الرئيسية » حضاريات » الخلفيات الاجتماعية والتاريخية للتصوف المصري – أحمد صبري السيد علي (1)
lkhlfyt_ljtmy_wltrykhy_lltswf_lmsry.1.jpg

الخلفيات الاجتماعية والتاريخية للتصوف المصري – أحمد صبري السيد علي (1)

 

 وعلى عكس التشيع الذي دخل لمصر مبكراً واتخذ بها وضعاً راسخاً وقوياً خاصة في بعض مناطق الصعيد واستمر حتى قيام دولة المماليك باتخاذ موقفاً متشدداً ومتعسفاً من أتباعه مما أدى لتراجع أعدادهم تدريجياً ، فإن انتشار التصوف في مصر يعزي كذلك إلى الدولتين الأيوبية والمملوكية وهو تاريخ متأخر كثيراً عن تاريخ نشأته التي كانت في مصر كذلك ، مما يعني أن التصوف كممارسة لم يكن ذو جاذبية لدى المصريين في هذه الفترة على الرغم مما يقال عن نزوع هذا الشعب تجاه الانعزال عن مصاعب الحياة .
   في كتاب المؤرخ المصري ابن زولاق الذي عاصر الفاطميين ، أشار إلى أسماء العديد من الزاهدين المصريين دون أن يطلق عليهم لقب صوفية ، ومع شهرة ذو النون المصري كمؤسس للتصوف فلم يشر إليه ابن زولاق في كتابه ، في إشارة إلى عدم استساغة المصريين لمنهجه الصوفي الذي قام بتأسيسه .
   إن تسمية الكندي في كتابه " ولاة مصر " لبعض المجموعات في الإسكندرية سنة 200 هجرية بـ" الصوفية "[1] بالرغم من أن ممارساتهم السياسية لا تنسجم مع طبيعة السلوك والممارسة الدينية الصوفية المعروفة ، مما يجعلهم أقرب في تجمعاتهم لمجموعات الفتوة والصقورة التي انتشرت في العالم الإسلامي لاحقاً ، ويوحي بأن اللفظ " الصوفية " لم يكن معروفاً في مصر ولم يكن له رجال معروفين أو أتباع حتى القرن الرابع الهجري الذي شهد نصفه الثاني انتقال الدولة الفاطمية من المهدية في تونس إلى القاهرة في مصر .

إإن وجود شخصيات أثرت بالتصوف أو اعتنقته مثل ذو النون بن إبراهيم وتلميذه عثمان بن سويد المصريين الأخميميين[2] لا يمكن اعتباره دليلاً على تواجد حقيقي للتصوف في مصر بمعانيه المختلفة أو على أنه يمثل النموذج الديني الأقرب للمصريين ، لكنه قد يمنحنا تصوراً على مدى إنتشار وازدهار العلوم العقلية في مصر كالكيمياء وخاصة في مدينة أخميم وارتباطه (أي هذا الازدهار للعلوم العقلية) بالتوجه الجديد الذي صاغه ذو النون المصري لاحقاً ، ومدى تأثير جابر بن حيان في هذه الحركة العلمية والدينية في آن .

   لا يبدو أن التصوف حتى هذه اللحظة ، كما أشرت سابقاً ، كان قد تمت صياغته كاتجاه ديني له تعريف وسلوكيات محددة ، وبالتالي فعندما قام ذو النون المصري بوضع هذه الصياغة فقد اعتبرها بعض المعاصرين له من العلماء في مصر كهرطقة غير مقبولة واتهموه بالزندقة ، مما دفع الخليفة العباسي المتوكل إلى إحضاره لبغداد مقيداً[3] .
   على أن الصياغة التي قدمها ذو النون المصري للتصوف لم تتماثل ما الوضع اللاحق له والذي بدأ في القرن الخامس الهجري ، فقد اعتمدت صياغة ذو النون على الاشتقاق المنسوب للتصوف كحكمة وفلسفة تسعى للوصول إلى المعرفة بالحقيقة الإلهية عبر تبني سلوكيات ومجاهدات روحية لتذكية النفس ، لكنها اتسمت كذلك بكونها حالة فردية لم تؤسس لطريقة صوفية ولم تحرص على جلب الأتباع ، وبالرغم من أن ذو النون أكد على أن الزهد في الدنيا هو جزء من تعاليمه ، لكن تعريفه للزهد كان مختلفاً عن التعريف الصوفي المعروف للزهد : " عمل بلا علاقة ، قول بلا طمع وعز بلا رياسة " حيث اعتبره ذو النون نوع من الاستسلام الكامل للإرادة الإلهية : " عد الفقر غنى ، والبلاء من الله نعمة ، والمنع من الله عطاء ، والوحدة مع الله أنساً ، والذل عزاً ، والحياة موتاً ، واليأس غفلة ، والطاعة حرفة ، والتوكل معاشاً ، والله لكل شدة عدة " . ويقول في نص آخر نقلاً عن أحد الزاهدين : " إعلم أن الزاهد في الدنيا : قوته ما وجد ، ومسكنه حيث أدرك ، ولباسه ما ستره . الخلوة مجلسه ، والقرآن حديثه ، والله الجبار العزيز أنيسه ، والذكر رفيقه ، والصمت جنبه ، والخوف سجيته ، والشوق مطيته ، والاعتبار فكره ، والصبر وساده ، والحكم كلامه ، والعقل دليله ، والعلم خليله ، والجوع إدامه ، والبكاء دأبه "[4] .
   ومع استقرار الفاطميين في مصر بالقرن الرابع الهجري وتأسيسهم للجامع الأزهر بهدف الترويج لمذهبهم الشيعي الإسماعيلي لم يظهر أي وجود للتصوف بمعناه الطرقي في مصر نظراً لارتباطهم بحركة الانبعاث الأخيرة للطبقة التجارية في العالم الإسلامي والتي لم تلتق كثيراً مع الصيغة الانعزالية السلبية التي كانت قد بدأت تسود التصوف في هذه الفترة .

   في كتابه عن التصوف ، اندفع الباحث عمار علي حسن ، في مجازفة غير منهجية واصفاً الدولة الفاطمية بالترويج للتصوف مستخدماً أدلة لا يمكن قبولها ، فقد اعتبر أن الترويج للمذهب الشيعي الإسماعيلي في الفترة الفاطمية دليلاً على ازدهار التصوف في مصر دون أن يسعى توضيح العلاقة بين التشيع الإسماعيلي وبين التصوف[5] ، وهنا نشير إلى ان التصوف الطرقي إنتشر بشكل متناقض لدى المذاهب المرتبطة بالإقطاع أو المذاهب المعادية له ، وبينما كان المذهب السني يؤيد الإقطاع العباسي فإنتشرت الطرق الصوفية الداعمة له بين أبنائه ، كان التشيع الإثنى عشري يكافح ضد الإقطاع فانتشرت طرق صوفية ثورية كالحسنية والصفوية والحروفية والمشعشعية بين أبنائه ، وهي طرق كانت تهدف للقضاء على الإقطاع المغولي في إيران والعراق والأناضول[6] . أما المذاهب ذات التوجه التجاري كالتشيع الزيدي والتشيع الإسماعيلي والمذهب الخارجي الإباضي لم ينتشر التصوف بين أبنائهم نظراً لضعف هذه الطبقة وعجزها عن المشاركة الإيدولوجية في هذا الصراع ، واضطرارها للخضوع لنفوذ القوى الاقطاعية الدخيلة من أبنائها مما أدى لتشوه تعاليمها وعجزها عن مواجهة الواقع[7] . (يتبع)

 

[1] الكندي . ولاة مصر . نسخة إلكترونية – موقع مكتبة المصطفى www.al-mostafa.com . ص 80 .
[2] كامل مصطفى الشبيبي . الصلة بين التصوف والتشيع . طبعة دار الأندلس . بيروت 1982 . ج1 . ص 138 ، 202 ، 363 . من الملاحظ أن هذه الشخصيات التي إنتمت للتصوف ولصناعة الكيمياء في مصر ، يربط بينها رابطين ، الأول التأثر بجابر بن حيان ، والثاني هو الانتماء لمدينة أخميم .
[3] محي الدين بن عربي . الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري . تحقيق / سعيد عبدالفتاح . طبعة دار الانتشار العربي . بيروت 2002 . ص72 . الاتهام بالزندقة كان في الأحيان إشارة لاعتناق آراء دينية إسلامية معادية للسلطة السياسية القائمة ، ويبدو أن سبب القبض على ذي النون المصري هو ارتباطه ببعض آراء جابر بن حيان .
[4] عبدالحليم محمود . العالم العابد العارف بالله ذو النون المصري . الطبعة الثانية . ط دار الرشاد . القاهرة 2004 . ص 129 .
[5] عمار علي حسن . التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر . الهيئة العامة لقصور الثقافة . ط 2 . القاهرة 2011  . ص 144 ، 145 .
[6] بتروشوفسكي . الإسلام في إيران . ترجمة / دكتور السباعي محمد السباعي . الطبعة الخامسة 1999 (بدون ذكر دار النشر) . ص345 – 348 ، 357 ، 360 – 368 .
[7] أحمد صبري السيد علي . المهمشون في التاريخ الإسلامي . مجلة أدب ونقد . عدد 249 . القاهرة مايو 2006 . ص 34 .

 

أحمد صبري السيد علي

المنصورة 4 أكتوبر 2017