الرئيسية » حضاريات » المخيّلة العربية وإشكالية محدودية الفهم والتوظيف – رامي أبو شهاب
المخيّلة العربية وإشكالية محدودية الفهم والتوظيف

المخيّلة العربية وإشكالية محدودية الفهم والتوظيف – رامي أبو شهاب

تستند إلى عدد من الشّروط والمواصفات استجابة إلى بروز العوالم المتجاورة، ولا محدودية الفضاءات، وهكذا بتنا نقف على مفترق من حيث مراجعة تقييم المخيلة العربية لا باعتبارها نتاجاً يتصل بالطابع الجيني أو العرقي كما الثقافي فحسب، كون هذا لا يمكن أن يصدق في عالم لم يعد يستسيغ هذه المقولات أولاً، علاوة على عدم جدواها ثانياً، كما لا بدّ من تقدير منظور للبحث في المعوّقات والحدود التي تحول انطلاق المخيلة العربية المرتهنة للمكون اللغوي نحو عوالم جديدة في الإبداع، فثمة محدودية واضحة الملامح لعدة مستويات تطال العقل العربي الذي يبدو محاصراً بعوامل كامنة تحول دون إطلاق طاقات الخيال مع الاتفاق على أن الإبداع عبارة عن عملية تخيل، غير أننا نبحث عن مدى تطور المخيلة العربية بحدود الإبداع ضمن تشكيل ما يطلق عليه بالإنكليزية Fantasy مع تمييز هذه الكلمة عن كلمة Fiction . فالحاجة الآن إلى نماذج من الإبداع تتجاوز الحاجة إلى العلائق الغرائبية، والعجائبية أو قيم التصوير المستندة إلى متخيلٍ، يتصل بتجاوز المألوف إلى البحث عن قيم الابتكار، واكتناه قيم غير مطروقة في المتخيل الإبداعي؛ ولهذا فنحن بحاجة إلى تحديد بعض العوائق التي تحول دون تحقق إبداع يتجاوز الحدود.

ثمة محدودية تتصل بالبيئة في الذّاكرة العربية القائمة في عالم ضيق، فلا يوجد في الثّقافة العربية المعاصرة توجهات إلى البحث عن مُتخيل جديد للمكان والزّمن، فالذّهنية العربية لا تعترف بعوالم أخرى، أو محاذية، على الرغم من أن التراث العربي كان أسبق إلى تجاوز الحدود من خلال أعمال نحيلها إلى أبي العلاء المعري، وابن شهيد، وابن طفيل، في حين أن المخيلة العربية عالقة ببيئتها المغلقة، أضف إلى ما سبق، أن الخيال العربي لصيق باللغة، وقد سبق أن أشار إلى ذلك الشابي في معرض تحليله لمفهوم الخيال العربي من وجهة نظر شعريّة، حيث ميّز بين الخيال الطبيعي والخيال الصّناعي، ولاسيما في بحثه عن مصادر هذا الخيال؛ ليتوصل إلى أن الثقافة العربية ضعيفة الإنتاج، ولا تنتمي إلى الخيال المتصل بالبحث في هذا الكون، ولما يكمن خلفه، إنه خيال لافلسفي، وهو أقرب إلى التوصيف اللغوي، ولهذا يقيم الشابي موازنات ومقابلات بين الخيال العربي المحدود، وكل من الخيالين اليوناني، أو الأشوري، والأخير كان مصدرا للكثير من الأساطير الكونية، وهنا نحيل إلى أن مفهوم التاريخ بتكوينه القائم على مصطلح الأسطرة الذي وسم بشبهات الأباطيل تبعاً لآراء المفسرين كما يذكر وجيه كوثراني في كتابه «تاريخ التأريخ». ولعل هذه المناقشة تصدق إلى حد كبير، فهي تُبقي اللغة بحدود فهم الخيال بوصفه عالماً متصلاً فقط باللغة، وهنا يكمن أحد أهم إشكاليات العقل العربي، أو المخيلة العالقة في اللغة، إذ لا ينظر إلى العالم إلا بواسطة اللغة باعتبارها تكريساً لأشكال بلاغية للدلالة على فاعلية الخيال، وهنا لا يوجد أي تقدم نحو تفسير اللغة بتكوينها الأعمق، أو باعتبارها قيمة تداولية تواصلية خطابية عابرة للأشكال والتوصيفات والحدود، كما يجب رفض المنظور التاريخي للغة، ومحاولة تثبيتها في تشكيل واحد لا غير، حيث تكاد تقتصر على المنظور التخيلي المتصل بالشّعر، أو أداة بلاغية لحمل الأيديولوجيا، ومع أن هذا التوصيف المقتصر على ناحية حدودية إجرائية تبدو عالقة بتكوين اللغوي للخيال، غير أن ثمة أسئلة أشد إلحاحاً في البحث عن قدرة إيجاد أو ابتكار قيم متخيلة في تمظهرات إبداعية مختلفة.

ففي عالم معاصر ثمة إجماع على أن الحدود غير قائمة، وأن هذا العالم متسع، ويحتاج إلى أذهان تتمكن من اكتناه ما هو واقع إلى ما وراء ذلك، في حين أن الثقافة العربية ممسوسة بالحدود والفصل.

مارست الثورة البلشفية رقابة على الإبداع، ولكنها سرعان ما أدركت هذا الخطأ؛ ولهذا أطلقت قيم التخيل حيث انتشرت الأعمال التي نهضت على قيم الخيال العلمي وغيره، كما نعاين أيضا في نماذج أخرى من لدن جول فيرن، وتولكين ، ورولينغ لتتسع دائرة المتخيل العالمي، وتصل ذروتها في أعمال تمكنت من توظيف المنظور العلمي، وبناء عوالم محاذية للواقع، وهنا نستنتج بأن ثمة أزمة في فهم ودمج المرجعية العلمية بالمتخيل الإبداعي، على الرغم من المحاولات التي ظهرت هنا وهناك في مصر وسوريا، غير أنها لم تتمكن من خلق إبداع أصيل وصلد، وهذا يصدق على قيم المتخيل البصري والتقني في ما يتعلق بهذا الجانب. وهكذا تتبدى الأسئلة الأكثر أهمية حول الشّروط التي تؤدي إلى تفعيل هذا المجال من أجل الابتكار والتخلص من المحاكاة السّلبية نحو ابتناء متخيلات جديدة، يمكن أن تؤدي إلى أفق أكثر رحابة بهدف تجاوز حدود الزمان والمكان. لا شك بأن ثمة ثقافات في العالم غير عالقة في حدودها، بل إنها تنظر إلى العالم بوصفها طبقات من غير المكتشف، وبأن ثمة مسعى إلى جماليات جديدة تنهض على الاكتشاف والمغامرة.

يلاحظ أن أهم مصادر المخيلة الغربية كانت شرقية، وهنا تتبدى المفارقة، فـ«ألف ليلة وليلة» كانت الباعث لاختلاق عوالم أخرى، تتوالد وتتناسخ، وتتجاور، كما أن ثمة قدرة على خلق شخصيات غير معاينة، أو مألوفة، وغير ذلك من المبادئ التي نهض عليها الخيال العلمي في سائر ثقافات العالم. ومع أن التكنولوجيا لعبت دوراً في إدراك نماذج جديدة من الآداب والخيال، سواء أكان العلمي أو ضمن التشكيل السردي أو السينمائي، غير أن هذه المستجدات في الثقافة العربية لم توظف بصورة نموذجية. ولعل تأخر الذهنية العربية عن إنتاج المتخيل بتمظهراته الإبداعية يعود إلى خلل قيمي وأيديولوجي، فالعالم والكون ينتميان إلى مروية منجزة في التوصيفات النصوصية التراثية، فليس ثمة حاجة إلى البحث عما وراء ذلك، كما أن المتخيل العربي محدود الأفق كونه ينتمي إلى حدود البيئة التي تحيط به، ولكن الأهم من ذلك أن العقل العربي يرتهن إلى المعاين والمشاهد، أو المحدد بالتعريف الاصطلاحي والإجرائي، فالخيال لا يمكن أن تحدده إلا عند مشاهدته، فهو يحتاج إلى التجسيد، ومن هنا فإن القدرة على ابتناء عمل إبداعي خيالي لن يكون متحققاً ما لم ينجز بحدود ورؤية جديدة، وهذا يحتم على العقلية العربية تجاوز حدودها المنغلقة نحو رحابة أكثر، وهو ما يحتاج إلى جرأة في اختراق المحرمات والحدود التي تخضع لمتعالية من الموروث الثقافي الرّجعي.

ومن أهم الثيمات التي يخضع لها فعل إنتاج مخيلات الإبداع فكرة تجاوز الزمن، والبحث عن المستقبل والتنقل بين الأزمان، وهذا ما يتسق مع التفكير العربي المقاوم لحدود المستقبل الذي يعني عالم الغيب الواقع في حدود غير مقبول البحث فيها، كما أن الماضي نموذج للمقدر والمنجز والمنتهي، في حين أن هذا المستوى قد اشتغلت عليها المخيلة الغربية حيث تمكنت من إنتاج سلسلة كبيرة من الروايات والأفلام والألعاب الرقمية التي خطفت ألباب البشر، ولاسيما من المراهقين والشّباب في حين أن المخيلة العربية بقيت في خطاب قيمي، ماضوي يفتقد إلى الجاذبية لا يرتقي إلى مستوى مخاطبة القراء، ولا حتى العقول الجديدة التي أنتجها عالم التقنيات الجديد.

إن إمكانية اكتشاف الفضاء، وتجاوز محدودية البيئة أو الكون الذي نعيش فيه، تتسم بقدر من المحدودية في الذّهنية العربية التي كانت في السّابق أكثر جرأة على الاكتشاف والبحث وركوب البحر، كما تجلت في الفتوحات الإسلامية التي ارتهنت إلى الفعل، والحركة واكتشاف عوالم الآخر، في حين أن العقل العربي في هذه الأزمنة يبدو على نزاع مع الآخر، ورفض له، كما أنه ينتمي إلى عالم غير مرغوب فيه، وبأننا مصدر الكون، ومركزه، وما عدا حدودنا لا قيمة له.

وإذا ما تأملنا بعض الشّخصيات التي يعنى بها المتخيل، سواء أكان يخضع لمنطلق العلوم، أو الميتافيزيقي، فسنجد أن ثمة مساحات واسعة لتقبل الكائنات الغريبة، والقدرة على تخيلها، وابتكار بعض منها، ومناقشة التّهديدات التي يمكن أن تنشأ من هذه الشّخصيات على الجنس البشري، ومع أن ثمة نمط من التكوين والشبهات الاستعمارية، غير أن الممارسة القائمة على تحقيق المتعة للذهن البشري لاكتشاف ما هو غير مُعاين وغريب، إذ يبقى جزء من تركيب الشخصية الإنسانية التي تحتاج إلى تلبية هذه الرغبات، ولاسيما لدى العقول الناشئة والجديدة التي لم تعد تستسيغ الخطابات الموجهة والعظات والإرشاد، والبلاغة اللغوية التي فقدت قيمتها باستثناء ما كان منها متميزاً إلى حدود الإدهاش والإغراب، وهنا نضطر إلى مناقشة إشكالية رفض التخلي عن الموروث، والتّمركز حول الطابع الماضوي للثقافة، بل إن قيم التّغير التي أصابت الإبداع العربي اتخذت وقتاً طويلاً كما في الشّعر، ومشروطيّة الوزن والقافية، وغير ذلك مما يشكل نموذجاً لتجاوز الماضوي، بالتّجاور مع الحرص على بقاء نزعات الحنين، والنظرة الطوباوية للماضي، وبذلك فنحن مسكونون بالماضي والمنجز والمفسر والمألوف من منطلق المثل العربي « اللي بتعرفه أحسن من اللي ما بتعرفه»، إذ لا رغبة لدينا في التغير والمغامرة، والبحث عن الدهشة، فلا عجب أن تنشط المستويات والأفكار المتطرفة في أذهان النشء كونها تتيح لهم عالما جديدا من المغامرة، والحيوية، ومغادرة السكونية المقيتة التي تميز الإبداع العربي بكافة أشكاله.

ومن أسباب محدودية الخيال العربي عدم الاطلاع على المبادئ العلمية، وتوظيفها في المتخيل، فالمبدعون يفتقرون للقدرة على البحث في تلك المبادئ العلمية، وتوظيفها في عمل ما، فثمة تصور بأن أدب المغامرات والخيال العلمي والفانتازيا مما يعد في خانة الكتابة غير الرصينة والشعبية، وكأن الإبداع مقصور فقط على الأيديولوجيات والخطابات الرّسولية بقيمها المباشرة، التي بدأ يتجاوزها الزمن من خلال البحث عن أشكال فنية جديدة، تتبدى أكثر إغراء ودهشة للمقاربة.

إن مبدأ الحكي والقص ما زال أحد المبادئ الرئيسة في تكوين المتخيل أو الإبداع، فثمة خلف كل منجز متخيل قصة، ومضمون، وخطاب، ولكن العالم لم يعد ذلك العالم القائم على حكواتي يسرد، وكتاب يُقرأ فحسب، كما أن أذهان البشر لم تعد متجانسة، فثمة عقول لم تعد تتقبل هذا الشّكل من الإبداع، وتحتاج إلى فضاءات جديدة، تتجاوز مفردات الغول والجني بوصفها أقصى مناطق المخيلة العربية، وغير ذلك من أنماط الخيال البسيط والبدائي، ومع أن الكثير من المتخيلات تُبنى في بعض الأحيان على مكوّن المدينة الفاضلة، أو العكس من ذلك، غير أنها تنضح بمبادئ إنسانية كبرى، وتنطوي على الدّوام على أفكار تحفل بمعنى الإنساني، وقيم الحق والعدالة، أي أنه ليس هنالك نموذج فارغ وشكلاني للمتخيل في الثقافات الأخرى كما يعتقد البعض، إنما هنالك حرص على تضمينها قدراً من الأيديولوجيا والمقاصد والرسائل، كما ثمة وعي واحترام لعقل المتلقي، وتهيئته لمعاني التحول، وعدم استساغة الثابت، والنمطي.

 

٭ كاتب فلسطيني أردني

المصدر القدس العربي