الرئيسية » حضاريات » المبادئ القرآنية للحوار بين الأديان- توفيق إبراهيم
taufik.jpg

المبادئ القرآنية للحوار بين الأديان- توفيق إبراهيم

إن الحوار البناء للمسلمين مع أهل الكتاب («الناس/أتباع الكتاب المقدس/الإنجيل») هو من المقتضيات الأساسية في القرآن الكريم. وبالنسبة للهرطقة/الكفار يرشد الله تعالى النبي(r):{ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (16:125).

وخاصة أن المنطلق المتسامح يشمل المسيحيين واليهود: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} (29:46).

كما أن القرآن يظهر بصورة رئيسية ككتاب للحوار. يكفي أن نشير، إلى أن التاريخ البشري يبدأ هنا من حوار الرب مع الملائكة بخصوص خلق الناس، ثم يتبعه حوار الرب مع الشيطان، الذي عصا أمر الرب في أن يسجد لآدم. وقصص الأنبياء في القرآن، كقاعدة، تأتي على شكل حوار لرسل الرب مع الشعوب التي أتوا يعظونها. ومن خلال هذه المناقشات تتحدد القاعدة الإيديولوجية للحوار بين الأديان، وكذلك منهج إدارة هذا الحوار. طورت الوصايا القرآنية لخدمة غرض الحوار في السنة النبوية وفي دراسات بعض علماء الدين المسلمين، الذين وضعوا قواعد الحوار الإسلامي، والتي يمكن أن تمتد إلى الحوار بين الأديان على الصعيد العالمي.

الناس كلهم أسرة واحدة

إن العلاقات مع أتباع الكتاب المقدس، وكذلك مع بقية البشر، ينبغي أن تـُبنى على أساس العقيدة القرآنية التي تنص على وحدة جميع الناس كمخلوقات وعبيد لرب واحد، وكمنحدرين من جد واحد هو آدم، وكمخلوقات خـُلِقت من مادة واحدة هي التراب.

يحذر القرآن المسلمين من تجاهل التزاماتهم تجاه جميع الناس كأقارب منحدرين من آدم وحواء: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءَلون به والأرحامَ} (4:1).

أما في سورة أخرى فيقول تعالى، إن مختلف الدول والقبائل تعود إلى زوج واحد، ولذلك لا مكان للتبجح العنصري، لأنه: {لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (49:13).

متبعاً تعليمات ربه، أوصى الرسول(r) في خطبة الوداع، قائلاً: «أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى» (حديث ابن حنبل).

وفي مرة أخرى بكى النبي (r)وصاح: «ربنا، رب كل شيء، أشهد، بأن جميع عباد الله – أخوة» (حديث أبي داود وابن حنبل).

وقال الرسول(r) لرفاقه: «الإنسان أخو الإنسان، سواء أعجبه ذلك أو لا» (حديث ابن حنبل).

إن الإنسانية التي تميز القرآن والسنة وجدت انعكاساً واضحاً لها في رسالة الخليفة علي لواليه في مصر الأشتر النخعي، يوصيه بإظهار الرأفة والاهتمام بجميع العباد بغض النظر عن انتمائهم الديني، لأن الناس «في جوهرهم صنفان – إما إخوتك بالدين، أو مثلك في الخلق» (نهج البلاغة، رسالة رقم 53). إن الفكرة القرآنية حول أخوة البشر جميعاً ألهمت الشاعر الأندلسي أمية بن أبي الصلت لينشدها شعراً:

إذا كان أصلي من تراب فكلها     بلادي وكل العالمين أقاربي

إن الوحدة الإنسانية تفترض احترام كرامة «أبناء آدم» جميعهم، واحترام الإنسان بحد ذاته، بدون النظر إلى منشئه الاجتماعي، أو لون بشرته، أو جنسه، أو لغته أو دينه. تنص الآية (17.70) على: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً}.

من القصص الرائعة، عندما مرت جنازة  بجانب الرسول الكريم وهو في المدينة – وكان أهل الجنازة يودِّعون يهودياً محلياً إلى مثواه الأخير، فوقف النبي(r) معبراً عن احترامه.

–  ولكن هذا يهودي! – لاحظ أحدهم، ملمحاً إلى العلاقات المتوترة بين مسلمي ويهود المدينة.

–  حسناً، ماذا في ذلك؟ أليس إنساناً؟ – استغرب النبي (حديث البخاري ومسلم).

الضبط الإنساني النبوي القرآني، تجاه بعض المظاهر الأخرى التي سنتطرق إليها لاحقاً، صيغت في الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان، الذي أعلنته منظمة المؤتمر الإسلامي (1990م): «جميع الناس يشكلون أسرة واحدة، توحدها عبادة الله وبنوة آدم، جميعهم متساوون في حقهم في احترام كرامتهم الإنسانية… ولا فضل  لأي منهم على الآخرين، إلا بالتقوى والعمل الصالح».

 

التعددية الدينية قرار  رباني

«رب واحد وبشرية واحدة» هذا هو في الواقع المحتوى الجوهري الضروري للتوحيد القرآني. لكنه من الخطأ، كما يفعل غالباً المتعصبون، أن نفهم هذا التوحيد كتماثل، كلباس موحد نوعي – دين واحد، دولة واحدة، حزب واحد وهكذا دواليك. بل يجب أن ندرك، أنه من وجهة نظر التوحيد الدقيق الرب فقط هو واحد حقاً، وكل ما تبقى متعدد كثير؛ كما أن الرب واحد بالمطلق من ناحية الطبيعة فقط، لأنه متعدد في أسمائه وصفاته.

لذلك فإن وحدة البشرية تفترض حتماً تنوعها، ومن ضمنه التنوع المذهبي الديني. حيث يؤكد القرآن الكريم مراراً، أن التنوع ليس لعنة أو انحرافاً، وإنما هو حكمة ربانية، ويناسب تماماً خطته في تنظيم العالم.

وكما تقول الآية (30:22): {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين}.

وتقول آية أخرى، إن الرب أعلن للملائكة عن نيته في خلق الإنسان، الذي سيكون خليفته على الأرض، فاعترض الملائكة، الآية (30:2): {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نـُسبِّح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون}.

إن الرب العليم الحكيم هو الأعلم بأن الاختلاف والتنوع بين الناس (الفردي، العرقي، المذهبي وغيره) محفوف بالفتن والصراعات والحروب. ولكن وجود هذا التنوع والاختلاف في الحاجات والإمكانيات يجب أن يؤمن التعاون، الضروري للأداء اللائق للإنسان في مهمته .

لقد أنزل الرب على الناس الوحي، ومنحهم الإرادة الحرة والعقل، جاعلاً الحياة الدنيا اختباراً لهم، ليرى إلى أي مدى سينجحون في توظيف هباته توظيفاً صحيحاً، ليعبدوه عبادة صحيحة، وليسعوا إلى الكمال الأخلاقي والتعاون البناء، أم سيحدث العكس. حيث تبين الآية (2:213) بوضوح، أن جميع الناس، في أساسهم يشكلون كلاً عضوياً، وأنهم انقسموا إلى طوائف مختلفة من بعد إرسال الأنبياء إليهم: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات}.

والأكثر من ذلك، فكما يرشد الوحي القرآني، فإن التعددية مرسومة من قبل الرب الآن وإلى الأبد. تقول الآية (11: 118-119): {و لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا مَن رَحِمَ ربُّك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك}.

ووفقاً للتفسير الذي يبدو لنا الأكثر ملاءمة والذي يتمسك به الكثير من المفسرين – بدءاً من الحسن البصري (728) وصولاً إلى معاصرنا يوسف القرضاوي، ـ أن لفظة (لذلك) تنطوي على (الاختلاف): فلكي يكونوا مختلفين في إيمانهم، خلق الرب جميع الناس.

لذلك يحذر الوحي القرآني من محاولات إلغاء الاختلاف، وخاصة من السعي للتوحيد القسري لجميع الناس تحت راية دين واحد. ويُذكِّرُ الرب النبي(r) في آيات كثيرة منها: (10:99) {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تـُكرِهُ الناس حتى يكونوا مؤمنين}. وقد توقفنا بتفصيل عند هذا الضبط التعددي في القرآن الكريم في كتابنا «في الطريق إلى التسامح القرآني» (ن. نوفغورود: المدينة، 2007)، وننصح القارئ المهتم باقتناء هذا الكتاب.

وبالطبع، التنوع للتنوع شقاق. هناك تنوع يعزز فهم الحقيقة، ومن ضمنها ما أوحى به الرب (لنتذكر المثل القائل: «في الجدال تولد الحقيقة»)، ويوجه باتجاه التعاون، وهناك تنوع آخر، يزرع العداوة بين الناس، دافعاً إياهم في بعض الأحيان إلى الصدام المسلح. النمط الأخير هو المقصود في الآيات القرآنية، وهو يحذر من التفرق في الدين. أما إيجابية النمط الأول فهو الاختلاف حسب الجدارة فتم تقييمه من قبل تقاليدنا اللاهوتية الكلاسيكية، من منطلق الحديث الذي يُنسب إلى الرسول الكريم: «حقاً، إن اختلاف أمتي رحمة»[الاختلاف في الرأي]، [علامة من علامات رحمته على هذه الأمة]. ولكن هذا المنهج التعددي المتسامح يطبق في غالبيته ضمن المجال العملي (الفقه)، أي فيما يتعلق بتعددية تفاسير المذاهب اليمينية. وقد آن أوان امتداده إلى المجال اللاهوتي والعقائدي، وليس فقط ضمن حدود أمة النبي، ولكن أيضاً إلى أمة الرب –أي إلى البشرية جمعاء.

ولا داعي للشرح المفصل، حول الآية (14:4) – {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه}– فالحديث يدور ليس فقط حول اللغة بالمعنى الحرفي للكلمة (أي أرسل لليهود رسلاً يتكلمون العبرية، وللعرب رسلاً يتكلمون العربية وهكذا)، لأن ذلك كان سيكون بياناً بالحقيقة الواضحة. في حين أن المرجح هو المعنى الضمني للآية، وهو نقل الوحي الإلهي والحقائق الإلهية في صور عامة يستطيع أن يفهمها عامة الشعب، مع الأخذ بالحسبان الخصائص اللغوية والعِرقية والجغرافية والثقافية والخصائص الأخرى لنفسية وعقلية الشعب. في هذا السياق ينص الحديث: «نحن معاشر الأنبياء أُمِرنا أن نُنزل الناس منازلهم ونكلمهم على قدر عقولهم» (رواه الغزالي في إحياء علوم الدين)، أما علي فقد دعا للتحدث مع الناس بما يستطيعون فهمه كي لا يرفضوا الله ورسوله، وروى حديثه البخاري.

ويبدو أن هذه التعددية في أشكال التعبير عن الحقيقة الربانية قصدها الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: «الأنبياء أخوة لعلات، دينهم واحد، وأمهاتهم شتى». فجميع رسائل الأنبياء موحدة في مبدأ إيمانها (بصورة رئيسية مبدآن –الإيمان برب واحد واليوم الآخر) وفضائل أخلاقية اجتماعية مشتركة (وعلى رأسها –العدالة). في حين تختلف فيما بينها بطرائق التمثيل المجازي الرمزي لديانات عالم الآخرة (الغيب –كيان الرب وسماته، والملائكة والشياطين، والجنة والنار وغيره) وفي وصايا التشريع والعبادة، التي تهدف إلى تربية سلوك صالح وتقي.

يتغير شكل الدين من نبي لنبي ومن عصر لعصر، ويمكن كذلك أن يتغير في إطار رسالة واحدة وعصر واحد. والقرآن نفسه يقدم أمثلة كثيرة بهذا الخصوص.

لنأخذ على سبيل المثال، الشهادة حول التماثيل التي صنعتها الأرواح لسليمان بأمر من الرب (13-34:12){ولسليمانَ الريحَ غدُوُّها شهرٌ ورواحُها شهرٌ وأرسلنا له عينَ القِطرِ ومِنَ الجنِّ من يعملُ بينَ يديهِ بإذنِ ربه ومن يَزِغ منهم عن أمرنا نذقهُ من عذاب السعير. يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابِ وقدورٍ راسياتٍ}، في حين أن نبينا منع هذا النوع من التصوير؛ وكيف أن نبيين(!) – داود وسليمان، «كلاهما وهبهما الله الحكمة لحل الخلافات بين الناس»، فخرجا بقرارين متناقضين فيما يتعلق بحقل الذرة الذي خربته الماشية، (21: 78-79) {وداودَ وسليمانَ إذ يحكمانِ في الحرث إذ نفشت فيه غنم القومِ وكنا لحكمهم شاهدينَ. ففهمناها سليمانَ وكُلاً آتينا حُكماً وعِلماً}؛ أو القصة المذكورة في سورة الكهف حول رحلة موسى إلى الشيخ الصالح (القديس خضر)، التي تخبرنا بمجموعة من الأفعال قام بها الشيخ رآها موسى غير شرعية، ولكنها كانت صحيحة في ضوء معرفة أعمق، تمتع بها الشيخ. ولنتذكر أنه في القرآن الكريم توجد آيات محكمات (واضحة لا لبس فيها) وآيات متشابهات (غامضة لها تفاسير مختلفة) (3:7) {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آياتٌ محكمات هنَّ أُمُّ الكتابِ وأخرُ متشابهاتٌ فأما الذين في قلوبهم زَيْغٌ فيتـَّبِعونَ ما تشابهَ منهُ ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِهِ وما يعلمُ تأويلهُ إلا الله والراسخون في العِلمِ}، وكذلك حديث أبي هريرة حول آنيتي المعرفة اللتين تلقاهما من النبي، في واحدة منهما ما ينشره أبو هريرة بين المسلمين، وفي الثانية يوجد ما إذا صرح به قـُطِعَ عنقه، والحديث رواه البخاري.

في ضوء هذا الفهم للطبيعة التعددية للدين (أي يحضر فيه المطلق الدائم والنسبي المتغير، المجرد والمحدد، الباطني والظاهري وهكذا)، تصبح الكثير من الخلافات التي تبدو حادة بين الأديان والكتب المقدسة أو بين مختلف التفاسير في ضوء دين واحد، فاقدة لأي أهمية. وسيتوقفون، مثلاً، عن لوم الإنجيل المقدس لوصفه الرب «مجسماً» أو لوم القرآن لوصفه الجنة «غارقة في المتعة». علينا ببساطة أن نأخذ بعين الاعتبار عقلية الناس الذين توجه إليهم رسائل الوحي.

كما أن لغة الإنسان كانت دائماً مجسمة، وعاجزة من حيث المبدأ عن النقل الدقيق لحقائق عالم الآخرة. كما يستحيل على الطفل أن يتصور تصوراً كافياً متعة العلاقة الحميمة، وكما يصعب للأبكم والأصم منذ الولادة أن يتصور الفرح من سماع لحن جميل أو رؤية لوحة رائعة، فهذا النوع من المتعة يتم نقله بمصطلحات الاستمتاع بالطعام اللذيذ وشم رائحة عطرة.

فإذا كان من الصعوبة الجمة التعبير بلغة البشر الدنيويين عن الأمور المادية الدنيوية بامتياز، فماذا يمكننا أن نقول عن وصف واقع مختلف بالمطلق، وغير مادي (وحتى غير روحاني)؟ فإذا اتبعنا المنهج الدقيق، فحتى كلمة (الرب) أي (هو) تكون غير مناسبة للمعنى: فصيغتها القاعدية تعكس التصور حول الجنس المذكر ونقيضه الجنس المؤنث، في حين أن الرب لا جنس له!

سنتوقف بالتفصيل عند المقصد الإيجابي للتنوع كحافز للتعاون والتنافس في خدمة الصالح العام.

الإنسان مسؤول عن كفره وخطئه أمام الرب وحده

كما هو متوقع، الرؤية التعددية للتنوع الديني تفترض تعاملاً متسامحاً تجاه جميع الطوائف، رافضة أي عنف في مسائل الإيمان. فالآية (2:256) تشير بدقة مطلقة إلى ذلك {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}. أما الآية (18:29) فتأمر النبي أن يُعلِن للوثنيين المستمرين في الكفر: {وقـُلِ الحَقُّ مِن ربِّكُم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}.

إن هذه المبادئ القرآنية التي تنص على نبذ العنف الديني وحرية الاعتقاد، قد ذكرناها بالتفصيل في كتابنا المذكور، حيث يتم برهنة أن القرآن – يتعارض مع التفاسير المتشددة العائدة إلى القرون الوسطى – يدين الحرب في سبيل نشر الدين، مقدساً فقط الحرب الدفاعية، و – معارضاً من جديد للمتشددين من القرون الوسطى – لا يفرض أي عقوبات في الحياة الدنيا لعدم الإيمان أو الإسلام. سنكتفي هنا ببعض الملاحظات الإضافية.

إن الآيات الكثيرة، التي تدل بوضوح، على أن الإنسان يتحمل مسؤولية كفره أو خروجه عن العقيدة أمام ربه فقط، الذي جعل للناس الحياة الدنيا ساحة للاختبار (دار ابتلاء)، وليس للثواب والعقاب (جزاء) – وهو المبدأ الذي توصل إليه سلسلة من فقهائنا في العصر الكلاسيكي (وخاصة وسط الحنفيين)، مع أنهم لم يوصلوه إلى نهاية منطقية. وخاصة في الآية 117 في السورة 23: {ومن يدعُ مع الله إلهاً آخرَ لا برهانَ له فإنَّما حسابُهُ عند ربهِ}.

وفيما يتعلق بالوثنيين الرافضين اتباع دعوته، تقول السورة 88 للنبي: {فذكِّر إنَّما أنت مُذكِّر. لست عليهم بمسيطر… إنَّ إلينا إيابهم. ثم إنَّ علينا حسابهم}.

لإصدار حكم صحيح على شخص ما، لم يتقبل أي ميثاق من مواثيق الدين، من الضروري أن نحدد، هل وصل إليه هذا الميثاق بالتفسير الصحيح و الكافي، وهل اقتنع بصدقه وحقيقته. لأنه بالنسبة لهؤلاء الناس تطبق القواعد القرآنية: {لا إكراه في الدين}(2:256)، {يريدُ اللهُ بكم اليسر ولا يريدُ بكم العسر}(2:185)،{لا يُكلِّفُ اللهُ نفساً إلا وسعها}(2:286)، {وما جعل عليكم في الدِّينِ من حرجٍ}(22:78). والسؤال: أليس إكراهاً بكل ما في الكلمة من معنى وعبئاً شديداً أن نطالب الإنسان بالإيمان بما لا يتقبله عقله؟! لأن وجود العقل، العاجز عن الاعتراف بعقيدة معينة، يساوي غيابه، ويجب أن نفترض، أن شخصاً كهذا يكون أمام الرب كشخص غير راشد أو شخص مجنون غير مسؤول عن كفره.

إن الكفر الذي يعلنه القرآن خطيئة لا تغتفر، هو بالأحرى الكفر الناتج عن التعنت المتغطرس، والتعصب، والاعتبارات الأنانية، والخوف على الرفاهية الشخصية وأمور مماثلة. فقد قال الرسول: «إنَّ الله لا يُعذبُ من عباده إلا المارد المتمرد»(ذكره ابن ماجه).

إن هذا النوع بالتحديد من الكفر الذي لا يُغتفر هو الأكثر ذكراً في القرآن. وخاصة حول رفض الفرعون الاعتراف بالعلامات الربانية، التي قدمها له وللموجودين النبي موسى، والآية (27:14) تقول: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسُهم ظـُلماً وعـُلُواً}.

وقد لاحظ موسى مخاطباً فرعون بخصوص هذه العلامات: {قالَ لقد علمتَ ما أنزل هؤلاءِ إلا ربُّ السمواتِ والأرضِ}(17:102).

كذلك ذكر القرآن يهود الجزيرة، الذين أصروا على عدم الاعتراف بالعلامات الربانية لرسالة محمد، فيقول القرآن: {الذينَ آتيناهم الكتابَ يعرفونهُ كما يعرفونَ أبناءهم وإنَّ فريقاً منهم ليكتمونَ الحقَّ وهمْ يعلمون}(2:146).

وهناك سلسلة من الآيات مثل (2:90، 105،109، 4:54) تفسر سبب رفض يهود الجزيرة الإيمان بمحمد بسبب حسدهم الذي شعروا به تجاه العرب الوثنيين، الذين خرج منهم النبي الذي طالما انتظره اليهود أنفسهم ليخرج من بينهم.

بالاستناد جزئياً إلى الآيات القرآنية التالية: (2:286) {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}، (33:5) {ليس عليكم جُناحٌ فيما أخطأتم بهِ ولكن ما تعمّدت قلوبكم}، ومن السُّنة (وخاصة حديث البخاري ومسلم: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»، قدَّم علماء الدين في العصر الكلاسيكي الموقف: «المجتهد معذور». لكن هذا الموقف المتسامح كان يتعلق عادة بمسائل أصول الدين العملي – الفقه أو الأوضاع الثانوية في العقيدة (الفروع). وكان من علماء أصول الدين من تسامح وتساهل مع كل مجتهد، مهما كانت المسائل التي ناقشها – العملية أو النظرية، الخاصة أو الأساسية. علماً أن علماء الدين المذكورين تحدثوا غالباً عن المسلمين المؤمنين.

أعتقد أن هذا التسامح يجب أن يكون شاملاً، ليضم كل من سعى حقاً للوصول إلى الحقيقة ومستعد لتقبلها، في حال كُشِفت له.

 

التنافس والتعاون في سبيل الصالح العام

وفقاً للقرآن الكريم، كانت الغاية من تنوع الناس في مجموعات عِرقية وأديان،هي تعزيز التضامن الإنساني، والانسجام والإثراء المتبادل:

(13:49){يا أيها الناس إنـَّا خلقناكم من ذَكَرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارَفوا}.

(2:5){وتعاوَنوا على البِرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثمِ والعُدوان}.

إن التعددية الدينية والطائفية يجب ألا تكون مصدراً للخلافات، بل إن تكون منبعاً للتنافس في خدمة الصالح العام:

(5:48){لِكـُلٍ جعلنا منكم شِرعَةً ومنهاجاً ولو شاء اللهُ لجعلكم أمَّةً واحدةً ولكن ليبلوكم في ما آتاكـُم فاستبـِقوا الخيراتِ إلى اللهِ مرجـِعُكـُم جميعاً فيُنبِئـُكـُم بما كنتم فيهِ تختلِفون}.

(2:148){ولكلٍ وِجهةٌ هو مُوَلـِّيها فاستـَبـِقوا الخيراتِ أينَ ما تكونوا}.

(83:26){وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}.

يتخلل الوحي القرآني فكرة المبدأين الرئيسيين في الإسلام – الإيمان بالله وحده وفعل الخير والإحسان تجاه مخلوقاته. وخاصة في الآية (4:36){واعبُدوا اللهَ ولا تـُشرِكوا به شيئاً وبالوالدينِ إحساناً وبذي القـُربى واليتامى والمساكينِ والجارِ ذي القـُربى والجارِ الجُنـُبِ والصاحِبِ بالجنبِ وابنِ السبيلِ وما ملكت أيمانـُكـُم}.

وكما يكتبون في التعليق على الآيات في الطبري(923) والقرطبي (1272)، يُقصدُ بالجيران ذي القربى المسلمون وبالجيران الجُنـُب البقية، والبقية لا تنحصر في المسيحيين واليهود، بل تتعداهم إلى الوثنيين.

إن محبة الناس، والإحسان إليهم ليس فقط موقف من مواقف محبة الرب – وعبادة الله وحده لا شريك له – بل هو من أولى التعابير عن محبة الرب. فخدمة الخالق تعني خدمة مخلوقاته، وجلب المنفعة لهم. وهذه الوصية الأساسية في الإسلام صاغها النبي في حديثه الشهير، الوارد في المقالة الأولى للإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان: «الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله». والرواية الثانية للحديث تقول: «خير الناس أنفعهم للناس».

ومع ذلك، وكما أشرنا سابقاً، إن الحوار والتعاون مع ممثلي الطوائف الأخرى في سبيل خدمة الصالح العام يبقى قليل الفعالية ومعيباً، في حال قامت جهة من الجهات بالمطالبة باحتكار جانب الحقيقة، معتبرة دينها فقط هو الصحيح، والوحيد الذي يضمن النجاة (أي التواجد المستقبلي في الجنة). بمثل هذا التفرد يستحيل فعلياً قيام التعاون المثمر، كما ويتلاشى الاحترام تجاه الآخرين، والتعايش الطبيعي معهم، والمواطنة المشتركة. فمن المستبعد أن يقوم رجل الإطفاء بالمخاطرة بحياته في سبيل إنقاذ أسرة في بيت يحترق، إذا كان دينه يدينهم بلعنة الرب لهم (كأتباع لدين آخر)، ويحكم عليهم بالعذاب الأبدي في الجحيم.

وبالتالي، فإن التعددية والتسامح الواقعيين من الضروري أن يُتمَّما بالتعددية والتسامح المعرفيين المُخَلِّصَين. هكذا يكون بنظرنا الأساس اللاهوتي المتين للحوار الأمثل. ويجب أن نعترف، بأن الطرق التي يتبعها أهل التقوى من أتباع الأديان الأخرى – ربما تكون طويلة ومعقدة وصعبة بالمقارنة مع ديننا – ولكنها توصل في النهاية إلى الرب والجنة. وكما لاحظنا، يذكر القرآن وضعين كحد أدنى لهذا الطريق – وهما الإيمان بالرب وفعل الخير. كما أن الرب الرؤوف، الذي يحب مخلوقاته أكثر مما تحب الأم أبناءها، سيلقي بظلال رحمته على الجميع في نهاية المطاف، حتى ولو بعد تطهير طويل بنيران جهنم.

إن المبادئ المذكورة آنفاً تشكل قاعدة لاهوتية للحوار بين الأديان. وفيما يتعلق بالجانب المنهجي والتقني للحوار، فإن التراكيب القرآنية الرئيسية هنا هي التالية.

التأكيد على المشترك

كما يقول المثل، حضر شاب إلى أحد الفلاسفة، راغباً في تعلم الحكمة منه. فأخذ الفيلسوف ورقة، ورسم على محيطها إطاراً مستطيلاً أسود ووضع في المركز نقطة سوداء، ثم سأل:

ـ ما الذي تراه داخل المستطيل؟

ـ نقطة سوداء ـ أجاب الشاب.

ـ إن الحكيم هو الذي لا تحجب عنه بقعة سوداء المساحة البيضاء الواسعة داخل الإطار.

للأسف، إن أتباع الأديان المختلفة كثيراً ما يقعون في موقف هذا الشاب، في حرارة الانفعال أحياناً يوجهون انتباههم إلى التفاصيل الثانوية، التي تدور حولها الخلافات، ناسين الأوضاع العامة الرئيسية، التي يجتمع حولها الجميع. إن القرآن يوجه المشاركين في الحوار إلى اكتشاف نقطة البدء التي توحد الجميع والتوجه الدائم إلى المدلول. وبالنسبة إلى الإسلام والمسيحية واليهودية، هذا المبدأ هو التوحيد:

تقول الآية (29:46): {ولا تجادلوا أهل الكتابِ إلا بالتي هي أحسنُ … وقولوا آمنا بالذي أُنزِلَ إلينا وأُنزِلَ إليكم وإلَهُنا وإلَهُكـُم واحدٌ …}.

وتقول الآية (3:64): {قل يا أهل الكتابِ تعالوا إلى كلمة ٍ سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله}.

وفيما يتعلق بالعقائد (وتعتبر الخلافات حولها أخطر العقبات!)، فإنه في كتاب «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» للإمام الغزالي (توفي1111م) حدد ثلاثة مبادئ كأساس للإسلام – الإيمان بالرب الواحد، وبرسله وباليوم الآخر، معلناً الأوضاع المتبقية و تجسيد هذه المبادئ الثلاثة بخصائص ثانوية، لا تصنف أي من وجهات نظر الخصم حولها بدعة وهرطقة. وعلينا أن نسترشد بهذا المدخل المتسامح عند تقييم خلافاتنا مع المسيحيين أو اليهود.

في مجال التقارب الصحيح بين الأديان الثلاثة في المجال اللاهوتي، كان يمكن أن يحقق تقدماً كبيراً اعتراف الجانب اليهودي المسيحي بنبوة الرسول محمد(r)، الأمر الذي لا يناقض الإنجيل المقدس، بل على العكس، من السهل جداً أن يبرهن ذلك – لنتذكر البشارة حول أبناء إسماعيل. بدورنا، نحن المسلمين، علينا التخلي عن أطروحة وقوع التحريف في الكتاب المقدس، والتي كما رأينا في كتابنا المذكور لا تتوافق مع القرآن نفسه.

الاتصاف بالموضوعية

يدعو القرآن المشاركين في الحوار أن يكونوا نزيهين غير متحيزين، صريحين مع بعضهم بعضاً، غير متعصبين لعقائدهم. فالآية (34:24) تأمر النبي أن يقول للمشركين: {وإنَّا وإيَّاكم لعلى هدىً أو في ضلالٍ مبين}.

ومن هنا ينطلق القول المأثور للإمام الشافعي (820): «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».

ردَّ النبي على اتهام مشركي مكة لأتباع القرآن وأتباع التوراة بأنهم اتفقوا فيما بينهم لتأكيد رسالتيهما السماويتين، فجاء رد النبي  كما تقول الآية (28:49){قـُلْ فأتوا بكتابٍ من عِندِ اللهِ هو أهدى منهما أتَّبِعْهُ إن كنتم صادقين}.

أما الآيات 17-18 من السورة 39 فتمدح الذين يستمعون إلى المنطق ويتبعون أفضله: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عبادي. الذين يستمعون القول فيتـَّبِعون أحسنهُ أولئك الذين هداهم اللهُ وأولئك هم أولوا الألباب}. ومن هذا المنطلق يقول الحديث: «الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها»(عن ابن ماجه والترمذي).

وبروح من الانفتاح الأقصى على الخصم والاستعداد لأقصى حد لقبول أي رأي قاطع يأتي به الخصم، ينص الوحي القرآني الذي أُرسِل الرسول لإعلانه: (43:81){قل إن كان للرحمن ولدٌ فأنا أوّل العابدين}.

ومن الجدير بالذكر أيضاً، أن الآية (23:17){ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه} تتهدد بعقاب الرب للداعين إلى عبادة آلهة أخرى تحديداً في حال عدم تقديمهم البراهين التي تثبت صحة أفعالهم. وهذا نوع من التبرير القرآني للمبدأ المذكور سابقاً – المجتهد معذور.

يطالب القرآن أتباعه بالإحسان إلى معارضيهم في الرأي، وتجنب سوء الظن (49:12){يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم}. فكما ينقل شهاب الدين المرجاني (توفي عام 1889) في تعليقاته على «عقيدة النسفي» في (الحكمة البليغة)، فإن الضبط السائد بين الحنفيين ينص على: «إذا كان رأي الخصم يخضع بنسبة تسع وتسعين لتفسيره كفراً وهناك احتمال واحد لإنكاره، فمن المناسب الانحياز إلى خيار الإنكار».

فحتى العَداء لا يجب أن ينتقص من الموضوعية والإنصاف في التقييمات–(5:8)«يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا».

كما ظهرت عِظة قرآنية أخرى في نداء موسى إلى ربه: (7:155)«أتُهلِكُنا بِما فعلَ السُّفهاءُ مِنَّا».

وفيما يتصل بآداب الحوار بين الأديان فهذا يعني أن نحكم على تعاليم المذهب متجنبين الاعتماد على تفاسير بعض الحمقى من معتنقيه.

ونحن المسلمون على وجه الخصوص، لا يليق بنا أن نطبق على جميع اليهود، الأخذ بالتصورات المتعلقة بالرب، والتي كانت تخص يهود المدينة في عهد النبي، والتي ينتقدها القرآن (مثل عقيدة عزرا كابن الله).

وينطبق الشيء نفسه على الانتقادات القرآنية للطوائف المسيحية في الجزيرة العربية، التي تفسر الثالوث تفسيراً مبتذلاً (الذي يتألف من الرب ومريم ويسوع).

إظهار اللباقة

عندما أمر الله موسى وهارون الذهاب إلى فرعون، فعلى الرغم من إشارته إلى أن الملك المصري يحتدم غيظاً (حيث أعلن نفسه إلهاً واضطهد الإسرائيليين بوحشية)، ولكنه مع ذلك أوعز للمبعوثين بقوله: (44-43 :20){اذهبا إلى فِرعون إنَّهُ طغى. فقولا لهُ قولاً ليِّناً لعلَّهُ يتذكَّرُ أو يخشى}.

تقدم السورة 34 درساً عظيماً في اللباقة السياسية. حيث تُعَلِّمُ أنه في حال الخروج بنتيجة غير حاسمة للحوار مع الوثنيين يجب على الطرفين أن يفترقا سلمياً. حيث يأمر سبحانه وتعالى النبي أن يقول لخصومه: (34:25){قُلْ لا تُسألونَ عَمَّا أجرمنا ولا نُسألُ عمَّا تعملون}. ونلاحظ، أنه في الحالة الأولى تطبق على الذات كلمة الإدانة (أجرمنا)، فيما للخصم توجه الكلمة المحايدة (تعملون).

وفي وقت آخر، يحض الله المسلمين بخصوص النزاع مع المشركين: (6:108){ولا تَسُبُّوا الذينَ يدعونَ مِن دونِ اللهِ فيَسُبُّوا اللهَ عَدواً بغيرِ عِلمٍ}.

لنقل إنه علينا أن نعمم «القاعدة الذهبية» السلوكية – «عامل الناس كما تريد أن يعامِلوك» – ينبغي أن تصبح قاعدة عامة. يجب ألا يقتصر إظهار الاهتمام بمشاعر الآخر (الخصم) على الموحدين والمؤمنين، بل وأيضاً تجاه الناس غير المتدينين.

يسرنا أن نسمع، كيف جرى في إحدى المدن الأوروبية أن اجتمع في الكنيسة في ندوة للحوار ممثلو مختلف الأديان وكيف قام المسيحيون خلال هذا الاجتماع بتغطية الصليب كي لا تؤذي مشاعر المسلمين. ولكن المحزن أن البعض من إخواننا في الدين صوروا موافقتهم على مثل هذا الحضور إلى الكنيسة على أنها بادرة تسامح من جانبهم، دون أن يدركوا، أنه نحن من عليه أن يُظهِرَ اللباقة تجاه رموز المسيحية. لأن نبينا لم يكن فقط يستقبل مسيحيي نجران في مسجده وهم يحملون صلبانهم، بل وسمح لهم كذلك أن يجروا شعائرهم المسيحية في مسجده.

في نفس السياق نحزن لأنه في الكتاب المدرسي «الدراسات الإسلامية»الصادر حديثاً والخاص بالمدارس الروسية (موسكو 2008) – قام المؤلفون من إخوتنا في الدين باعتبار النماذج العليا لتسامح ديننا من قبيل المذكور في الصفحة (213): «يُسمَحُ للمسلمين قبول الدعوات من أتباع الديانات الأخرى… الشريعة تسمح للمسلمين بتلقي الهدايا من اليهود والمسيحيين حتى في أيام أعيادهم الدينية»!

 

كلمات مفتاحية: توفيق إبراهيم، باحث إسلاميات، آيات قرآنية، أنسنة، حوار، تسامح، سلام.