الرئيسية » اكتشف روسيا! » النكبة ليست ماضياً -الثقافة الفلسطينية إلى أين؟ – إلياس خوري / الجزء الثاني
lnkb_lyst_mdyan.jpg

النكبة ليست ماضياً -الثقافة الفلسطينية إلى أين؟ – إلياس خوري / الجزء الثاني

لأنه أجل الوعي الفلسطيني بحقيقة واقعه المهدد بالامّحاء من جهة، وساهم في دفع الوعي العربي إلى اجتراح ردود سريعة على النكبة أنعشت الفكر الانقلابي الذي كانت بذوره كامنة في الوعي القومي العربي من جهة ثانية"، لذلك "لم تكن نهضة الأدب الفلسطيني الحديث بعد الهزيمة الحزيرانية مجرد مصادفة، فهذا الأدب نما في ظل بدايات وعي فلسطيني بأن محو الذات لم يكن مشروعاً إسرائيلياً فقط، بل كان أيضاً جزءاً من تواطؤ الأنظمة العربية مع المحتل، و/أو محاولة لتفادي المشكلة عبر تأجيلها، وتهميش ضحاياها".

وأضاف في ذات الإطار: الواقع أن التزامن بين البداية الأدبية الفلسطينية الجديدة، وبداية التمرد الأدبي العربي على الأشكال والأيديولوجيا القومية المسيطرة كان متزامناً، فبين رواية غسان كنفاني "رجال في الشمس"، والحساسية الجديدة التي عبرت عن نفسها في مجلة "غاليري 68"، ورواية صنع الله إبراهيم "تلك الرائحة"، أكثر من علاقة المصادفة الزمنية .. هناك بداية بحث جديد سوف تنفجر في الشعر والرواية مشكلة مرحلة أدبية جديدة في فلسطين والمشرق العربي.

 

مقاومة النكبة المستمرة

وشدد خوري على أن مقاومة النكبة المستمرة بدأت عبر استعادة الاسم الفلسطيني من راشد حسين إلى محمود درويش، ومن غسان كنفاني إلى سميرة عزام وإيميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا، وهي استعادة مليئة بالأسئلة ومحاولة إعادة إنتاج الذات الفلسطينية كفاعل تاريخي سوف يجد في منظمة التحرير وعاء مظلياً وسياسياً.

وتطرق خوري إلى كتاب "أسرى بلا حراب" الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية لمصطفى كبها ووديع عواودة، حيث يوثقان "شهادة نادرة عن الأسرى الفلسطينيين بعد حرب النكبة .. كتاب مليء بالحكايات المأساوية، وبالكلام الذي لم يقل ولا يقال .. ما استوقفني في هذا الكتاب مسألة الأقفاص، حيث تجمع شهادات الأسرى على أن الاعتقال في عتليت وصرفند والرملة وأم خالد وغيرها اتخذ كل الأقفاص، فكان يوضع الأسرى في أرض مسيجة بالأسلاك الشائكة أطلق عليها الصهاينة اسم "الأقفاص".

وأضاف: اللافت أن مصير الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعد حرب النكبة انقسم إلى ثلاثة أشكال: إعدامات ميدانية، وأقفاص للأسرى، وغيتوهات للآخرين في اللد وحيفا ويافا والرملة، وكانت أقفاصاً كبيرة، لكن مصير أولاد الغيتو في المدن لم يكن يختلف عن مصير أبناء القرى الذين فرض عليهم الحكم العسكري، ومنعوا من مغادرة قراهم إلا بإذن من هذا الحكم .. غيتو يشبه القفص، وقفص ليس تصغيرا للغيتو، وفي الحالين فرضت السخرة على الناس، وأجبروا على نهب بيوتهم أو بيوت أقرانهم، وعاشوا على حافة الغياب.

 

الغيتو المستمر والنكبة الممتدة

وعاد خوري ليتساءل: هل هناك كبير فرق بين أيام الأقفاص والغيتو تلك، وبين تحويل غزة إلى معتقل محاصر اليوم، أو تقطيع أوصال القدس وتذويت أحيائها، أو تحويل الضفة الغربية بأسرها إلى معازل؟، مضيفاً: "لا أريد الدخول في مناقشة سياسية لأثر أوسلو، ونتائج هزيمة الانتفاضة الثانية، لكن من الواضح أن الفلسطينيين في المناطق المحتلة يعيشون اليوم تجربة شبيهة بتلك التي عاشها فلسطينيو الـ48 بعد حرب النكبة: مصادرة للأراضي، وتفلت استيطاني كولونيالي، وتحويل الناس إما إلى أسرى، أو موتى، أو سكان للغيتوهات الجديدة، في ظل سلطة فلسطينية لا سلطة لها".

وشدد بنبرة اعتلت: نحن في النكبة ولم نخرج منها، والحقيقة أن الفعل النكبوي لا يجري فقط في فلسطين، بل يشمل فلسطينيي الشتات المجاور من تل الزعتر إلى شاتيلا وصبرا، وصولاً إلى اليرموك وبقية المخيمات في سورية، لكن الخطير، والذي يستحق تأملاً وتفكيراً، هو أن النكبة امتدت إلى شعوب هذه البلدان أيضاً، وأن ما نشهده اليوم في سورية هو الأكثر تعبيراً عن واقع أن هذه النكبة المستمرة لا تطال الفلسطينيين فقط، وأن الجلاد ليس الصهاينة وحدهم، رغم مسؤوليتهم التأسيسية، بل إن السلطات الاستبدادية العربية كانت منذ البداية شريكاً، بشكل مباشر أو غير مباشر، في الكارثة.

 

كذب اللغة الإسرائيلية

وبالعودة إلى كتاب "أسرى بلا حراب"، يتطرق خوري إلى ما أطلق عليه اسم "المسألة الأخلاقية"، بقوله: على الرغم من المجهود الهائل الذي بذلته الثقافة الإسرائيلية المسيطرة لنفي أحداث النكبة، والترويج لما يطلقون عليه اسم "طهارة السلاح الإسرائيلي"، فإن تسرب كذب هذه اللغة بدأ منذ اللحظة الأولى، وقبل سنوات من أعمال المؤرخين الفلسطينيين وأعمال المؤرخين الإسرائيليين الجدد، وهي اللحظة التي سوف أطلق عليها اسم "خربة خزعة"، بالإشارة إلى رواية يزهار سليمنسكي التي تحمل هذا العنوان، والتي كانت الصوت الأول الذي كسر الصمت، لكن الصمت لم ينكسر فعلاً، فـ "خربة خزعة" بقيت عملاً يتيماً أخضع لتأويلات صهيونية شتى، والحكاية الفلسطينية لم تجد طريقها إلا مع أعمال جيل النكبة من الأدباء الفلسطينيين.

وأضاف: في كتاب "أسرى بلا حراب" نعثر على شهادة موسى عبده إبراهيم، الأسير من الناصرة، التي تقول كل ما لم يقل دفعة واحدة، وتفتح الباب أمام اللغة العارية بما ينقله الأسرى عن جلاديهم ..يقول الأسير في شهادته: "إجمالاً المعاملة كانت قاسية، ولما كنا نشكو التجويع كانوا يقولون إن الألمان عندما اعتقلونا لم يقدموا لنا الطعام" .. الإشارة إلى تقليد الممارسة الألمانية هذه تقودنا إلى تشبيه يزهار لفلسطينيي القرية التي دمّرت وهجّر سكانها باليهود في زمن النفي التوراتي.

 

المبنى الثقافي الإسرائيلي

ولفت خوري إلى أن "المبنى الثقافي الإسرائيلي قام بحجب شبه كامل للتطهير العرقي والممارسات العنصرية خلال النكبة، فحضور الفلسطيني في الرواية كما في السياسة، يطرح علامة استفهام كبرى حول شرعية الدولة العبرية، لذا تغطت الثقافة الإسرائيلية بالاستعارات كي تحجب المعنى، واستعادت أسطورة التضحية بالابن، والصراع بين الأخوين، كي تمحو الجريمة .. وما نشهده اليوم من لغة سياسية عارية، ومن صراع معلن داخل الثقافة بين عري الحقيقة العنصرية والاستعارة الإنسانوية التي يمثلها اليسار الثقافي الصهيوني هو جزء من تحول شامل على المستويات السياسية والفكرية، فالخطاب اليساروي الكولونيالي استنفد، وإسرائيل جزء من عالم تسيطر عليه القيم النيوليبرالية، والمشرق العربي يتدحرج في العتمة والاستبداد، لذا لم يعد هناك ضرورة للغة مغطاة بإنسانوية كاذبة، ولم يعد هناك ما يبرر الاحتلال سوى المرجعية الدينية".

وأكد: اللغة الدينية، رغم كل أغطيتها الأسطورية هي لغة عارية، خصوصاً عندما لا يبقى من الدين سوى مشروعه السلطوي .. لغة تعري اللغة، وتعيدنا إلى الكلام المباشر حيث يصير الطرد والحرق والاغتصاب قاموس القوميين المتدينين الذي يعيدنا إلى ما قبل اللغة.. هذه اللغة ليست جديدة، إذ نجدها في أكثر من مكان، لكنها كانت محجوبة في الهامش الذي يعبر عن الحقيقة.

ودلل خوري على ذلك، بما نشرته د. هنيدة غانم، مديرة مركز مدار (المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية) على صفحتها الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، ويقصد ذلك "المقطع الصغير" من مقال موشيه ديان "الصعود على اللد".

 

الصراع على اللغة

وأشار خوري إلى أنه وفي "حمّى هذا الصراع على اللغة، نكتشف مسألتين: الأولى هي أن عجز الثقافة الإسرائيلية عن الاعتراف بالآخر، واجهه انفتاح فلسطيني مذهل على الآخر، من قصيدة محمود درويش "جندي يحلم بالزنابق البيضاء" وشخصية ريتا في أشعاره، إلى رواية "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني .. أما المسألة الثانية، فهي أن هذا الانفتاح الأخلاقي تم بالتزامن مع تأسيس لغة الهوية الفلسطينية المتعددة، لغة تروي شذرات من النكبة، وتأخذنا إلى رؤية نضالية مستقبلية، وتقرأ التجربة الإنسانية من خلال الحكاية الفلسطينية.

وشدد خوري: الصراع في الثقافة كان في الأساس صراعاً أخلاقياً، أي صراعاً على المعنى الوجودي والأخلاقي، وليس فقط صراعاً على الأرض، ومن الشيّق أن نتوقف قليلاً عند أطروحة المؤرخ الإسرائيلي أمنون كالكسين التي تفترض أن الثقافة اليهودية لإسرائيل تخلت عن إنجازها الأخلاقي لكونها ثقافة منفى، وأن "علينا اليوم كي نقرأ المنفى أن نعود إلى إدوارد سعيد، ومحمود درويش".