الرئيسية » سياسة واقتصاد » اللقاء الأميري بإخوان اليمن.. وكيل قديم يعود للخدمة – د. صادق علي محمد
lslh_1.jpg

اللقاء الأميري بإخوان اليمن.. وكيل قديم يعود للخدمة – د. صادق علي محمد

 

وكان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان التقيا في الرياض يوم 13 ديسمبر/ كانون الثاني رئيس التجمع اليمني للإصلاح محمد عبدالله اليدومي وأمينه العام عبدالوهاب الآنسي في أول لقاء من نوعه منذ انطلاق حملة عسكرية ضد الجماعة الحوثية وقوات موالية للرئيس السابق في اليمن بقيادة السعودية والإمارات في مارس/ آذار 2015.

وعلى الرغم من تأييد الإصلاح للحملة العسكرية ضد خصومه الأيديولوجيين في الجماعة الحوثية ولجوء معظم قادته وكوادره إلى المملكة العربية السعودية وبلدان أخرى بعد سيطرة الحوثيين على السلطة بقوة السلاح في سبتمبر/ أيلول 2014 إلا أن نظرة النظامين السعودي والإماراتي حيال الإصلاح ظلت على حالها من الريبة والتوجس والعداء أحياناً، عدا عن سيل من السجالات والاتهامات التي كالها الإعلام الإماراتي للإصلاح.

في المقابل، شن أعضاء حزب الإصلاح والإعلاميون العاملون في وسائله الإعلامية حملة تشكيك واسعة النطاق في أهداف الحرب التي تقودها السعودية والإمارات داخل اليمن على رأس تحالف عربي واتهموا الأخيرة صراحة بأنها تمارس سياسات احتلال داخل اليمن وتدعم جماعات دينية متطرفة لتولي السلطة.

كان واضحاً أن التحالف العربي يراهن على شق تحالف الحوثيين والرئيس السابق علي عبدالله صالح باستمالة الأخير وتمييزه عن الحوثيين وهو ما حدث مؤخراً باندلاع قتال عنيف داخل العاصمة صنعاء بين قوات الحوثيين وقوات موالية لصالح استمر لستة أيام ودعا الأخير خلاله اليمنيين إلى الانتفاضة المسلحة ضد حلفائه السابقين.

 الا أنه ادار الإنتفاضة " برأس بغل " حسب تعبير احد الأمراء الحاضرين في قمة قادة دول التعاون الخليجي الذي عقد في 5 ديسمبر/ كانون الأول 2017، والتي كان من المفترض ان يحضرها صالح في حالة قضائه على جماعة الحوثي و تنصيب احد اقاربه حاكما عسكريا مؤقتا في صنعاء .

لكن القتال انتهى بسقوط الرهان السعودي الإماراتي، فقد تمكن الحوثيون من إلحاق هزيمة كاملة بقوات صالح التي اتضح أنها كانت أضعف وأقل بكثير مما كان متوقعاً كما قتلوا صالح نفسه في 4 ديسمبر/ كانون الأول 2017 وشنوا حملة قمع ضد قادة في المؤتمر الشعبي الذي كان يرأسه.

ومن المرجح أن مقتل صالح وسقوط آخر الأوراق التي راهن عليها التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات لإنزال الهزيمة بالحوثيين قد دفع الأميرين ابن سلمان وابن زايد اللذين باتا يرسمان سياسات بلديهما على نطاق واسع إلى الاجتماع بقيادة حزب الإصلاح لمد جسر لعلاقات جديدة تمليها الضرورة القصوى.

في سبتمبر/ أيلول 1990 أعلن الإخوان المسلمون في اليمن حزبهم السياسي تحت اسم التجمع اليمني للإصلاح بعدما يزيد عن عقدين من النشاط غير المؤطر تحت اسم محدد والتحالف مع أنظمة الحكم التي حكمت الشطر اليمن اشمالي ابتداء من عهد الرئيس عبدالرحمن الإرياني (1967-1974) والرئيس إبراهيم الحمدي (1974-1977) ثم الرئيس علي عبدالله صالح (1978-2012)الذي أسسوا في ظل نظامه بنيتهم التنظيمية وتقاسموا معه الامتيازات الناتجة عن السلطة مقابل اشتراكهم في القتال ضد خصومه في الشمال خلال المرحلة الشمولية وخصومه في الجنوب عقب قيام الوحدة.

فعندما كان نظام صالح في سنوات حكمه الأولى مهدداً بالسقوط جراء اشتداد هجمات مقاتلين يساريين انتظموا في "الجبهة الوطنية" (1976-1982) وتلقوا دعماً من النظام الاشتراكي الذي كان يحكم الشطر الجنوبي من اليمن، قدم الإخوان النجدة لصالح فشكلوا جبهة مضادة أطلقوا عليها الجبهة الإسلامية وقاتلوا في صفه إلى أن انتهى القتال بمصالحة وطنية، اهم بنودها إيقاف الاذاعة التابعة للجبهة الوطنية وتأسيس صحيفة لها في صنعاء ودمج مقاتليها في جهاز الدولة وعدم التفريط بالسيادة الوطنية واتخاذ خطوات عملية لإعادة تحقيق الوحدة المنية  وتأسيس كيان سياسي جامع لليمنيين سمي بالمؤتمر الشعبي العام وصياغة برنامجه السياسي اطلق عليه " الميثاق الوطني" ، الا ان صالح لاحقا انفرد بإدارة وتزعم المؤتمر الشعبي العام بعد تمكنه من التخلص من قادة الجبهة الوطنية بالإغتيالات او باخفائهم قسرا، وبعضهم تمكن من الافلات من قبضة بطشه وغادر اليمن.

وبعد تحقيق الوحدة بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي في مايو/ أيار 1990 انهارت الشراكة بين الحزب الاشتراكي اليمني والمؤتمر الشعبي العام نتيجة سلسلة من الخلافات حول إدارة الدولة الجديدة قبل أن تتطور الخلافات إلى حرب شاملة في صيف 1994 وبرز دور الإصلاح مرة جديدة ليقدم أثمن مساعدة لصالح خلال تاريخ حكمه، إذ جند أعضائه و "الأفغان العرب" للقتال ضد القوات الموالية للحزب الاشتراكي واعتلى شيوخه المتشددون منابر المساجد للتحريض ضد الاشتراكي واتهام كوادره بالإلحاد وتبرير الحرب ضده.

وبعد الحرب التي خرج منها نظام صالح مع حلفائه الدينيين والقبليين منتصرين عسكرياً، جاء دور الإصلاح ليقبض ثمن خدمته النفيسة التي قدمها لصالح فتشكلت حكومة ائتلاف ثنائي بين المؤتمر والإصلاح وجرى تقاسم الوظيفة العامة بين أعضاء الحزبين فيما خُصصت منابر المساجد والإرشاد والمدارس لشيوخ الإصلاح وكوادره الذين راحوا ينشرون أيديولوجيتهم ويستقطبون فئات المجتمع إليها بلا كلل، كما أسس الحزب عدداً هائلاً من الجمعيات الخيرية في أنحاء البلاد لينشط سياسياً تحت غطائها.

ومع أن التحالف بين نظام صالح والإصلاح تعرض لهزة نتيجة التنافس المحموم على مقاعد البرلمان في انتخابات 1997 وغنيمة حرب 1994 إلا أن الإصلاح لم يتردد خلال انتخابات الرئاسة التي أجريت عام 1999 عن تسمية صالح مرشحاً له قبل انطلاق حملته الانتخابية بوقت طويل.

لكن هذا التحالف الانتخابي لم يشفع للشراكة بين حليفي الحرب والسلم بالاستمرار مدة أطول، إذ تعرضت لهزات متتالية بدءاً بمواجهات محدودة خلال انتخابات بلدية في 2001 ثم إلغاء الحكومة في 2002 لنظام تعليمي مواز للتعليم النظامي، كان يديره الإصلاح منذ سبعينيات القرن العشرين بتمويل سعودي ودعم اميريكي مباشر واستقطب الإصلاح من خلاله عشرات الآلاف من الطلاب.

وحينما تيقن الإصلاح أن صالح يمضي قدماً في إقصائه من شراكة السلطة والمصالح المترتبة عليها، انحاز إلى المعارضة الصريحة في 2002 الأخير وقاد مع الحزب الاشتراكي اليمني إنشاء تحالف"اللقاء المشترك" في نفس العام وهو التحالف الذي ضم أحزاب المعارضة السياسية ووحد نشاطها السياسي في مواجهة نظام علي عبدالله صالح.

على الرغم من أن اللقاء المشترك مثًل تحدياً سياسياً جدياً في وجه نظام صالح غير أن فرصة الإصلاح الحقيقية للثأر من حليفه السابق الذي تنكر لخدماته ستأتي في 2011.

فعندما خرج آلاف الشبان إلى الشوارع والساحات العامة في فبراير/ شباط 2011 معلنين ثورة سلمية شعبية على نظام صالح في استلهام للنموذجين التونسي والمصري, انضم الإصلاح بمعية المشترك إلى الثورة التي أفضت في نهاية المطاف إلى إرغام صالح على التنحي عن السلطة ونقلها لنائبه عبدربه منصور هادي وتقاسم حقائب الحكومة بين حزبه والمعارضة بموجب اتفاق رعته دول الخليج بعد عشرة أشهر من انطلاق الاحتجاجات العارمة وسقوط مئات القتلى وأضعافهم من الجرحى.

وفي حين راح الإصلاح يستمتع بالنصيب الأكبر من حصة المعارضة في الحكومة, بدأ صالح التخطيط لفصل جديد في دورة الانتقام المتبادل ولم في مخططه الجديد أفضل من الجماعة الحوثية؛ الغريم الأيديولوجي اللدود للإصلاح ليتحالف معها.

كان للحوثيين دعاوى كثيرة ضد الإصلاح أبرزها أن قادته في مناطق القبائل الشمالية عملوا منذ ثمانينيات القرن الماضي بدعم من السعودية على نشر الوهابية وطمس المذهب الزيدي الذي تعتنقه قبائل المنطقة الشمالية، كما أن القائد العسكري البارز الموالي للإصلاح علي محسن الأحمر كان قائداً للجيش الذي خاض ست حروب ضد الحوثيين في محافظة صعدة من 2004 إلى 2010، إضافة إلى أن مواجهات دامية قتل خلالها مئات من الإصلاحيين والحوثيين في محافظة الجوف بين عامي 2011 و2012 كانت قد أججت نار العداوة بين الغريمين.

لذلك، كان من السهل على صالح المتطلع للثأر أن يعزف على أي من هذه الأوتار لدى الحوثيين ليبدأ معهم رحلة انتقام انطلقت من معقلهم في صعدة نحو محافظة عمران حيث خاضوا قتالا دامياً مع آل الأحمر الذين يقودون الجناح القبلي في حزب الإصلاح وانتهى القتال بهزيمة الأخيرين وطردهم من مناطقهم ليبدأ الحوثيون معركة جديدة هناك دامت شهرين ضد أقوى لواء عسكري في الفرقة الأولى التي كان يقودها اللواء علي محسن الأحمر وانتهت بسيطرتهم على اللواء وقتل قائده.

في سبتمبر/ أيلول 2014 نقل الحوثيون القتال إلى داخل العاصمة صنعاء وكان مقر الفرقة الأولى أول هدف يسيطرون عليه بعد أربعة أيام من المواجهات ولجوء قائد الفرقة إلى السعودية التي تبعه إليها قادة حزب الإصلاح وكوادره هرباً من القمع الحوثي الذي بدأ يطالهم.

وبهذه المحطة كان المتحالفون الجدد: صالح والحوثيون, قد انتقموا من أجنحة الإصلاح السياسية والقبلية والعسكرية وطردوا قادتها إلى المنفى قبل أن يبدأوا الانتقام من الوضع الناتج عن ثورة فبراير برمته.

ولم يكن الخليجيون غائبين عن هذه التطورات ففي البداية ووفقاً لما ذكرته الصحافة الدولية, تلقى الحوثيون دعماً من السعودية والإمارات لتحفيزهم على إضعاف الإصلاح باعتباره حزباً متفرعاً تنظيم الإخوان المسلمين الذي شكل كابوساً مرعباً لأنظمة الخليج بعد ثورات الربيع العربي وخشيت من تغلغله في بلدانها والسيطرة على الحكم فبدأت باستهدافه من مصر إلى اليمن.

لكن مع سيطرة الحوثيين على السلطة وإجرائهم مناورات على الحدود اليمنية السعودية, أدركت الأنظمة الخليجية بمدى تورطها في دعم هذه الجماعة المدعومة من إيران والمحكومة بعلاقة عداء طائفي مع السعودية ولذا لم يجد الخليجيون مفراً من بدء حربهم الطويلة في اليمن.

ومع طول أمد الحرب وفشل الخيارات التي جربها التحالف العربي وكان آخرها دفع صالح للانشقاق على الحوثيين، ربما وجد ملوك الخليج الذين باتوا يسمعون انفجارات الصواريخ في أجواء عواصمهم في حزب الإصلاح "عدواً ما من صداقته بد" للتعاون معه لصد "الخطر الإيراني" المزروع في خاصرتهم الجنوبية .

وبالتأكيد، ما من شك على الإطلاق في أن الإصلاح الذي يشتم بحاسته الانتهازية أنصاف الفرص لاستغلالها في خدمة مشروعه سيفرط في هذه الفرصة التي لاحت له بعد سنوات من القطيعة مع أصدقائه الإقليميين القدامى.