الرئيسية » حضاريات » المعايير الجديدة لجائزة نوبل في “الغناء والصحافة” بين ديلان وألكسييفيتش (2) – أشرف الصباغ
jyz_nwbl_lladb2.jpg

المعايير الجديدة لجائزة نوبل في “الغناء والصحافة” بين ديلان وألكسييفيتش (2) – أشرف الصباغ

 

المغني والشاعر بوب ديلان، استعار اسمه من الشاعر ديلان توماس، بينما اسمه الأصلي هو روبرت ألين زيمرمان. وقد ولد عام 1941، وبدأ مسيرته الموسيقية عام 1959، بالعزف في مقهى في ولاية مينيسوتا. وتعود معظم أغانيه الشهيرة إلى ستينيات القرن العشرين، حين تحول، عبر أغانيه، إلى "مؤرخ غير رسمي" لمتاعب ربما ليس فقط الولايات المتحدة، وإنما العديد من الشرائح والطبقات الدنيا والمتوسطة في العديد من دول العالم. وقد أصبحت بعض أغانيه، مثل "Blowing in the wind" تتردد على شفاه المناهضين للحرب ونشطاء الحركة المدنية. وقد أبدع بوب ديلان العديد من الأغاني وسجل ألبومات مثل " The Freewheelin Bob Dylan " و" Highway 61 Revisited " وغيرها. ولديه أعمال موسيقية في السينما، حيث شارك في تصوير فيلم "مهوسون" الحائز على جائزة "أوسكار". كما حاز جائزة "جريمي" الموسيقية الأمريكية. وكانت مجلة "رولينج ستون" قد أدرجته ضمن تصنيف الـ 100 مغن ومغنية لجميع العصور حيث شغل المرتبة الثانية.

لن نتحدث مرة أخرى ما تناولناه بشأن الأجناس والنزعات الأدبية. ولن نكرر ما قلناه سابقا عن القيم الأدبية بمعناها العلمي، سواء كان الأدب كلاسيكيا أو محافظا أو حداثيا أو ما بعد حداثي. ولكننا نلاحظ أنه في عامي 2015 و2016 قامت لجنة نوبل بإزالة الحدود بين الأدب والصحافة من جهة، وبين الأدب والشعر الغنائي والموسيقى من جهة أخرى. ونحن هنا لسنا ضد هدم الحدود بين مختلف أجناس الإبداع الإنساني وبالذات في مجالات الآداب والفنون، وربما بعد ذلك "العلوم الطبيعية". مع العلم بأن العلوم الطبيعية لها مجالاتها المختلفة، وهناك جوائز لنوبل لهذه العلوم مثل الفيزياء والكيمياء. ولكننا لن نفاجأ بعد الآن أن يحصل على جائزة نوبل في الآداب أحد علماء الفيزياء لإسهماته في فلسفة "الشعر النووي" أو "الطب الروائي". ولكن علينا أن نرجو لجنة نوبل باستحداث جائزة "للآداب والفنون" أو تغيير اسم جائزة نوبل للآداب إلى جائزة نوبل "للآداب والفنون والعلوم".

هنا نصل إلى الأهم. فبوب ديلان أنتج وأنجز واشتهر في ستينيات القرن العشرين. ولكنه في ذاك الوقت كان خارج "المؤسسة"، كان متمردا عليها، وكاشفا لها، وفاضحا لتوجهاتها وسياساتها اللا إنسانية، سواء في ما يتعلق بالإنسان الأمريكي البسيط، أو بالإنسان في الدول التي كانت الآلة العسكرية والاستخباراتية الأمريكية تسحقها وتسحق معها مواطنيها البسطاء. كان ديلان موجودا على قيد الحياة في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، فلماذا استثنته أو استبعدته أو تجاهلته لجنة نوبل، ولماذا لم تنتبه أو تلتفت إليه "المؤسسة"؟!

لقد نجحت "المؤسسة" طوال 75 عاما، هي عمر بوب ديلان، في القفز حوله تارة، والالتفاف على أعماله تارة أخرى من حيث غسل ضميرها ويديها من الذنوب والدماء والآثام، إلى أن نجحت في "تدجينه". و"التدجين" هنا، يجب أن لا نتعامل معه وكأن ديلان قد أصبح عميلا للمخابرات أو مخبرا لأحد أقسام الشرطة، أو أنه تنازل عن مواقفه أو بدَّل آراءه إلى النقيض. كل ما في الأمر أن التدجين هو عملية معقدة مرتبطة بالزمن وبتغيير "أنظمة المؤسسة" مع احتفاظ تلك المؤسسة بأولوياتها، وربما حفاظها على كل سياساتها الفظيعة والبشعة وأدواتها المرعبة. ولكن تغيير النظام ضمن الخط العام للمؤسسة يمثل شكلا من أشكال الخداع والتضليل الناعمين اللذين يمكنهما خداع أي إنسان أو مبدع. كما أن "التدجين" مرتبط أيضا باستحداث بدائل للمبدع، أي ببساطة طرح "عملات" رديئة في سوق الأدب والفن والترويج لها من أجل منافسة "العملات الجيدة" مع التضييق على الأخيرة وكتم أنفاسها ماديا والتعتيم عليها إعلاميا، وربما تشويهها عبر حملات ممنهجة. وفي الوقت نفسه، تسمح المؤسسة بهامش لحركة "المبدع" لتجميل وجهها من جهة، ولاستخدام ما يناسبها من إبداعاته من جهة أخرى، لكي تزيل عن وجهها دماء أطفال فيتنام أو العراق، وتغسل ضميرها من قصف السودان أو يوغسلافيا أو ليبيا، أو لتبرير عملياتها الإجرامية المقبلة ضد دول وشعوب أخرى، أو من أجل الترويج لعملياتها "الإنسانية جدا" لمواجهة "الغيلان والوحوش" التي ربتها ورعتها في جبال أفغانستان وشمال القوقاز وصحاري مصر وليبيا.

المبدع أيضا إنسان. وهو ككل إنسان، تحدث له إزاحات وانزياحات بفعل الزمن والتقدم في العمر، وبفعل الصراع في المجال والوسط مع نظرائه أو مع ما يتم طرحه من "عملات رديئة" لتصعيد الصراع من أجل "تدجين" الخارجين عن الخط العام، وعن السياسة المرسومة، وعن "المؤسسة". وبالتالي، فلجنة نوبل، وبعد مرور عشرات السنين، تيقنت تماما أن بوب ديلان لم يعد خارج المؤسسة أو على يسارها، وتأكدت تماما من أن "المؤسسة الأمريكية" لم تعد تعترض عليه، أو على إبداعاته التي أصبحت الأن مناسبة تماما لغسل آثار الدم، وتنظيف الضمير من الآثام التي ارتُكِبَت في الماضي. فلماذا لا تخترع لجنة نوبل تسميات وتعبيرات ومصطلحات جديدة لمنحه جائزة نوبل في الأدب كما اخترعت مصطلحات وتعبيرات لمنح سفيتلانا ألكسييفيتش نفس الجائزة في نفس المجال، مع الاعتراف الكامل بأن "الآراء قد تختلف حول القيمة الفنية الإبداعية لرواياتها، التى يغلب عليها الطابع السياسى والأيديولوجى المباشر، ولكن ذلك لا يمنع من تقدير كفاحها من أجل الحرية". (يتبع)