الرئيسية » سياسة واقتصاد » النص الديني ورهانات المعنى السياسي – د. وجيه قانصو الجزء الاول
lfkr_ldyny.jpg

النص الديني ورهانات المعنى السياسي – د. وجيه قانصو الجزء الاول

وهو أمر لا يحرج أتباع الدين الإسلامي فحسب، بل يحرج المؤسسة الدينية الفقهية، التي نجحت عبر التاريخ أن تكون مرجعية الموقف والفهم الدينيين، وأن تضمن إلى حد بعيد تكيف اجتماعي وثقافي مع المتغيرات والأزمات المتلاحقة.

مشاهد العنف الأخيرة أربكت عموم المسلمين، الذين كان الدين بنظرهم منبع أخلاق ودافع تسامح ومحفز على فعل الخير. أما غير المسلم، فقد حركت مظاهر العنف "الديني" بداخله تساؤلات وشكوك، بعضها بحسن نية وبعضها الآخر لدواعي تحريض، تطال طبيعة الدين الإسلامي نفسه وقدرته على التعايش مع الانتماءات الدينية الأخرى، وعلى التأقلم مع الحداثة ومتغيراتها الاجتماعية ومتطلباتها القيمية الجديدة.

جديد الجماعات الأصولية المعاصرة، أنها أنتجت خطاباً سياسياً يقطع بالكامل مع منطق المؤسسة الفقهية التقليدية، التي تقوم في بناها الفقهية على التكيف مع الواقع السياسي وتجنب مواجهته، وفق قاعدة "الشرعيات للفقيه والعرفيات للسلطان"، وهي قاعدة  وضعت كامل السيادة بتصرف السلطان، وخولته صلاحية شؤون المجتمع والناس والدين، وعرَّفت الفقيه بالمقابل، مؤسسة من مؤسسات المجتمع، تملك فقط حق إبداء الرأي في قضايا الشأن العام، مطالبة واقتراحاً وحتى احتجاجاً، من دون أن يكون لها صلاحية التصرف، أو حق الأمر والتشريع، أو حتى نقض أي فعل يصدر عن السلطة السيدة.

محاولة الإسلاميين إعادة الدين إلى دائرة المجال السياسي العام، يعني إعادة تعريف للدولة والسلطة، علي أساس ديني صرف. أي قلب المعروف والسائد، والانقلاب على الأحكام السلطانية والآداب السلطانية،  وتقديم فهم جديد للنص الديني نفسه بإعادة زجه داخل المجال العام، واستعادة مرجعيته في السياسية والدولة والسلطة. أي كسر التقليد القديم في الفصل العملي بين المجال الديني والمجال السياسي، والتأسيس لإعادة الدمج بينهما، بإخضاع المجال السياسي لإملاءات من خارجه

وقد تصدت المؤسسات الدينية التقليدية للرد على منطق الحركات الأصولية التي أخذت تسوغ إقامة الحدود وفي مقدمها القتل. فكانت الردود تتوزع على منطقين: أولهما منطق الكفاية في تطبيق الحكم، اي القول بأن إقامة الحدود منحصرة بولي الأمر أو الحاكم الشرعي. ثانيهما محور فهم النص، بإبراز النصوص الدينية الدالة على السلم والتسامح والعيش بسلام، وتأكيد تفوق وسيادة هذه النصوص على النصوص الدينية الأخرى الدالة على العنف، أي التركيز على خطأ الأصوليين في فهم النص.

المنطقان المذكوران يقومان على فكرة واحدة هي فكرة عدم الكفاية والأهلية: إما في تطبيق الحكم الشرعي أو في فهمه. وهي فكرة تزيدنا بعداً عن فهم حقيقة المشكلة، لأن أساسها يعود إلى الصراع على السيادة الدينية العليا، أي صراع الأطراف على أهلية تطبيق الأحكام وكفاية فهم النص الديني، ما يضعنا أمام سجال مشروعية خاصة مقابل مشروعية آخرى، وفهم خاص مقابل فهم آخر، وسلطة مقابل سلطة جزئية أخرى. إنه منطق يعكس صراع القوى والمواقع والتيارات المتضاربة داخل المجال الإسلامي، حيث تميل كل جهة إلى تغليب منطقها الخاص وتلبيسه لبوس العام والشامل والضروري، رغم أن مضمون هذا المنطق جزئي ومؤقت وعرضي أحيانا.  ما يجعل سلوك الغلبة لا يقتصر على صراع القوى على السلطة، وتنافس المذاهب على السيادة الدينية، بل هو سلوك حاضر في بنية التفكير نفسه، الذي لا يؤسس عموم فكرة جزئية ما على ضرورتها العقلية أو انسجامها من كونية الحقائق، بل على أساس استبعاد باقي الأفكار وتغليبها عليها.  وهو سلوك كان العقبة الاساس أمام تولد الفكر الفلسفي في المجال الإسلامي، الذي ينزع إلى تفحص صلاحية الفكرة وفق مداها الداخلي ومنطقها الذاتي وامتدادها الكلي، لا وفق سلطة خارجية عنها، من قوة قهر أو فرض معتقد ديني خاص.

مقاربتي الكفاية والأهلية في مواجهة العنف الديني قد تحلان معضلة جزئية أو آنية، لكنها لا تحلان أصل المشكلة. أي قد يساعدنا نزع الأهلية والكفاية عن الجماعات الدينية التي تمارس العنف بشكل عشوائي ومكثف، لكن ذلك لا يفسر لنا سبب عودة الرهانات العنفية للنص الديني، والسر وراء اكتسابها جاذبية تعبئة وتجنيد عالية لدى شريحة كبيرة من الناس. ولا يساعدنا أيضاً على حل جذور المشكلة التي تحفر عميقاً في بنى التفكير والوعي الديني، وتمارس فعالية كاملة في النظم الثقافية، ومشروعية تامة داخل المؤسسات الدينية، وتأثيراً لا حد له في الوسط الاجتماعي.

إستعانة القوى العنفية بالنص الديني لتسويغ وشرعنة جرائمها من جهة، واتهام البعض الآخر النص الديني بأنه مولد للعنف ومحرض عليه من جهة أخرى، جعل قضية فهم النص الديني مسألة أيديولوجية، لا قضية علمية أو معرفية. فالطرفان رغم تناقض موقفهما يتسالمان معاً على أن معاني النص الديني كامنة فيه، وأن المتلقين للنص والقارئين، أفراداً وجماعات، وبحكم مصدره الغيبي، لا يملكون إلا تلقي معانيه والإنصات إلى مفاهيمه بإجلال وتبجيل.

الدين بحسب الطرفين، ليس حقل تفاعل مبتادل بين القارئ والنص الديني، بل هو نظام علاقة غير متكافئة بين النص الديني من جهة، الذي يمثل اللامحدود الكامل من جميع الجهات، وصاحب الحق الحصري في الأمر والإملاء، والمتلقي من جهة أخرى، الذي هو كائن محاصر بالمحدودية من كل الجهات، ولا يملك إلا التلقي والأخذ والانصياع والإنصات التام من جهة أخرى. فالوحي المُوثَّق بالنص الديني، لا يضع نفسه في تصرفنا، ولا يترك لنا الخيار في أن نقبله أو نرفضه، بحكم أن المطلق والكامل الممثل بالوحي رديف الحتم والواجب، والمحدود الممثل بالمتلقي رديف النقص والخواء. والعلاقة القويمة لا تكون إلا بإملاء الأعلى الذي هو النص الديني على الأدنى الذي هو إدركنا ووعينا المحدود.

هذا الأمر يدفعنا إلى ضرورة النظر في عملية تلقي النص الديني، وكيفية توليد النص الديني لمعان محددة دون معانٍ أخرى. فهو وعلى الرغم من مرجعيته الآمرة، إلا أنه لا ينطق لوحده، وهنالك فعاليات أخرى حاضرة في عملية توليد الدلالة وإنتاج المعنى.كما أن متلقي النص ليس كائناً سلبياً يتلقى المعاني بصمت وحياد تامين، وليس مجرد صفحة بيضاء يخط عليها النص الديني ما يحمله من معان.كما أن النص الديني، بعد ذهاب الرسول المبلغ أو المؤسس الأول، لا يملك لوحده حرية الإدلاء بما يريد قوله، أو إملاء ما يريد تعميمه أو إعلانه، بل هو بحاجة إلى جهة خارجية تخرج هذا المعنى منه، وترسم وجهة دلالة الآية أو السورة أو مقصد القرآن الكلي فيه.

بل يمكن القول أن المعاني التي يستنبطها القارئ من النص الديني لا تنوجد إلا في نهاية عملية القارئ وليس قبلها. لأن هذه المعاني هي ثمرة التلاقي والتفاعل بين النص الديني والمتلقي، والمعاني التي ننسبها للنص أو ندعي أننا اكتشفناها في النص، وأخرجناها من خفائها، أو رفعنا الموانع الخارجية التي تحول دون بوح النص بها، لم تكن موجودة أصلاً قبل عملية القراءة والفهم[1]، إذ إن وجودها بعدي، وتحققها تحقق مستجد ومُحدث، يبدأ بالظهور التدريجي والجدلي مع بداية كل عملية احتكاك بشري بالنص الديني، ويتخذ صياغته النهائية ومضمونه الأخير حين تنتهي تلك العملية.  فهنالك حدوث وتحقق لمعنى خاص إثر كل عملية احتكاك بالنص، وهو حدوث لا ينتهي ولا يتوقف ولا يتكرر، طالما أن التواصل البشري مع النص الديني مستمر لا ينتهي ولا يتوقف. فمع كل عملية فهم جديدة هنالك معنى جديد، ومع كل قراءة جديدة هنال أفق دلالي جديد. نعم قد يحمل القارئ، عندما يقبل إلى النص، مقترح معنى في ذهنه من ضمن جملة مقترحات، لا تتخذ فعلية أو أرجحية إلا بعد اكتمال عملية القراءة والبحث داخل النص.

قد يقال بأن تكرر المعنى نفسه في أكثر من عملية تفسير وعبر أكثر من مفسر،  دليل على أن معنى النص الديني هو ملك لهذا النص وكامن فيه، ومن لوازمه الذاتية التي تدور معه وجوداً وعدماً، مهما تعددت القراءات وتعاقب القراء. فالفهم والقراءة وظيفتهما الكشف عن هذا المعنى وإخراجه من خفائه.

نقول، إن تكرار المعنى لا يفرضه النص نفسه، بل تفرضه البيئة الاجتماعية التي تعتمد دلالة خاصة للنص الديني، وتعمد إلى تعميمه وترسيخه عبر مؤسساتها التربوية، وأساليب الترغيب والترهيب، وتقنيات المراقبة والعقاب لديها. فقراءة النص عموماً هي قراءة جماعية، وممارسة اجتماعية، حتى لو كان القارئ الذي يقرأ النص يمارس القراءة لوحده داخل غرفة مغلقة. فوحدة المعاني والدلالة التي نجدها في النص ليست نابعة من النص نفسه، بل نابعة من أسباب وشروط إجتماعية فُرِضَت على النص والقارئ معاً، تسببت بحصول تطابق في عملة التلقي، ووحدة في مسار استنتاج المعنى.

لذلك فإن المعنى الذي يتكرر باستمرار حول دلالة آية معينة داخل مذهب خاص، نجده لا يتكرر داخل فضاء مذهبي آخر، والمعنى الذي يراه أتباع دين لنصهم الديني الخاص لا يتولد لدى أشخاص آخرين لا ينتمون إلى هذا الدين، والأحاسيس والاختلاجات الروحية التي يولدها هذا النص الخاص لدى الجماعة الخاصة نجد أشخاصاً آخرين من خارج هذه الجماعة يتلقونه ببرودة عقلية ولا مبالاة شعورية. كل ذلك يؤكد أن النص لا يملي معناه الخاص، لأن هذا المعنى ببساطة غير موجود وجوداً خفياً وكامناً قبل عملية القراءة، بل يتشكل تدريجياً أثناء عملية القراءة، وتكتمل حقيقته التصورية مع نهاية فعل التلقي واكتمال عملية الفهم، والتي يسهم فيها النص والقارئ معاً وفق شروط تلق خاصة.  فلا ينتجه كل من النص والقارئ بشكل مستقل عن الآخر، ولا يمليه أي طرف على الآخر بنحو الإرغام، بل هو ثمرة مسار من الإملاء والإملاء المضاد لكل من الطرفين ضد الآخر، المقاومة والمقاومة المضادة بينهما، إلى أن تستقر المواجهة على تسوية معنى معينة أو توازن واستقرار بين قوة الدفع والجذب التي يمارسها كل طرف على الآخر.

كلامنا بأن معنى النص نتاج كل عملية احتكاك شخصية أو جماعية للنص، لا يستلزم القول بأن النص معرض للإدلاء بمعان متناقضة ومتضاربة أو معانٍ عشوائية، بحكم قابلية النص لكل معنى. فالنص ليس مسؤولا عن أي تناقض أو تعارض يحصل، بل هو أثر من آثار التنوع البشري والتباين المحتمل والممكن بين المتلقين للنص، الناتج عن اختلاف بيئتهم وانتماءاتهم وميولهم الشخصية، إلى ما هنالك من المتغيرات التي لا يمكن حصرها بين الأشخاص والجماعات.كما أن عشوائية المعنى تكون محتملة أيضاً إذا كانت ضوابط فهم النص وقواعد التفكير عشوائية. أي إن العشوائية ليست من توابع النص، بل من توابع عملية التلقي نفسها، إذا كانت محكومة لمزاج عشوائي متقلب، فردي أو جماعي، لا تحكمه قاعدة أو آلية منضبطة.

هذا يعني أن وحدة المعنى أو تكراره في عمليات القراءة، مثلها مثل تعارض المعاني المستنبطة لنص واحد، نابعة من شروط خارج النص، تفرض وجهة للدلالة وميل عام إلى معنى خاص وفق شروط معينة، وتفرض بالمقابل وجهة دلالة وميل إلى معنى خاص آخر أيضاً وفق شروط مختلفة ومغايرة.

كلامنا لا يهدف إلى زعزعة إيمان أحد بقداسة النص الديني أو مكانته المعنوية والروحية لدى المؤمنين. فلا وحدة المعنى أساس الإستلهام الروحي والوجداني للنص، ولا تباينات المعنى فيه سبباً لاختلال منزلة النص ومكانته، بحكم أنها ناتجة، أي وحدة المعنى أو تبايناته، من الشروط التي تُفرض على النص من خارجه. هدفنا هنا هو توصيف عملية موضوعية تحصل أثناء عملية تلقي النص وتفسيره وفهمه وتأويله.

إنها محاولة لمعرفة ما يحصل أثناء عملية تلقي وفهم النص، والكشف عن النشاطات الذهنية والتشكلات الدلالية التي تتبلور وتتولد في رحلة توليد المفهوم الديني. وهو مفهوم اعتقد المفسر التقليدي أنه يكشف عنه ويرفع حجب إشعاعاته، لسبب بسيط، وهو أنه لم يكن ملتفتاً إلى ما يحصل أثناء عملية قراءة النص، وعدم إدراكه للفاعليات الحاضرة أثناء فعل القراءة، الأمر الذي غيب بالكامل تمييزه الدقيق والواضح بين ما يصدر عن النص، وما ينتج عن عملية القراءة أو الفهم نفسها، معتقداً أنهما أمراً واحداً. فالانتقال من الوثيقة القرآنية المدونة إلى الصورة الذهنية أو المفهوم العقلي، أو الحكم الواجب أو المستحب الذي يتولد في أذهاننا، لا يحصل بشكل آلي وعفوي، بل يمر عبر عملية معقدة، وبحضور فاعليات متعددة، وشروط إنسانية، تجعل هذا الإنتقال ممكناً.

  1. شروط إمكان المعنى السياسي في النص الديني

كلامنا لا يعني أن النص فاقد لأية فاعلية، أو قوة حضور أثناء تلقي النص، بل تعني أن  النص لا يمارس فاعليته في الهواء الطلق، وبمعزل عن أية شروط خارجية.  ما نهدف إليه هو التعرف إلى الشروط التي تجعل المعنى القرآني ممكناً، وليس البحث في الشروط التي تجعل القراءة ممكنة. والفرق بينهما:

أن البحث في شروط إمكان القراءة هو النظر في الشروط والقواعد التي تسبق عملية القراءة، أي الضوابط والقواعد التي تحدد وتشرط القراءة، وتجعلها منتجة أو منضبطة، ويكون بالإمكان تميز الصحيح منها والفاسد، أو المستقيم من المنحرف،  أو الممدوح من المذموم.

أما شروط إمكان المعنى فهو النظر في عملية القراءة نفسها وتفحص حركتها وديناميتها أثناء نشاطها. أي ماذا يحصل إثناء عملية القراءة، وكيف تحصل هذه العملية وما هي الفاعليات الحاضرة أثناء عملية القراءة هذه؟ وما الذي يجعل النص يأخذ وجهة دلالية معينة وفق شروط قراءة معينة، ويتخذ وجهة أخرى في ظل ظروف أخرى؟ ولماذا تصبح فكرة العنف فجأة لازمة من لوازم النص الديني، مثلما يتم الترويج له وتسويغ ممارسته على أكثر من صعيد عام؟ بل لماذا يمتنع النص عن الإدلاء بمعان معينة، مثل التسامح والسلام ومشاركة الآخر مثلاً، رغم أن قوة احتمال هذه المعاني في النص عالية جداً؟

طبعاً لن نستعرض كامل عملية القراءة، ولن نجيب عن التساؤلات التي طرحناها أعلاه، لأننا عالجناها بكثير من التفصيل في بحث سابق[2]. فغرضنا هنا الكشف عن فاعلية أساسية حاضرة في عملية قراءة النص، وتفرض نفسها أثناء توليد المعاني والمواقف والمفاهيم السياسية من النص الديني، ويزعم البعض أن النص يمليها علينا ويدعونا إلى تمثلها وتطبيقها حرفياً في المجتمع. وهي معان بطبيعة الحال تتصل بالمجال العام، وتحمل دلالات كلية وشاملة، لأنها تخاطب عموم الناس لا خصوصهم، وتعمد إلى تأطير حياتهم وسلوكهم وعلاقاتهم ونظم الأمر بينهم. أي ومثلما هي معان تطال أساس الوجود الإنساني، فإنها معان تعكس روحية النص ومقصده الأسمى من الإنسان.

هذه الوجهة ستساعدنا على تشخيص مشكلة العنف في النص الديني، والسر الذي يجعل الدلالات العنفية للنص تغلب الدلالات المحتملة الأخرى داخله، فلا تعود الحشود وبعض النخب ترى إلاّ هذه الدلالة، وتصبح في سياق سجالي مطابقة لمراد الله، وتأخذ ممارستها شكلاً طهرياً صوفياً تعبدياً لدى الكثيرين.

طبعاً سيبقى بحثنا منصباً على دراسة الممارسة الجمعية أو المجتمعية لفعل القراءة. إذ على الرغم من أن قراءة النص الديني هو فعل فردي، يقوم به شخص معين في لحظة زمنية ومكانية معينة، إلا أنه يمارس هذه القراءة بصفته فرداً من أفراد المجتمع، أو عضواً داخل جماعة خاصة ذات تفضيلات خاصة.  بل إن هذا الفرد يمارس القراءة، في أكثر الحالات، بإسم هذه الجماعة وعنها ولها وعبرها، لا بصفته الشخصية المستقلة المنفصلة.

هذا الأمر نجده جلياً في القراءة السياسية أو الأيديولوجية وحتى العقائدية، التي لا تهدف إلى بناء وعي فردي أو فهم خاص، بل تأتي في سياق بناء وعي وفهم جمعيين، أو في سياق الدفاع عن وعي وفهم جمعيين حاصلين.  هذا الأمر، أي النظر في الممارسة الجمعية لفعل القراءة، وإن كانت متحققة في الخارج الموضوعي عبر فرد أو شخص معين، يجنبنا من جهة البحث في القراءة الناتجة عن تفاعلات سيكولوجية خاصة بالقارئ، أو اهتمامات ذاتية به أو مشخصنة، ويوجه البحث باتجاه النظر في الرهانات التي تحكم المجتمع بأسره أو شريحة معتبرة داخل هذا المجتمع، تجعل النص الديني يتخذ وجهة دلالية معينة للمجتمع بأسره وليس لفرد بعينه، وتجعل النص يفيض بخيارات كلية للمجتمع ذات طبيعة سياسية وأخلاقية معينة، وتجعل خيارات أخرى ممتنعة عليه، رغم أن احتمالاتها داخل النص، وفق الدلالة اللغوية أو التحليل الرياضي- العقلي عالية، إلا أن ترتيباً خارجياً سد منافذ هذا الخيار وألقاه في غياهب اللامفكر فيه.

نحن إذاً في منطقة العلاقة الجدلية بين النص الديني والمجال العام، ووجهة البحث هي في شروط إمكان المعنى السياسي في النص الديني، أو شروط إمكان المعنى الديني في السياسة. أي ما هي الفاعليات الحاضرة (من نص ونوعية قارئ وشروط تلق هي بمثابة الفضاء الذي تحصل بداخله عملية القراءة) أثناء عملية إنتاج المعنى السياسي أو المعنى الكلي الذي يطال كلية الوجود الإنساني.

للكشف عن اللوحة الخلفية التي تحكم عملية إنتاج المعنى السياسي، أو لنقل المعنى العمومي (Public) من داخل النص الديني، لا بد لنا من تمييز نمطين تاريخيين لحضور النص الديني، أحدهما النص زمن التأسيس، والنص زمن التمأسس، وسنركز في البحث على النص القرآني، نتيجة الدور المحوري والمرجعي الذي احتفظ به القرآن الكريم في بناء الوعي وتوليد الوعي الديني المتصل بالسياسة والشأن العام.

  1. القرآن زمن التأسيس

هنالك نمطان تاريخيان لحضور النص الديني: أولهما حضوره زمن التأسيس، والثاني حضوره بعد التأسيس. وهما نمطان يمكن تمييزهما باختصار: أن النص في النمط الأول ينطق بنفسه ويملك قدرة تفسير نفسه ودفع الشبهات عنه، في حين أن النص في النمط الثاني في حالة صمت مطبق، وفاقد لقدرته الذاتية على الإدلاء بما يريد قوله، وعرضة دائمة لسوء الاستعمال.

في الزمن الأول، أي زمن التأسيس، يكون النص مستقلاً عن الشرط الخارجي في الإدلاء بقوله، ويملك قدرة ذاتية على الإملاء بما يريد من دون الاستعانة بجهة خارجية،  بل يعمد قول الوحي في فترة التأسيس إلى خلق الشرط الخارجي وتعديله وتغييره والتحكم به.

في زمن التأسيس الأول للدين، أو ما يمكن تسميته بالتجربة النبوية، لا يمكن الفصل بين المؤسس الأول، الذي هو النبي محمد (ص) في حالة الإسلام، وبين القول الديني. فهما واحد بالوجود والتبليغ والتعبير والمسار. بل يمكن القول أن التجربة النبوية هي النص الديني نفسه وليس شيئاً آخر. فالنص الديني زمن النبي هو التجربة النبوية نفسها، التي تعبر عن نفسها عبر النبي في سلوكه وفعله وإقراراته، ثم تتحول هذه التجربة بعد رحيل النبي المؤسس إلى نص مدون، يضع نفسه بين الناس ليقرؤوه ويفسروه ويؤولوه.

قد يرى البعض أن هنالك ثنائية صارمة تتمثل في النبي والقرآن. فالقرآن كلام مُنزل على النبي، ولا يملك النبي إلا تبليغه والعمل بمقتضاه، من دون أن يكون له حرية أو صلاحية التصرف في حقائقه ومعانيه وفق الآية القرآنية: "ليس لك من الأمر شيء"، وهو أمر يخلق ثنائية لا يمكن جسرها بين نص الوحي المنزل من الله والنبي الذي تنحصر مهمته بتبليغ ما أنزل إليه من ربه. وفي الآية القرآنية: "يا أيها النبي بلغ ما أنزل إليك من ربك، فإن لم تفعل فما بلغت رسالتك" دلالة قوية على الهامش الضيق للنبي في التصرف، وعلى التشدد القرآني بضرورة تقيد النبي با أنزل إليه من ربه.

 



[1] نعم قد تكون هذه المعاني محتملة وممكنة من ضمن جملة معانٍ أخرى محتملة وممكنة  ولا متناهية،  خاصة وأن هذه المعاني هي من طبيعة تركيبية، أي ناتجة عن تركيب وضم جملة عبارات وجمل بعضها إلى بعض، وليس مجرد قراءة متسلسة للنص تبعاً للتسلسل  والتتابع الراهن للنص الديني.  ولما كان التركيب بين الآيات لا متناهٍ فإن المعاني المحتملة الناتجة من هذا التركيب لا متناهية ايضاً.  هذا يعني أن المعنى لا يولد إلا إثر عملية التركيب الإرادي والحر الذي يمارسه القارئ والمفسر. إذا كانت الدلالة اللفظية للنص الديني هي أوجه الإكراه الذي يمارسه النص على القارئ، فإن التركيب الحر بين الآيات الذي يمارسه القارئ على النص هو مجال الحرية الإنسانية في تلقي النص وتأويله.

[2]  راجع كتاب: النص الديني في الإسلام: من التفسير إلى التلقي. دار الفارابي، 2010.