.

سأل الصدر سؤالاً ينم عن جبرية ضمنية، ومن الطبيعي وفق منطق سؤاله أن ينتهي إلى جواب ينسجم مع الجبرية الكامنة في سؤاله. فحقيقة سؤاله هي: أي الأنظمة تحقق جبرية صارمة للإنسان وخالية من أية أخطاء وثغرات وعيوب تعكس عيوب الإنسان وخطأه أي تعكس حريته، وأي الأنظمة هي كاملة لا عيوب فيها لأن الإرادة الإنسانية فيها غائبة؟ كان جواب الصدر طبيعياً هو في النظام الذي لا يصنعه الإنسان بل تصنعه إرادة الله عن طريق الطبيعة أو عن طريق الشريعة.  ولهذا تجد الصدر بعد أن يعدد عيوب النظام الرأسمالي وهي عيوب نابعة من تخبط الفرد، ومصائب النظام الإشتراكي الناتجة من تخبط المجتمع، يُعرف النظام الإسلامي الذي هو الأفضل على أنه: "يعرض نفسه على الصعيد الإجتماعي بوصفه دينا عقائديا على أساس الوحي ومعطى إلهيا لا فكرا تجريبيا منبثقا عن قدرة الإنسان وإمكاناته".  هذا النظام، بحسب الصدر يلغى خياري المجتمع والفرد معاً، ويحيل النظام إلى السياسي إلى الله حصراً، الذي من خلاله تصبح العقيدة مدار نشاط المجتمع، وتصبح الطاعة مدار الفعل الإنساني.

   هكذا ينتصر الصدر من جديد للإرادة الإلهة، لأن المستقر في الوعي الديني أنها تناقض الإرادة الإنسانية، وتضع المؤمن أما خيار "إما أو". وبدل العمل على تفكيك هذا التناقض، وحل التعارض بين ما يريده الله وما يريده الإنسان، إذا به من جديد يعود إلى الجبرية السياسية التي تلغى، لا إرادة الفرد وحقه في الاختيار فحسب، بل إرادة المجتمع نفسه، ويدعو إلى انقيادهما معاً إلى حظيرة العبودية لله.  

تعمدتُ تقديم نموذجي سيد قطب ومحمد باقر الصدر، لأنهما ينتميان إلى بيئتين مختلفتين وحتى متناقضتين، أحدهما إلى البيئة المصرية السنية، والآخر إلى البيئة العراقية الشيعية. الأول أديب ومثقف، والثاني فقيه وفيلسوف.  لكن رغم الاختلاف في الخلفية الثقافية والاجتماعية والمذهبية، فإن الشخصين كانا متطابقان إلى حد بعيد في ترجمة رهانات المعنى الساسي والتعبير عنها بتعابير دينية، وكانت الموجه لكل قراءتهم الدينية والتأويلية، وهي الجبرية السياسية المستحكمة في الوعي الديني، التي قد تعبر عن نفسها بتعبيرات مختلفة، وصياغات متنوعة، تتفاوت في القوة الصعف، اللين والشدة، لكن المتبصر في أصولها وأساساتها يجد أنها تختلف بالدرجة لا في النوع، وتقوم جميعها على أصل واحد: جبرية محكمة، تستنكر المبادرة الحرة للإنسان خارج مجال نشاطه الحياتي الخاص، وتحيل المجال العام إلى الضرورة الطبيعية أو التشريعية، وترى أن السياسة والحكم ساحة حصرية لإرادة الله . ليست المسألة من يقرأ وما هي الكفاءة المطلوبة لذلك وما هي القواعد التي يجب التقيد بها في عملية القراءة، بل هي مسألة رهانات تغلف كل عملية تفكير وكل فعل قراءة للنص الديني، لتفرض وجهة دلالية خاصة للنص من بين وجهات أخرى، وترجح معنى من بين معانٍ أخرى محتملة، مهما تنوعت الخلفيات والثقافات والكفاءات.  

 إنها معضلة جدل الخوارج الأصلي مع علي، التي ترجمت لاحقاً إلى ثنائية حادة تمثلت بالجدل بين غيلان الدمشقي وميمون بن مهران، واستقرت على تقابل حاد أو تناقض بين إرادة الله وإرادة الإنسان، وهو تناقض أخذ يفجر نفسه عند كل منعطف ، لأن الوعي الديني لم يستطع تجاوز هذا التناقض والوصول إلى تركيب يرى الله في الإنسان، ويرى الإنسان في الله.

لم يقترح هذا البحث رهانات معنى جديدة للنص الديني، فهذا أمر متروك لدينامية المجتمع، وللقوى الساعية إلى التغيير، وهو جزء من عملية معقدة لا تتضح ملامحها إلا أثناء عملية التغيير، ولا  تكتمل فصولها إلا في نهاية الطريق. ما فعلناه هو الكشف عن الرهانات التي ما تزال مستحكمة في كل فعل سياسي وفي كل عملية تفكير وفي كل جهد لفهم النص الديني.  فالخطوة الأولى في بناء رهانات معنى جديدة، هو في معرفة رهاناتنا الراهنة، وفك سر غموضها وإخراجها من خفائها، وتعرية إكراهاتها وتلاعباتها وتقويتها وخبثها. والأهم من ذلك معرفة، ليس ماذا نفكر، أو كيف نفكر، بل معرفة عملية التفكير نفسها أثناء فعل تلقي النص والديني وممارسة فهمه وتأيله، وهي عملية تنتج لنا، ليس حقائق العالم والوجود فحسب، بل تنتج حقيقة ذاتنا أيضاً