الرئيسية » حضاريات » الخلطة السحرية… شيء من الغرب والشرق – رانيا توفيق الحلاق
lmr_lgrbyw.jpg

الخلطة السحرية… شيء من الغرب والشرق – رانيا توفيق الحلاق

لكن وخلال السنوات التي قضيتها في كل من روما ولندن، وجدت أن التشابه بين المرأة الغربية والشرقية غير قليل. فهناك نقاط مشتركة في الكثير من النواحي ومنها الاهتمام بمظهرها وأناقتها والبحث عن الزوج المناسب وحرصها على عائلتها وأطفالها. ما تلمسته أننا بالنهاية، شرقيات كنا ام غربيات، نحمل خصائص الروح البشرية نفسها، علاقتنا بالأشياء تتحكم بها نوازع مشتركة، هي النوازع الإنسانية.

الاختلاف الجوهري بين نساء الشرق والغرب، يتحدد في الثقافة والعادات والتقاليد المكتسبة. أي في المكتسبات التي تحددها عملية التنشئة والوعي بفعل البيئة الثقافية والسياسية والمجتمعية. مثلاً المرأة الغربية تملك حرية التصرف واتخاذ القرارات ولا تخاف من (القيل والقال) او لا تعنيها مثل هذه القضايا. لأنها لن تحاكم من قبل الآخرين من خلال لباسها وسلوكها مادامت ملتزمة بالقوانين، وهي بدورها ايضا لن تصدر أحكاما تجاه الآخرين. بينما الشرقية تخشى، حتى وان كانت في الغرب، أن تمارس كل حريتها. فهي رغم علمها بأن القوانين تحميها، تبقى في العقل الباطني حاملة للخوف من نظرة المجتمع لها.

الجدل الأكثر شيوعاً في التفريق بين المرأتين، أن الشرقية تنظر للغربية على أنها نموذج مختلف في العواطف والحب والحياة الزوجية، وبشكل عام العلاقة مع الرجل. فعلا، هناك اختلاف كبير في طريقة التعامل مع الحبيب او الزوج. ففي الشرق، تحرص المرأة على زوجها وتهتم به وتأخذ مهام اعمال المنزل وتربية الأطفال على أنها واجبات حصرية لها. وفي البلدان الأوروبية وعموما في الدول الغربية، النشأة الأساسية للمرأة تقوم على التساوي مع الرجل في الحقوق والواجبات. فليس بالغريب أن يعتني الزوج الغربي بالأطفال ويقوم بواجبات منزلية. وفي علاقات الحب نرى الشرقية تعاني من خوف مزمن طول فترة علاقتها.

وأسباب الخوف كثيرة، على رأسها عدم ثقتها بالرجل الشرقي وشعورها الدائم بأنه سيتخلى عنها او يرحل مع امرأة اخرى تعجبه او تستثير عواطفه وغرائزه أكثر. بينما نرى المرأة الغربية اكثر اتزاناً في عواطفها مع الرجل فهي قليلة الغيرة ولا تدقق كثيرا في التفصيلات و لا تمانع من صداقة حبيبها مع النساء. وفي هذه النقطة يبدو الرجل هو السبب الأساسي في تحديد طباع المرأة، فهو هنا أكثر مصداقية والتصاقا بالتزاماته العاطفية، لأنها ليست خاضعة لمعيار غريزي، بينما هناك، توجد دائما مشكلة في الصدق منبعها أن الرجال عموما يتحركون عاطفيا بموجب ما تمليه الغرائز، لهذه فإن العواطف تكون مهددة باستمرار بحسب الجانب الغريزي. فضلا عن هذا أن المنظومة القيمية، القائمة على المساواة، والتي تتحكم بنبض العلاقات الاجتماعية كافة، تخلق الكثير من الثقة والاستقرار عاطفيا ونفسيا تجاه تلك العلاقات.

على المستوى الشخصي، ورغم مرور 17 سنة على اقامتي في أكثر من بلد، والاندماج العميق في البيئة الاجتماعية، فإن التأثير العقلي والثقافي الذي جرى علي، ودخولي في منظومة القيم بصورة تفوق الكثير من نظيراتي هنا، ليس كافيا ليحولني إلى امرأة غربية بالكامل. أسباب متعددة لذلك؛ منها أني ما أزال اشعر بضرورة الاحتفاظ ببعض شرقيتي، باعتبارها هوية وايضا لأن التحول الكامل مكلف. لذا منظومة العيب لدي تلعب دورا مركزيا في الكثير من السلوكيات، بينما منظومة الحرام مفقودة تماما، لأن الأولى تمثل بالنسبة لي شروط حياة، أما الأخرى فتعد تصورا ايديولوجيا عن الحياة، لا أؤمن به. فضلا عن إن التنشئة الأساسية، اسريا، لم تبن دينيا، بل سورياً.

بالمقابل، ما اكتسبته من الغرب هو عدم الخوف من نظرة المجتمع نحوي طالما أنني أتصرف بكل قناعة. وهذه نقطة كافية في تصوري، في تحديد وبناء شخصية المرأة باعتبارها وجوداً مستقلا عن الرجل، وفي الوقت ذاته لا تنطلق من الاستقلال الغربي الصرف الذي قد يؤدي إلى شعور بالاغتراب، لا يمكن التأقلم معه.

والخلاصة، من خلال صداقاتي المختلفة للشرقيات والغربيات أجد أن من الضروري القيام بخلطة سحرية بين بعض الصفات الشرقية والغربية ليصبح مزيجا مختلفاً، يميز المرأة التي تكتسب من العقل غربه ومن الشرق روحه.

ففي المرأة الشرقية حنين غير موجود غربياً، وصبر بنته الظروف التي لم تتغير في منطقتنا وحياء يضفي الكثير من الانوثة، بينما تستقل الغربية استقلالا يجعلها عنصراً مؤثرا في المجتمع، وتمتلك ثقة بالنفس تستطيع معه أن توظف حتى عواطفها بشكل سليم، وتحصل على حقوقها بطريقة مناسبة غير مبنية على الخوف من سطوة المجتمع واستبداده.

 

كاتبة من سوريا

 

القدس العربي