الرئيسية » حضاريات » النص الديني ورهانات المعنى السياسي – د. وجيه قانصو الجزء الثاني
wq_hywty.jpg

النص الديني ورهانات المعنى السياسي – د. وجيه قانصو الجزء الثاني

 بحيث لا يمكن فصل القرآن عن النبي، أو فصل القرآن والنبي معاً عن الأحداث والوقائع الخارجية، أو عن الإطار التاريخي الذي حصلت فيه عملية تبلغ وتبليغ الوحي، وتحركت فيه جدلية نفاذ التجربة النبوية إلى قلب الواقع وتحويله إلى واقع آخر. فالاختلاف ليس سرة تعدد مكونات التجربة النبوية، والتي أهمها: شخص النبي، والوحي المنزل إليه، والشرط التاريخي. وهي مكونات تتضافر وتنصهر لتنتج تجربة نبوية واحدة، ذات سياق موحد وخطاب متناغم في منطقه ووجهته واستراتيجيات معناه ومقصده الأبعد، سواء أكان ذلك تبليغاً للنبي عن الله، أو فعلاً وقولاً صادراً عن النبي ابتداءاً منه من دون أن يكون هنالك تعليم مباشر من الله.

النص زمن صدوره يتكلم، لأن المصدر الذي هو النبي موجود ويستطيع التكلم عن نفسه وعن الله. فالنبي يُبلِّغ كلامَ الله ويبين مراده في آن. المسألة لا تنحصر في تحديد من يتكلم ويبلغ فقط، بل مسألة حادثة التبليغ التي ينتج عنها النص. فالنص ليس شيئاً يصدر من الأعلى إلى الاسفل فقط، بل حقيقته تقوم داخل الحقل الذي ينوجد فيه. أي إن كينونة النص القرآني، أو القول النبوي، أو حتى موعظة الجبل للسيد المسيح، ليست عالماً مغلقاً على نفسه، أو سراً منعزلاً يتكون من ذاته وبذاته ولذاته، بل هو شيء يتكون داخل حقل وجود إنساني، ويعطي لنفسه صفة "بيان"، وهو معنى الكشف والإنكشاف الكامل، بحيث يعرض نفسه علينا، ويُعرِّضُ نفسه للقبول مرة وللرفض مرات عديدة، ويضع نفسه تحت تصرف أفهامنا ويجازف بنفسه من أن يساء فهمه أو حتى يساء استعماله. فصدور قول الوحي عن جهة متعالية لا يستلزم أن يكون قول الوحي من سنخ هذه الجهة المتعالية، طالما أن هذا القول يتقوم بمتكلم ومُبلِّغ ومُبَلَّغ وظرف التبليغ، أو مرسل ورسول ومرسل إليه، وسياق يجمع هذه الأطراف الثلاثة. فالله وضع نفسه في صفة متكلم أرضي، وأفاض بقول أرضي، ليكون بامكان هذا الوحي أن يحقق نتائجه وثماره في ساحة النشاط الإنساني. إن الله نزل بقوله إلينا، ليرفعنا عبر استجابتنا لهذا القول إليه.

لذلك، وحين أخذ المسملون يوثقون التجربة النبوية، لم يكن بالإمكان الإقتصار على القرآن مصدراً وحيداً لإعادة بناء هذه التجرية أو فهمها، بل كان لا بد من تدوين السنة، التي أصبحت في مرحلة متأخرة بنفس منزلة القرآن من حيث الدلالة والحجية، رغم علو مكانة القرآن في الاعتقاد، كما اضطر المسلمون أيضاً إلى تدوين مناسبة النزول في محاولة لإعادة بناء حدث الوحي ومشهدية التبليغ، التي لا يمكن بحال اعتبارها شيئاً عارضاً على النص، بل هي حقل وجود وانوجاد النص ومجال فاعليته وظرف انكشافه وظهوره.

في كل الأحوال، وما يعنينا هنا، هو أن النص والنبي كانا شيئاً واحداً، بمعنى أن كلاً منهما كان يتحقق بالآخر، فالقرآن لا يصير قرآنا إلا بتبلغه وتبليغه، ومحمد (ص) لا يصير نبياً صاحب رسالة إلى بوحي ينزل إليه، ومهمة يؤديها بأمر من الله.

الوحدة بين النبي والوحي، جعلت القرآن ناطقاً عبر النبي، الذي لا تقتصر مهمته على تبليغ القرآن، بل شرحه وتفسيره ودفع الشبهات عنه. فما نعتبره نصاً دينياً في زماننا، كان من دم ولحم في زمن التأسيس، كان كائناً حياً يمشي بين الناس ويدعوهم إلى الله. أي كان نصاً ناطقاً بكل ما يحمل النطق من دلالات واقعية وغير واقعية، عقلانية أو أسطورية.

هذا الأمر جعل العلاقة بين النص المتكلم عبر النبي وبين الناس علاقة تكلم وإنصات من قِبَل المؤمنين، الذين شدد القرآن عليهم بضرورة الإنصات والإستماع له حين يتلى ويتكلم. "إذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون" فتحقق رحمة الله بحسب هذه الآية، يتوقف على الإنصات لهذا القرآن الذي يتلوه النبي، والناس لا يملكون الخيرة من أمرهم إذا قضى الله ورسوله أمراً.كلام الله ووحيه وقول نبيه، لا يقبل أن يفسر أو يؤول أو حتى يناقش زمن النبي، فوجهته واحدة، وهنالك جهة حصرية تحدد هذه الوجهة، ولا يملك أحد أن ينطق أو يجتهد أو يصرح خلاف ذلك.

الطبيعة الدلالية للقول النبوي زمن النبي تسير باتجاه واحد، بحكم أن القول والمعنى واحد، والناس في موضع الإنصات والتلقي فقط، والنص لا يضع نفسه بتصرف أحد، بل يملي ويأمر ويهدد ويبشر ويقرر ويلغي ويقر، من دون منافس أو شريك يشركه في المعنى والمضمون. فالناس تنصت ولا تتكلم، والنص يتكلم ولا ينصت، والمؤمنون يضعون أنفسهم بتصرف قول الوحي ورهن إشارته، تستجيب له ملبية، وتخلي ذهنها من أي معنى منافس أو مناف أو شريك. وهذا مقتضى الآية: "ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" ، والآية: "وأطيعوا الله ورسوله" والآية: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم". فالنص ينطق عبر النبي والناس تنصت، النص يأمر عبر النبي والناس تطيع.

تلك هي طبيعة العلاقة بين قول الوحي والمتلقي زمن التجربة النبوية، بحكم أن القول النبوي وقول الوحي باتا مجسدين بشخص النبي، الذي انحصرت فيه صلاحية التبليغ وتحديد المعنى وبيان المقصد، وبات هو صاحب السلطة الآمرة.  فلا قول سوى قول النبي، ولا مصدر لمعرفة مراد الله وقوله سوى النبي أيضاً, كما أنه لا وجود لمعانٍ محتملة أو متكافئة، بل هنالك معنى واحد ودلالة واحدة يحددها النبي وحده، فما يحدده النبي ليس معنى النص، بل هو المعنى نفسه ولا معنى غيره. ولذلك نجد أن النبي رفض في زمانه أي نص منافس أو مصدر مواز لقول الله ومراده، أو حتى قول مواز أو منافس لقول النبي نفسه. ففي الرواية أن النبي غضب عندما رأى عمر بن الخطاب يقرأ في التوراة، وقال له في معرض النهي المشدد: "ليس بوسع موسى إذا بعث في زماني إلا أن يتبعني".

 

  1. النص زمن التمأسس

كانت وفاة النبي لحظة حاسمة في طبيعة وتكوين النص الديني، فبعد اللحمة الحاصلة بين شخص النبي وقول الله ومراده، التي فرضت اتباعاً وإنصاتاً وطاعة، أصبح المسلمون متروكين لمصيرهم، وعليهم المبادرة لتعويض غياب المؤسس، ونقل مجمل التجربة النبوية إلى نص مدون، أي نقله من حالة التداول الشفاهي إلى وضعية موثقة منضبطة، تحسم الجدل حول مادة الوحي، وتوحد المسلمين حول مرجعية موحدة، وتضمن استمرارية ثابتة وحضور دائم لوحي الله في حياة المسلمين. فعمدوا بادئ الأمر إلى جمع القرآن وتدوينه، استناداً إلى ما كان مدوناً زمن النبي، وما كان مستقراً في ذاكرة صحابته.

ورغم تردد بعض المسلمين في تدوين غير القرآن من إرث النبي، وتحفظ البعض الآخر، فقد اضطر المسلمون في فترة لاحقة إلى تدوين هذا الإرث وحفظه وتنقيحه. وذلك بعد كثرة الكذب على النبي، ووضع الأحاديث على لسانه، ودخول الأهواء السياسية والمذهبية عليه، واختلاط إرث النبي بأقوال الصحابة وأفعالهم. وهي عملية مرت بمراحل عدة، واحتاجت إلى وضع آلية ومعيار لتنقيح الأحاديث ووضع أسانيدها، إلى أن استقرت عملية التدوين في القرن الثالث الهجري على هيئة مدونات معتمدة لدى السلطة وعموم الناس[2].

ولو ركزنا بحثنا هنا على النص القرآني، الذي انتقل من مرحلة الإنزال على قلب النبي، إلى مرحلة التبليغ، إلى مرحلة التدوين والجمع والتوثيق وتوحيد نسخه. فإن هنالك متغيرات عدة طالت هذا النص في جوانب عدة:

أولها: الإنتقال من التداول الشفاهي إلى التداول المكتوب.  إذ رغم حرص المسلمين على حفظ القرآن وتلاوته عن ظهر قلب، إلا أن هذه التلاوة لم تعد حرة، بل مقيدة بهيئة ونظام الوثيقة القرآنية، ووفق ترتيب معين بين آياته وبين سوره. أي باتت الشفاهة المستمرة في تداول القرآن محكومة لبنية وترتيب ولفظ النص القرآني المدون.

 

ثانيها: غياب المؤسس، أي النبي (ص). وهو أمر جعل النص الديني مكشوف الظهر، وموضوعاً في تصرف المسلمين من دون دفاعات ذاتية به. فبعد أن كان النبي يحسم أي جدل أو شك حول معنى الوحي ودلالاته، أصبح النص مفتوحاً على إحتمالات معنى متعددة. وبات كل احتمال يحمل مشروعية أمام الاحتمالات الأخرى لغياب المرجعية التي تحسم الجدل حسماً قاطعاً.

هذا الأمر دفع المسلمين إلى وضع مرجعية وضوابط من خارج النص لحسم معضلة المعاني المتنافسة أو المتكافئة، وترجيح أحدها على الأخرى، إضافة إلى وضع حد لفوضى توليد المعاني.كانت هذه الضوابط: مفهوم الإجماع، ومفهوم السنة المتواترة، ومفهوم التفسير الممدوح الذي يحدد القواعد السليمة لتفسير وفهم النص. وهي معايير لم تستطع أن تحد من اختلاف المسلمين، أو توقف تدفق المعاني المتعددة للنص، بسبب أن هذه المعايير باتت هي نفسها نسبية وفاقدة في أكثر صورها إلى الضبط العلمي الذي يحسم الجدل بين المتنازعين.

غياب النبي (ص) فرض تغيراً في العلاقة بين النص والمتلقي وقارئ النص، فحين كان على المسلمين الإنصات والإستماع لكل ما يقوله النبي، أصبح النص المدون في حالة صمت لا ينطق لوحده، ويفتقد إلى القدرة الذاتية على حسم أي جدل أو تصويب أي معنى محتمل في النص، بحكم تكافؤ الكثير من المعاني والدلالات.

ثالثها: تغير الشروط التاريخية والاجتماعية والسياسية بعد النبي، الأمر الذي فرض تباينا بين الوقائع التي نزلت لأجلها الآيات، والوقائع الجديدة التي لا تطابق ولا حتى تشابه الوقائع الأولى. وهو أمر خلق مفارقة مربكة عند المسلمين، تمثلت في استخراج حكم أو موقف ديني من النص الديني لوقائع وأحداث لم تكن ملحوظة في أصل نزول الآيات، بسبب أن هذه الآيات نزلت لوقائع وأحداث وسياقات مختلفة.

هذه الوضعية فرضت على المسلمين تحديد موقف الآية من الواقعة الجديدة بجهد فكري إضافي عبر ما سمي بالإجتهاد. وهي عملية صناعية لا تهدف إلى الكشف عن الحكم الشرعي، بل إلى إنتاج الحكم الشرعي وفق معايير افترضها الفقهاء من خارج النص، والتي أهمها القياس، والمقدمات العقلية، والأصول العملية، وقواعد الإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص. وهي جميعها قواعد استخلصها المسلمون من أصول التخاطب العربي[3]، بناءات العقلاء في التخاطب والفهم، قواعد إنتاج القول وقواعد فهمه، إضافة إلى قواعد المنطق اليوناني التي بدأت تتسرب تدريجياً إلى بنى الفكر الإسلامي.

رابعها:  تغير المتلقين بعد التوسع الكبير في الفتوحات الذي استتبع دخول مكونات اجتماعية وثقافية مختلفة عن الصحابة وانخراط هؤلاء في تداول القرآن وفهمه. إضافة إلى الانقراض التدريجي لجيل الصحابة، وظهور أجيال جديدة، تمثلت بالتابعين وتابعي التابعين، الذين لا يحملون في مخيلتها وذاكرتهم خلفية النص التاريخية، أو القرائن الاجتماعية والثقافية التي اقرتنت به.

هذا الأمر فرض تلقياً أعزل للنص، يعزل النص عن أصل نشأته، ويحرر المتلقي من أية قيود ظرفية أو تاريخية. وهو أمر سهل إلى حد بعيد، عن قصد أو غير قصد، إساءة استعمال النص الديني عبر توظيف آياته في مواضع لا تتوافق مع المواضع الأصلية التي نزلت فيها أو لاجلها، وساهم أيضاً في تحرر الآية من أي قيد ظرفي أو شرط تاريخي، ما أعطى للآية مرونة واتساع عاليين، وقدرة التحليق والهبوط على أية وضعية سياسية أو موقف معرفي أو حالة اجتماعية.

هذا التغير فرض تغيراً كاملاً في العلاقة مع النص الديني. فجيل الصحابة، ورغم أنهم مارسوا تفسيراً وفهما للقرآن بعد وفاة النبي (ص)، إلا أن ممارستهم للتداول والفهم القرآنيين، كانت مقيدة بما رسخ في ذاكرتهم من أسباب النزول وإرث النبي الذي ظل حاضراً بكثافة في وعيهم وتفكيرهم. أي كان الصحابة يتصرفون كما لو كان النبي حاضراً بينهم، ويقدمون مقترحاتهم وفق ما رسخ في أذهانهم من أقوال النبي وأفعاله. أي حرص جيل الصحابة عموما على حفظ النص داخل سياقه الأولي، ولو بالتمثل الذهني.

أما الأجيال الأخرى فلا تملك هذه الخلفية، وكانت تتلقى النص القرآني مجرداً من اي سياق تاريخي أو مضمون معرفي، ولم تكن السُنَّة لدى الأجيال الاولى متداولة أو معروفة على نطاق واسع، بسبب غياب الضبط الروائي لها، وبسبب التحفظ على تدوينها. وهو أمر جعل تلقي النص القرآني لدى هؤلاء يحصل خارج سياقه التاريخي، وتتخذ آياته وأحكامه صفة التجريد والإطلاق والشمول.

ما نخلص إليه في تحديد هذه المتغيرات هو القول بأن النص القرآني بعد النبي أصبح صامتاً لا ينطق، وكان على المسلمين استنطاقه والكشف عن معناه، وهو أمر وضع القرآن عرضة لسوء الإستعمال من الكثيرين، عن حسن نية أو عن سوء نية. خاصة وأن النص القرآني بات فاقداً لدفاعاته الذاتية، وغياب الناطق الرسمي بإسمه صاحب القول الفصل في تحديد الوجهة الصحيحية من الوجهة الضالة[4].

بوفاة النبي (ص) لم يعد النص القرآني قادراً على التكلم عن نفسه، أصبحنا نحن نتكلم عنه. ومع غياب المفسر الأول الذي يحدد المعني الواقعي والحقيقي للنص، فإن معرفة الحكم الواقعي أو الحقيقي قد غاب معه إلى الأبد، وبات معنى النص أثر من آثار فهم النص، ونتيجة من نتائج النشاط الذهني والفكري فيه، وبات هذا المعنى يتخذ صفة الترجيح من بين المعاني المتعددة المحتملة، التي تتجدد مع تجدد الوقائع الجديدة، لتصبح لا متناهية مع لاتناهي الظروف الخارجية والشروط التاريخية المحيطة بالنص.

 

  1. ترجيحات معصومة لمعنى النص

وضع النص في تصرفنا بعد النبي (ص)، جعله في الجانب الآخر تحت رحمة نوايانا، وعرضة لسوء استعمال لا متناهي أيضاً. بغياب النبي، انتفت العصمة عن النص، أي القدرة على أن يردع النص بذاته سوء الفهم وسوء الاستعمال، فعمد المسلمون إلى تأسيس جهة معصومة من خارج النص تحسم الخلاف، وتصوب المعنى ويكون لديها قدرة الكشف عن المعنى الواقعي. وقد اعتمد المسلمون لهذا الغرض طريقين:

 

أولهما: عصمة إجماع الأمة، أي منح الأمة المجتمعة على رأي موحد أو فهم موحد قدرة الكشف اليقيني عن مراد الله. وفي الحديث النبوي: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن"، وحديث: "لا تجتمع أمتي على خطأ". وهي أحاديث استفيد منها عصمة الإجماع في الكشف عن مراد الله الواقعي. بيد أنه، ورغم أن الإجماع هو في أصله وإجراءاته ومغزاه ليس مفهوما معرفياً، بل هو مفهوم اجتماعي وسياسي، أريد منه حفظ تماسك المجتمع ودعم وحدته، وتم إقحام هذا المفهوم في المجال المعرفي بطريقة ملتبسة، فإن موارد الإجماع والمسائل المجمع عليها نادرة، ولا تتجاوز عدد الأصابع، بحكم تباين المسلمين في مشخصات هذا الإجماع، وسبل التحقق من حصوله، فبات التحقق من حصول إجماع معين يحتاج إلى إجماع آخر يؤكده، وهكذا دواليك.

ثانيهما: عصمة الإمام، وهو من متفرعات القول بالنص على الإمام بعد النبي، الذي تم التوسع في مهامه في فترة لاحقة: من خلافة النبي في ولاية أمور المسلمين، إلى مرجعية علمية حصرية ومعصومة في تفسير النص القرآني وبيان الشريعة الدينية، وفق ما روي عن النبي قوله: "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهم لن يفترقا حتى يردا علي الحوض". وهو حديث إضافة إلى أحاديث أخرى، نصب الإمام مرجعاً للقرآن، حيث نقل عن علي قوله: "أنا القرآن الناطق". وهي توسعات حصلت تدريجيا في مسار تكوين الجماعة الشيعية، وتبلورت في سياق عقائدي وجدال كلامي وتنافس سياسي واستجابة إلى ضرورات الاجتماع الشيعي.

بيد أن مرجعية الإمام "المعصوم" للقرآن ظلت قضية افتراضية في التاريخ، بحكم غياب الإمام عن استلام مقادير الأمور العامة، ما عدا فترة حكم علي القصيرة، إضافة إلى إيمان جماعة خاصة داخل المجتمع المسلم بهذه الفكرة، لم يجعل قول الإمام حاسماً بين المسلمين، سواء أكان في معاني القرآن أو في دلالاته السياسية.  هذا يتأكد حين نعلم أن أكثر أئمة الشيعة مارسوا قيادتهم وأدلوا توجيهاتهم بسرية وكتمان عاليين، وكانوا يلجأؤون إلى التقية لتمنع عنهم أذى الحكام.  وبالتالي فإن مرجعية الإمام وقوله الفصل لم تكن عمومية، ولم تحظ بالقبول العام، حتى في زمن حكم علي الذي احتج الخوارج عليه بالقرآن على كفره.

من هنا فإن المضمون العقائدي حول الإمام لا يتطابق مع الواقع التاريخي، لجهة أن الإمام "المعصوم" لم يتمكن من ممارسة مهامه المفترضة، سواء أكان على المستوى السياسي والقيادي أو حتى العلمي.  كذلك فإن غياب الإمام الثاني عشر، وانقطاع الاتصال به، اضطر أتباع الإمامية إلى تحويل أقوال الإمام إلى نصوص مدونة للتعويض عن غيابه، ما فرض مرجعية خارجية تضبط فهم وتفسير وتأويل أقاويل الأئمة. فبعد أن كان قول الإمام ناطقاً أصبح في فترة الغيبة، بحاجة إلى من ينطق عنه، ويفرض وضع قواعد اجتهادية لفهمه وتفسيره. وهو ما تجلى في التأسيس الاجتهادي للمذهب الإمامي، الذي امتد من زمن المفيد مروراً بالشيخ المرتضى إلى أواخر حياة الشيخ الطوسي.

اقتراح الجهة المعصومة لحسم الجدل في تفسير وفهم النص الديني، من قرآن وسنة، ظلت فرضية كلامية، من دون أن يكون لها واقع تاريخي، أو تحقق فعلي في التاريخ. وهي مقترحات لم يكن عرضها حسم الجدل العلمي والفكري لحقائق الدين ومعنى النص الديني ودلالاته، بل تندرج في سياق السجال الكلامي على السيادة الدينية العليا، وجدل الأحقية والأهلية بين المذاهب. فلا الإجماع حسم الجدل لندرة موارده، ولا الإمام "المعصوم" جمع رأي المسملين ووحدهم على قول واحد أو معنى قرآني واحد، لقلة أقواله الواردة إلينا حول القرآن من جهة، ولعدم ممارسة قيادته المفترضة على مستوى عمومي (Public) من جهة أخرى.

كل ذلك فرض بقاء النص القرآني مفتوحاً، فلم يتوقف حتى يومنا هذا صراع التأويلات حوله، ولم يتوقف سوء استعماله لأغراض سياسية وشخصية.  وهذه سمة إيجابية للنص لا سلبية، بحكم أن النص القرآني لا تتوقف حركة المعنى فيه، ولديه قوة حضور في كل الأزمنة، ومجرد اقتران نصه بمعنى حصري، يحوله إلى سلطة إكراه لا حقل دلالي يفيض بمعانيه.

  1. صراع التأويلات

هذا يدفعنا، بدلاً من وضع الشروط التي تحسم معنى النص، والتي تبين أنها كانت افتراضية وليست فعلية أو واقعية، النظر في وضعية القرآن بعد النبي، وتعقب المفارقات التي وُضِعَ فيها عقب كل أزمة سياسية أو فكرية، والكشف عن صراع التأويلات الذي كان يحصل بالتوازي مع الأحداث التاريخية الكبرى التي مر بها المسلمون. وهو صراع أخذ، بفعل الخلل في ميزان القوى الداخلي وأرجحية قوة على أخرى، يحسم الجدل لصالح وجهة دلالية على حساب وجهات أخرى، ويراكم تدريجيًاً رهانات معنى صارت بمثابة الأرضية التي تحكم أية عملية قراءة أو فهم للنص القرآني.

لم تظهر مفارقات النص الديني مباشرة بعد وفاة النبي(ص)، إذ كان الهاجس هو بقاء الدين واستمرايته وانتشاره، وهي هواجس كانت توجه الطاقة الدينية بالكامل إلى الخارج، وتحصر وظيفة النص الديني في شحن الطاقة النفسية، وتصعيد الاندفاع العاطفي والروحي لمقاتلة الخصم الخارجي. وهي وظيفة لا تعبأ بمعنى النص الداخلي، أو دلالته الحياتية، أو صوره الروحانية، أو اختباراته الإيمانية، بقدر ما يهمها التماسك والصمود، وشحن طاقة المواجهة إلى اقصاها.  لم يكن المعنى الحياتي للنص الديني غائباً، بل كان مؤجلاً وينتظر لحظة ظهوره مع انبثاق سؤال القلق الداخلي وتراكم المفارقات والإرباكات التي تحيط بالمؤمن من كل جانب، وتتالي الصدمات الكبرى التي توقظ المؤمن من سبات يقينه وطمأنينته، وتحثه على البحث عن معنى جديد وقيمة جديدة ترفع حيرته وتثبت إيمانه وتبدد شكه.

كان مقتل عثمان بن عفان وما أعقبه من صراعات كبرى في زمن حكم علي، بمثابة صدمات متلاحقة في الوعي الديني، الذي استيقظ على شروط حياة جديدة، مختلفة ومغايرة للفضاء الذي احتضن نزول النص وتشكله. المتغيرات الجديدة فرضت قوة دفع هائلة دفعت باتجاه إزاحة كاملة للترتيب السياسي والمرجعية الأخلاقية السابقة، ما أحدث صدمة وجدانية وتشويش ذهني لدى المؤمنين في استيعاب ما يحصل، فكان ملاذ الكثيرين مثل الخوارج التمسك الحرفي بالدين، والعمل على مواجهة المتغيرات الجديدة واستعادة الفضاء القديم.

كانت أزمة فهم النص والتداول الإطلاقي لمعانيه اللفظية والحرفية، انعكاس لأزمة واقع جديد ترفعه شبكة قوى جديدة، وتكوين اجتماعي مختلف، ومنطق سلطة مغاير، أخذ يشق طريقه بثقة ويزيل آثار الواقع القديم الذي ألفه المؤمنون. فالواقع الجديد لا يصدم ركائز الحياة فحسب، بل يهز الوعي الديني نفسه، ويوقعه في حيرة وقلق وشك، تدفعه إما إلى عزلة العالم مثلما حصل لدى البعض أمثال ابن عمر وابن مسعود، أو مواجهة هذا الواقع ومنع تقدمه أمثال الخوارج. وكلا الموقفين مثَّلا رفضاً للتحولات، إما بالعزلة الفردية والنجاة الشخصية من الفتنة، وإما المواجهة الإنتحارية حتى آخر رمق.

عندما تتغير المعطيات، يفقد المعنى الذي كان يقدمه النص في السابق صلاحيته وقدرته على استيعاب الجديد، ويدفع المؤمنين إلى الدخول من جديد في تجربة جدل معرفي وذهني وروحي مع النص، للتكيف مع المتغيرات الجديدة. أي مع كل مستجد تتفتح إمكانات معنى جديدة للنص، ويأخذ جانب من الصراع بين القوى المتعددة شكل صراع على التأويل، بعدما كان وجه الصراع زمن النبي صراع على التنزيل. أي ينتقل النص من صراع الوجود والتحقق، إلى صراع المعنى الذي يحدد وجهة المؤمنين وخياراتهم الجديدة.



 [1] هذه مسألة عالجتها بشيء من التفصيل  في كتاب "النص الديني في الإسلام"، تحت عنوان الطبيعة التوليدية للآية القرآنية، التي ورغم صدورها من جهة عليا، إلا أن علاقتها بالحدث الخارجي ليس مجرد اقتران عرضي أو تجاور ظرفي، بل هي علاقة تكوينية بين الطرفين، أي الحدث والآية، حيث تستمد الآية من الحدث مادة تكوينها ومرجعيات تعبيرها، وتكون هي في الوقت نفسه نقطة انطلاق لإعادة تشكيل الواقع وفق أفق ذهني جديد وترتيب علائقي مختلف. 

[2] هذه العملية واكبها جهد مماثل لدى مذهب الشيعة الإثنا عشرية، التي بدأت ورشتها رسميا في غيبة الإمام الثاني عشر في النصف الثاني من القرن الثالث هجري، واستكملت مع الشيخ الطوسي في النصف الأول في القرن الخامس هجري.

[3] نحن لا نتحدث هنا عن المعنى اللفظي، أي الصورة الذهنية التي ترتسم لمجرد سماع اللفظ، فهذا جزء من اللفظ، ولكن أتحدث عن المفاهيم والإشكالات التي تثار لم يكن يتكلم عنها النص بشكل مباشر، لأنه انتقل إلى حقل آخر يختلف عن حقله السابق.

 

[4] كلامي هنا يتحرك في الفضاء الإسلامي العام. فلا يمكن اللجوء إلى التعليلات الدينية لدى البعض بأن علي وأبناءه من الأئمة هم القرآن الناطق، فهذا موقف خاص تبلور في مرحلة لاحقة في التاريخ الإسلامي لدى مذهب خاص داخل المجتمع الإسلامي، ولم تكن هذه الفكرة محل قبول عام لديهم. بل كان علي كما سنرى ضحية لسوء استعمال النص القرآني حين اتهمه الخوارج بالكفر بسبب قبوله بالتحكيم، حيث اتهموه بأنه قبل بحكم البشر بدل حكم الله، استنادا إلى فهمهم للآية القرآنية: إن الحكم إلا لله.