الرئيسية » حضاريات » الإستشراق الروسي والمشرق العربي: من الاهتمام إلى الإهمال – مسعود ضاهر
لوحة المولوية للرسام د.إ.ماكاروف، من كتاب: رحلة إلى الشرق والأراضي المقدسة 1872، بقلم د.أ.سكالون، سان بطرسبورغ 1881

الإستشراق الروسي والمشرق العربي: من الاهتمام إلى الإهمال – مسعود ضاهر

 لدى حركة الاستشراق الروسي في ظل انعدام التمويل، وسيطرة العولمة الأميركية، ودور إسرائيل في استغلال الأزمة وتجييرها لصالحها في ظل عالم ذي قطب واحد. 

تعريف بالدراسة والمنهج

لعبت روسيا القيصرية دوراً أساسياً في السياسة الدولية في القرن التاسع عشر، وكانت للثقافة الروسية مكانة متميزة في الآداب والفنون العالمية. ومع تزايد عدد الباحثين العرب الذين تلقوا علومهم في روسيا القيصرية ومن ثم في روسيا السوفياتية، تعرف العرب بشكل معمق إلى الثقافة الروسية في مراحلها الثلاث: القيصرية، والسوفياتية، وفي المرحلة الراهنة التي أعقبت انهيار الإتحاد السوفياتي.

فقد تبنت روسيا مبادئ الديموقراطية في السياسية، والليبرالية في الاقتصاد الحر.

كانت لروسيا القيصرية تطلعات إستراتيجية نحو المشرق العربي إبّان حكم السلطنة العثمانية. واعتبرت بلاد الشام من المناطق المهمة في توجهات روسيا القيصرية التي كانت تطمح للوصول إلى مياه البحر المتوسط أو ما كانت تسميه وثائقها بالمياه الدافئة. وإزدادت أهمية هذه المنطقة في السياسة الدولية بعد حملة نابوليون بونابرت على مصر في أواخر القرن الثامن عشر. ومن ثم بعد تحولها إلى أكثر المناطق تفجراً بعد وعد بلفور الذي نص على إقامة الوطن القومي اليهودي على الأراضي المقدسة في فلسطين.

وزادت حدة التفجير بعد اكتشاف النفط العربي وتسويقه في النصف الثاني من القرن العشرين.

ثقافيا، شهدت الساحة الثقافية في المشرق العربي تبلور تيار عريض من متخرجي المعاهد والجامعات الروسية التي اهتمت بترجمة عدد من الوثائق الروسية المهمة إلى العربية. كما أن بعض المراكز العلمية، والجامعات، ودور النشر العربية كانت تشجع الباحثين العرب على ترجمة الوثائق الروسية الخاصة بالمشرق العربي. نتيجة لذاك، نشرت وثائق قديمة تظهر اهتمام روسيا القيصرية الدائم بهذه المنطقة وتشجيعها للحجاج الروس على المجيء إلى الأراضي المقدسة. ونشرت مذكرات وصفية لعدد من الدبلوماسيين الروس على غاية في الدقة. ودلت دراسة مكارم الغمري: "مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي"، على وجود اهتمام جدًي لدى عدد من كبار الشعراء والفنانين الروس بالتراث العربي والإسلامي. وفي العام 2000، نشر مالك صقور دراسة متميزة بعنوان "بوشكين والقرآن" تضمنت مقارنة بين الأدب العربي والأدب الروسي، ومحاكاة بوشكين للنص القرآني. وترجمت إلى العربية عشرات الوثائق الأساسية من أرشيف روسيا القيصرية حول تاريخ العرب الحديث والمعاصر، كما ترجمت روائع من الأدب والشعر والمسرح الروسي.

إن دراسة علمية متأنية للمصادر الروسية التي تم نقلها إلى العربية تظهر أن كبار المستشرقين الروس في القرن التاسع عشر قاموا بمحاولات بحثية رصينة للتعريف بتاريخ المشرق العربي وحضاراته القديمة. في حين، بقي الاهتمام العربي بما كتبه الباحثون الروس ضعيفاً للغاية حتى أواسط القرن العشرين. فقد كان انشداد غالبية المثقفين العرب واضحاً نحو ما يكتبه المستشرقون في غرب أوروبا عن المشرق العربي، وبشكل خاص ما كتبه مستشرقو فرنسا وبريطانيا وألمانيا.

قدمت الدراسات العلمية التي نشرها المستشرقون الروس في المرحلة القيصرية، وفي بدايات المرحلة السوفياتية اللاحقة، صورة علمية دقيقة ومستندة إلى الوثائق الروسية الأصلية. فساعدت الشعب الروسي على فهم تاريخ المشرق العربي وثقافاته بصورة شمولية. ولم يعد بالإمكان تغييب الوثائق الروسية، الغنية والمهمة، عند إعادة كتابة تاريخ هذه المنطقة على أسس أكثر دقة وموضوعية.

المقولات العلمية للإستشراق الروسي حول لبنان المشرق العربي

كانت الوثائق الروسية تهتم، بشكل أساسي، بقضايا التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والتربوي والثقافي، مع رسم صورة شمولية للوضع السياسي العام. وقد أتيحت لي الفرصة لنشر بعض الدراسات المهمة التي كتبها الباحثون الروس، في المرحلتين القيصرية والسوفياتية، حول بلاد الشام. ومنها على سبيل المثال لا الحصر: كريمسكي: "رسائل من لبنان 1896-1898"، وبيتكوفيتش: "لبنان واللبنانيون"، ولوتسكي: "الحرب الوطنية التحررية في سوريا 1925 – 1927"، ونيقولاي إيفانوف: "الفتح العثماني للأقطار العربية 1516-1574"، وإيرينا سميلينسكايا: "البنى الاقتصادية والاجتماعية للمشرق العربي على مشارف العصر الحديث"، وريجنكوف وسميلينسكايا (ناشران): "سوريا ولبنان وفلسطين في النصف الأول من القرن التاسع عشر: مذكرات رحالة، تقارير علمية واقتصادية، ووثائق قنصلية وسياسية وعسكرية". هذا بالإضافة إلى ما نشره باحثون آخرون من التراث الغني للإستشراق الروسي.

وهناك كتاب مهم لمؤلفه سكالون صدر بعنوان: "رحلة إلى الشرق والأراضي المقدسة عام 1872"، وفيه وصف لرحلة الأمير الروسي نيقولا الثاني إلى الأراضي المقدسة مع حاشية كبيرة. ثم صدرت طبعة ثانية له عام 1892 في سان بطرسبورج مع رسوم لمناظر طبيعية من لبنان ومناطق أخرى بريشة الفنان الشهير ك. ماكاروف.

وقد تضمن الفصل السابع منه زيارة الأمير نيقولا إلى بيروت ووصفاً جميلاً لعدد من أحيائها وكنائسها وقصورها ومؤسساتها والحياة الاجتماعية فيها. وهناك مخطوطة روسية تضمنت مذكرات الجنرال أورلوف، قائد الأسطول الروسي الذي حاصر مدينة بيروت عام 1773. وهي ما زالت دون ترجمة إلى العربية، وتعتبر من الوثائق المهمة في تاريخ لبنان الحديث.

تقدم تلك الدراسات وغيرها عن المشرق العربي صورة واضحة حول منهجية الاستشراق الروسي في كيفية النظر إلى تاريخ هذه المنطقة في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. وهي تتضمن فعلا خصائص ثقافة الإستشراق الروسي في تلك الفترة. مع ذلك، لا بد من التنبيه إلى أن منهجية المستشرقين الروس لم تكن واحدة من حيث النظر إلى تاريخ المشرق العربي في مختلف مناطقه، أو من حيث علاقة كل من قياداته المحلية بالسلطنة العثمانية. كما أن الأحداث الدموية التي شهدها جبل لبنان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر شكلت اختبارا حقيقيا لموضوعية المؤرخين الأوروبيين، ومنهم الروس، والزاوية التي نظر منها كل منهم إلى الأسباب العميقة لتلك المجازر الطائفية وما تولد عنها من نتائج سياسية.

ما تجدر الإشارة إليه في هذا المجال أن المستشرقين الروس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تدربوا في معاهد إستشراقية تابعة، في الغالب، إلى وزارة خارجية روسيا القيصرية. كما أن معظمهم كان ينظر إلى أحداث المشرق العربي وجبل لبنان من منظار مصلحة روسيا القيصرية أولا. وقد استخدم بعضهم أسلوبا في التحليل مقتبسا الكثير من مقولات وسمات الاستشراق في أوروبا الغربية، ونسج على منواله. وذلك يتطلب التعرف بموضوعية إلى سمات الاستشراق الروسي حتى يصار لاحقا إلى إبراز عناصر الاستمرارية والتغيير في نظرة مستشرقيه آنذاك إلى تاريخ جبل لبنان والمشرق العربي.

تبلور الاستشراق الروسي بشكل واضح في القرن التاسع عشر عبر مجموعة كبيرة من الباحثين، والمؤرخين، والشعراء، وكتاب الرحلات إلى الأراضي المقدسة. يضاف إلى ذلك أن تجارة روسيا مع مصر وبلاد الشام وأرجاء واسعة من السلطنة العثمانية كانت متطورة خصوصاً مع القدس، ودمشق، وحلب، وإزمير، والآستانة وغيرها.

وتوسع اهتمام الروس كثيرا بدراسة اللغة العربية في عدد من الجمعيات والمراكز العلمية الروسية. وكانت رحلات الشعراء الأوروبيين وكتاباتهم الرومانسية عن سحر الشرق، خاصة الفرنسيين منهم وفي طليعتهم الشاعر الفرنسي الكبير لامرتين، وكانت تلك الكتابات تلقى صدى إيجابيا محببا في نفوس شعراء روسيا وكتابها الذين أقبلوا على دراسة العربية، والعبرية، واليونانية، والفارسية، والعثمانية وغيرها. وبدأ اهتمام الروس بالتراث العربي والإسلامي يتزايد بشكل ملحوظ بعد ترجمة عدد من المصادر الأساسية في هذا المجال إلى اللغة الروسية. وما لبث الاهتمام الثقافي الفردي أن تحول إلى علم استشراق متميز يسعى الباحثون فيه إلى معرفة أحوال الشرق عن طريق نشر حب الاستطلاع، والقيام بزيارات مباشرة إلى المشرق العربي لتدوين مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية والفنية فيه. ولاقى هذا الاتجاه ترحيب وزارة الخارجية الروسية التي كانت تخطط لتوسيع نفوذها في السلطنة العثمانية وولاياتها على أمل وراثة بعض ولايات "الرجل المريض" الذي لم يعد هناك أمل في شفائه. وأمدت بعض المؤسسات التجارية ذات المصالح الواسعة مع بلاد الشام عددا من طلاب الاستشراق بالأموال اللازمة لزيارة المنطقة، وشراء المخطوطات المهمة، وترجمة ونشر المصادر المهمة للتعريف بشعوبها، وتاريخها، وتراثها، وثقافاتها، واقتصادها، وأوضاعها الاجتماعية والسياسية. وفتحت معظم الجامعات الروسية الكبيرة أقساما خاصة لدراسة تاريخ السلطنة العثمانية وولاياتها العربية والبلقانية. فتزايد عدد الطلاب فيها بشكل ملحوظ حتى باتوا يعدون بالعشرات في أواسط القرن التاسع عشر. وزودتهم إدارة كل جامعة ميزانية جيدة لإصدار مجلات علمية متخصصة تعنى بقضايا الشرق، ويكتب فيها أساتذة على قدر كبير من الثقافة والاطلاع بشؤون المنطقة. كذلك أرسلت بعثات علمية من المستشرقين الروس الشباب للاطلاع على شؤون منطقة المشرق العربي، والتدرب على الكلام باللغة العربية بهدف الترجمة منها إلى الروسية أو إعداد تقارير رسمية إلى وزارة الخارجية من طريق القناصل والبعثات الدبلوماسية. وليس مصادفة أن من كتب عن جبل لبنان في القرن التاسع عشر كانوا من القناصل الروس في بيروت وبلاد الشام، ومنهم من تلقى دعماً مباشراً من القنصليات الروسية في المنطقة.

من نافل القول إن قواعد الاستشراق الروسي التي بدأت تتبلور في النصف الأول من القرن التاسع عشر لم تكن بعيدة عن مناهج الاستشراق الأوروبي بشكل عام والتي كانت تشجع على القيام بأبحاث تفصيلية حول مختلف جوانب التطور في المشرق العربي حتى تستفيد منها وزارات الخارجية الأوروبية لرسم استراتيجياتها الطويلة الأمد للسيطرة على المنطقة. فقد كرس بعض كبار المستشرقين الروس جل أوقاتهم لتعلم اللغات الشرقية، وتدريب المستشرقين الشباب وحثهم على تعلمها، والترجمة، وإلقاء المحاضرات، ونشر المقالات والكتب، وإقامة الصلات مع مراكز ثقافية ومثقفين مشرقيين، والعمل على شراء المخطوطات الثمينة أو نسخها، ودراسة ما يسمى في علم الاستشراق الأوروبي بـ "سيكولوجية الإنسان الآسيوي". نتيجة لذلك برز عدد من المستشرقين الروس الذين تجمعت لديهم معارف معمقة وموسوعية عن حياة الشرق. وجمع بعضهم معلومات وافرة جدا ومتعددة الجوانب عن المشرق العربي، وبلاد اليونان، والقسم الأوروبي من السلطنة العثمانية، والمقاطعات البلقانية.

 لقد أصبح إعداد المستشرق الموسوعي الروسي المدرب، على غرار تدريب المستشرقين في غرب أوروبا، هدفا بحد ذاته، وتصرف من أجله موازنات مالية مهمة. وكانت الدبلوماسية الروسية تعتمد تقارير المستشرقين والقناصل، السرية منها والعلنية، لرسم أهدافها القريبة والبعيدة للتدخل في سياسة السلطنة العثمانية وولاياتها. وتبوأ بعض المستشرقين الروس مراكز أكاديمية مرموقة، فزادهم التدريس الجامعي خبرة إضافية اغتنت بالخبرة العملية عبر الرحلات المنتظمة إلى المشرق العربي، وتدوين مذكراتهم عن تفاصيل الحياة اليومية في كل مدينة أو قرية يعبرونها، ويصفون جمال المناطق الأثرية فيها. في الوقت عينه، كان القناصل الروس في جميع أرجاء المشرق العربي يقدمون خدمات جلى للمستشرقين، ويحضرون لهم لقاءات مع بعض حكام المقاطعات وزعماء الطوائف والعائلات والقبائل في جبل لبنان وسائر ولايات بلاد الشام ومصر.

ومع توسع معارفهم الشخصية عبر المشاهدات العيانية والاطلاع على أوضاع المنطقة عن كثب بدأ بعض المستشرقين الروس يسخرون من الصورة الرومانسية التي نشرها الشعراء الفرنسيون عن بلاد الشام، ومنها ما نشره لامرتين بالذات. فوجه المستشرق الروسي سينكوفسكي في كتابه: "مذكراتي عن سوريا"، نقدا لاذعا لتلك الصورة الرومانسية حول مجتمع بلاد الشام. وكتب متهكما: "يا لها من صورة زاهية لسوريا! لنأخذ دمشق على سبيل المثال. فنحن نشاهد في هذه المدينة التجارية البدو الرحل وأبناء الجبال والمدن والقرى، تتوافق أخلاق بعضهم وتتنافر أخلاق البعض الآخر. تدهش العيون للنماذج المختلطة في نظامهم التقليدي الذي حافظت عليه الأجيال في المناطق الصحراوية والجبلية ونمط الحياة السائد في المدن والمناطق السهلية. هل يعقل أن يكون هذا المفكر المجرب قد مر بهذه الخصائص الميزة ولم يلاحظها؟ أو يعقل أن هذه التناقضات الواضحة لم تكن كافية لإعمال النظر بدقة لدى مفكر مبدع يتمتع بأعلى مستويات الموهبة والمنطق!".

على جانب آخر، ومنذ أواسط القرن التاسع عشر، أصبح الإستشراق الروسي عن السلطنة العثمانية وولاياتها إستشراقا جماعيا ولم يعد فرديا كما كان في السابق. فقد نجح المستشرقون الكبار في موسكو وسان بطرسبورج وغيرهما من المدن الروسية في التأثير على الطلاب الجدد وتحريضهم على الانخراط في دراسات جدية ومعمقة لكي يستحق صفة مستشرق يحظى بلقب أكاديمي، أو لكي يعمل في أحد مراكز الاستشراق الروسية التي ساهمت بدورها في ولادة عدد من الجمعيات النشطة.

ودار نقاش ثقافي في الجامعات الروسية حول البرامج الواجب اعتمادها لإعداد الكوادر العلمية من المستشرقين الروس الشبان، وأنه من الضرورة بمكان تطوير مناهج الإستشراق في روسيا لكي تواجه المدارس الاستشراقية الأوروبية الأخرى. ومع توسع قاعدة التعليم العام في روسيا إبان تلك المرحلة ارتفعت أصوات أكاديمية تطالب بتوليد جيل متميز من المستشرقين الحقيقيين، أي من الشباب المثقف الذي يجمع ما بين" سعة المعارف الأوروبية ورحابة العلوم الآسيوي". وقدمت اقتراحات مهمة ترمي إلى ضرورة إتقان أكبر قدر ممكن من اللغات واللهجات الشرقية. وأن يقوم المستشرق الروسي برحلات ميدانية إلى مناطق تخصصه، وأن يشارك في الترجمات ووضع القواميس العلمية قبل السماح له بالانتساب إلى أي من معاهد الإستشراق كمحاضر على منابرها. مع ذلك، لم تنج كتابات المستشرقين الروس الأوائل حول المشرق العربي في تلك الفترة من النزعة الرومانسية أو تسجيل الانطباعات العفوية على غرار أسلوب الاستشراق الأوروبي الغربي الذي كان يعمم صورة نمطية زاهية عن "سحر الشرق"، و"دور الحريم أو الحرملك"، "والمجتمع المشرقي الخامل".

ففي مرحلة امتازت بالرومانسية والانفعالات العاطفية الذاتية لم تخل التقارير والوثائق الروسية من التأثر بتلك السمات. لكن قلة من المستشرقين الروس حاولت اعتماد الدقة والموضوعية والتجرد عن العاطفة والانفعال، والتصدي للمقولات الرائجة عن شرق ساحر لكنه خامل يعيد انتاج تخلفه باستمرار.

يلاحظ أن منهج الاستشراق الروسي في تحليل الوقائع والمعطيات المتعلقة بجبل لبنان والمشرق العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان يستند، وبالدرجة الأولى إلى رسم صورة معمقة عن حركة التطور الشاملة في المشرق العربي. وذلك بالتركيز على الجماعات أو طوائف السكان أكثر من التركيز الدائم على الأفراد والشخصيات السياسية والعسكرية البارزة. وبالإمكان تقديم تحليل مفصل يبرز آراء المؤرخين، والرحالة، والقناصل الروس الذين تناولوا بالتحليل والدراسة المشكلات السكانية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية، والثقافية في جبل لبنان والمشرق العربي.

لقد تميزت كتابات المستشرقين الروس حول متصرفية جبل لبنان والمشرق العربي في تلك الفترة بكثير من الدقة، والحرص على إظهار الحقائق التاريخية بموضوعية، كما دلت دراستا القنصل بيتكوفيتش بعنوان: "لبنان واللبنانيون"، و"حوران والحورانيون".

ولما كان من الصعب جدا تقديم التفاصيل الدقيقة في حدود هذه المقالة، فإن بالإمكان فقط إبراز سمات الثقافة الروسية التي تحلى بها المستشرقون الروس في تلك المرحلة. فقد نشر المستشرقون الروس وثائق عثمانية جديدة ومهمة حول جبل لبنان والمشرق العربي كان من الصعب الحصول عليها بسبب الأنظمة الصارمة المتبعة في الأرشيف العثماني. ويعتبر كتابا بيتكوفيتش المشار إليهما أعلاه، وكتابات القنصل بازيلي، من أفضل الوثائق العلمية حول تاريخ المشرق العربي الحديث، لأن معلوماتها مستقاة مباشرة من الوثائق العثمانية الرسمية مباشرة. وقد تضمنت وثيقة " لبنان واللبنانيون" إحصائيات عثمانية دقيقة تنشر للمرة الأولى طالت الأوضاع السكانية، والإدارية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية وغيرها.

ولا تزال هذه الوثيقة المتميزة بمعطياتها الدقيقة من أفضل المصادر المنشورة حول متصرفية جبل لبنان خلال سنوات 1869-1882.

إستند المستشرقون الروس إلى مشاهدات عيانية نشرتها نخبة من أعمدة الاستشراق الروسي في النصف الأول من القرن التاسع عشر وفي طليعتهم: سينكوفسكي، ورافالوفيتش، ولفوف، وبازيلي وغيرهم. وتظهر أعمالهم أن جهودا كبيرة بذلت في سبيل الوصول إلى أقصى ما يمكن من المعطيات الدقيقة المستقاة من مصادرها الأصلية والمشاهدات العيانية المباشرة. هذا بالإضافة إلى الاستفادة من السجلات المحلية للمؤسسات الخاصة والعامة، الدينية منها والتربوية والاجتماعية والاقتصادية والتي تشكل مصادر لا غنى عنها لدراسة حركة التطور في المشرق العربي إبان تلك المرحلة.

كذلك حاول بعض المستشرقين الروس الشبان التخلص من أسر مذكرات الحجاج الروس القدامى إلى بيت المقدس كمصدر أساسي، لا بل وحيد أحيانا، لدراسة التطور التاريخي والاجتماعي للمشرق العربي.

وهنا بالضبط تكمن أهمية الاتجاهات الجديدة في الاستشراق الروسية حول جبل لبنان والمشرق العربي منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الأولى. فقد حملت الكتب المنشورة تواقيع مستشرقين كبار برزوا تباعا ومنهم: بازيلي، بيتكوفيتش، كريمسكي، وكراتشكوفسكي، واستمرت مع المستشرقين الروس في المرحلة السوفياتية في القرن العشرين من أمثال لوتسكي، إيفانوف، ليفين، وسميليانسكايا وغيرهم.

تضمنت المشاهدات العيانية، والتقارير الرسمية، والمذكرات الشخصية، الكثير من المعلومات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإدارية، والتربوية، والثقافية، والأثرية، والإحصائيات المفيدة. فقدم المستشرقون الجدد صورة دقيقة عن تفاصيل الحياة اليومية في جبل لبنان وسائر أرجاء المشرق العربي. واهتموا بأسماء القرى، والعائلات، والطوائف، والمدارس، والبعثات التبشيرية، والمطابع، وأنواع السلع الزراعية والحرفية، ونشاط الأجانب في جبل لبنان وبيروت، وارتباط الطوائف اللبنانية بالدول الأوروبية وغيرها.

وبرز اهتمام روسي متزايد بتعزيز الروابط الطائفية والتربوية مع بعض طوائف جبل لبنان عن طريق نشر اللغة الروسية.

ليس من شك في أن تطور الاستشراق الروسي عن جبل لبنان المشرق العربي قد تزامن مع اهتمام روسيا القيصرية بالأراضي المقدسة في فلسطين وادعائها حماية طائفة الروم الأرثوذكس في هذه المنطقة. فقد فتحت الجامعات والمعاهد الروسية الكبيرة أقساماً خاصة بهذا الجانب كان لها الدور الأساسي في تكاثر عدد المستشرقين الروس، وفي تعلم اللغات المشرقية، كالعربية، والفارسية، والعثمانية وغيرها، إلى جانب الاهتمام بالدراسات الإسلامية وترجمة المصادر الكبرى للتعريف بالإسلام.

وحظي المستشرقون الشبان بدعم مالي لا بأس به لشراء المخطوطات العربية بشكل خاص والمشرقية بشكل عام، وتم نقلها إلى مكتبات روسيا بأعداد كبيرة. وما زالت مكتبة متحف "الأرميتاج" في سان بطرسبورج تضم آلاف المخطوطات العربية والمشرقية النادرة التي تم جمعها في تلك المرحلة.

في هذا المجال، تظهر مذكرات المستشرق كريمسكي: "رسائل من لبنان 1896 – 1898"، والتي بعث بها من بيروت وجبل لبنان إلى أهله في موسكو بوضوح تام انتشار المدارس الروسية.

فقد كانت روسيا القيصرية تساهم في تمويل عدد لا بأس به من المدارس في جبل لبنان والمشرق العربي. وقد ساعدت تلك المدارس التي أطلق عليها الأهالي اسم "مدارس الموسكوب"، على نشر الثقافة الروسية في هذه المنطقة، وبالتالي في تعزيز نفوذ روسيا القيصرية فيها، خاصة في أوساط طائفة الروم الأرثوذكس. وغني عن التذكير أن الأديب الكبير ميخائيل نعيمة من خريجي تلك المدارس، ونال منحة للتخصص العالي في روسيا القيصرية.

نقد المستشرقين الروس لمناهج الإستشراق الغربي

نشير بداية، إلى أن المستشرقين الروس، كباقي المستشرقين الأوروبيين، هم نتاج مناهج استشراقية متباينة الأهداف. فقسم منهم كان حريصا على الموضوعية والحياد في كل ما كتب. وقسم آخر كانت تحركه ميول شخصية وارتباط وثيق بمصالح دولته التوسعية في هذه المنطقة. ومنهم من بدأ بتوجيه انتقادات قاسية لما اعتبره لدى المستشرقين القدامى كنوع من المسلمات حول الأوضاع التي كانت سائدة في المشرق. ومنهم من انتقد بشدة الآراء الإستشراقية المتسرعة التي روجت لكثير من الوقائع المغلوطة تحت ستار مقابلات سريعة مع بعض حكام المنطقة، أو لمشاريع مستقبلية مرتبطة بأطماع روسيا القيصرية في مواجهة أطماع بعض الدول الأوروبية الكبرى.

مع ذلك، تقدم مدرسة الاستشراق الروسي حول تاريخ جبل لبنان وثقافات شعوب المشرق العربي الدليل الملموس على شكل متميز داخل الاستشراق الأوروبي في تلك المرحلة. فقد جمع المستشرقون الروس ما بين التعرف المعمق بشؤون منطقة جغرافية واحدة وشمولية البحث حول المناطق المجاورة لها.

وتحرر بعضهم من عقدة المركزية الأوروبية التي كانت تنظر إلى شعوب هذه المنطقة نظرة دونية وتدعي الحرص على تمدينها انطلاقا من إيمانها بتفوقها الثقافي والمادي.

لقد آمن بعض المستشرقين الروس بأن أوروبا وآسيا عالمان ثقافيان كلاهما جدير بالاحترام والتأمل.

وقد عبر المستشرق سينكوفسكي عن هذا المنحى بقوله: " لكي يستطيع المرء تفهم الشرق ينبغي عليه قبل كل شيء أن يتحرر من العبء الهائل للرواسب والخرافات والأباطيل. وعندما يخلع الباحث عن نفسه رداء الإنسان الأوروبي الهرم عليه أيضا أن يتغلب على عقبات لا تحصى تسربت إلى داخله نتيجة اختلاف الأخلاق والمفاهيم واللغات. فالمصطلحات التي يستخدمها الباحث في أوروبا والتي تعبر عن طبيعة الأشياء فيها، قد لا تصلح للتعبير عن مختلف نواحي النظام الاجتماعي في الشرق بحيث اننا قد لا نستطيع بتلك المصطلحات تفسير أمور كثيرة".

وساهم التشدد العلمي في إعداد المستشرقين الروس وتدريبهم بشكل جيد منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر في تطوير مسار متميز للإستشراق الروسي حول جبل لبنان المشرق العربي. وكانت محصلة تلك المرحلة ولادة عدد من كبار المستشرقين في روسيا والعالم، فقد نالوا ثقافة أكاديمية موسوعية ومعمقة، وأتقنوا عددا كبيرا من اللغات التراثية والمعاصرة، وأسسوا مراكز إستشراقية في معظم الجامعات الروسية الكبيرة، ونشروا الكثير من الكتب والمجلات عن تاريخ وحضارات المشرق العربي في مختلف الحقب.

نشير كذلك إلى أن الأسلوب الأدبي في التعبير عن الحقائق العلمية والتاريخية الذي كان رائجاً في روسيا القيصرية وغيرها من دول تلك الفترة شكل عقبة حقيقية أمام تطور علم الاستشراق على أسس موضوعية. وللخروج من مأزق الأناقة اللغوية، دعا بعض المستشرقين إلى استخدام لغة سهلة وخالية من الأخطاء اللغوية، دون السقوط في الأناقة اللفظية التي تنم، في غالب الأحيان، عن سد القصور العلمي بواسطة المحسنات اللفظية أو الكلام الأدبي المتأنق. وحض كبار المستشرقين الروس جيل الشباب على الكتابة بلغة البلد الذي يدرسونه.

وانتشر بينهم شعار علمي مهم تمت صياغته عبر الكلمات الآتية: "على الباحث أن يتعلم كيف يفكر بلغة غريبة عنه". وقد أشرنا سابقا إلى أن المستشرقين الجدد تصدوا للمقولات الرومانسية التي كانت تتوسع في تصوير سحر المشرق بشكل خرافي متجاهلة تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية فيه. ودعا بعضهم إلى قراءة علمية موضوعية لتاريخ شعوب المشرق بالاستناد إلى وثائقه الأصلية وليس بتكرار الصورة النمطية التي يضخها المستشرقون الغربيون عنه. كما دعا بعضهم إلى إبراز الجوانب المشرقة في نضالات تلك الشعوب ضد استبداد حكامها المحليين وولاة السلطنة العثمانية، والغزوات الأوروبية. وتساءل آخرون عن سبب تجاهل المستشرقين الغربيين للإصلاحات التحديثية المهمة التي قام بها بعض حكام المشرق من عرب وأتراك، وبشكل خاص إصلاحات محمد علي باشا في مصر، والسلطان محمود الثاني في الآستانة. وهي إصلاحات اعتمدت لاقتباس عن نماذج من الفكر السياسي العقلاني وبعض مباديء الليبرالية الاقتصادية الغربية لكنها أجهضت تحت تأثير السياسة الاستعمارية للقوى الغربية نفسها. وأكدد المستشرقون الروس في كتاباتهم على نزوع بعض

قادة المشرق العربي إلى ممارسة نوع من الحكم الذاتي الذي يعترف بالحريات المدنية والتمثيل السياسي للقوى الشعبية والتي كانت معطلة تحت وطأة الحكم الاستبدادي العثماني.

بعبارة موجزة، كان بعض المستشرقين الروس المتميزين سباقين إلى كشف زيف الشعارات التي رفعها مستشرقون غربيون شكلت دراساتهم منطلقا للسيطرة الأوروبية على المشرق العربي. وتحدث بعضهم بكثير من السخرية عن "الاتجاهات الطليعية في الغرب". وليس من شك في أن حملات بعض المسشرقين الروس على الأفكار الليبرالية الغربية التي كان بالغ المستشرقون الأوروبيون في مدحها لم تكن موجهة ضد تلك الأفكار بحد ذاتها بقدر ما كانت تعبر عن شعور ثابت لديهم بأن الهدف الكامن وراء نشرها هو نسف ركائز السلطنة العثمانية تمهيدا لاجتياحها واحتلال ولاياتها. وخير دليل على ذلك نداء الشاعر الفرنسي لامرتين الشهير الموجه إلى "الأوساط الثقافية الأوروبية الفقيرة والبائسة والأكثر معاناة، وإلى الشرائح الشعبية الفاسدة والفاسقة، للانتقال إلى الشرق المتوحش لتنويره وإنعاشه".

فقد اعتبر المستشرقون الروس أن ذلك النداء يشكل دعوة مباشرة لاحتلال فرنسا لجبل لبنان بدأت طلائعه الفعلية مع وصول الحملة الفرنسية إليه بعد تدبير المجازر الطائفية فيه بين الدروز والموارنة عام 1860.

لا بد إذن من اتخاذ جانب الحيطة والحذر في هذا المجال. إذ لم تكن مواقف المستشرقين الروس من الليبرالية الغربية تنبع من محبة للمشرق والمشرقيين بقدر ما كانت تعبر عن موقف ثقافي ذي مضمون إنساني يرى أن من واجب المثقف عدم الانحياز إلى السياسة بل إلى الثقافة. فقد كانوا حرصاء على تعميق النظرة الموضوعية المتبادلة بين أوروبا والمشرق العربي وحثهم على إقامة علاقات طبيعية ثابتة لا تقوم على الاستعلاء، والعنصرية وعنجهية التفوق الثقافي التي هي في صلب علاقات الغالب بالمغلوب. فمثل تلك المقولات تبرر السيطرة على المغلوب، وتدعو إلى "تمدينه" وإنقاذه من براثن الحكم الاستبدادي والتخلف الاقتصادي والاجتماعي. وفي حين هاجم بعض المستشرقين الغربيين تمسك المشرقيين بتقاليدهم الدينية القديمة واعتبروها مسببا للانحطاط والتخلف، امتدح بعض المستشرقين الروس التراث الإيجابي للثقافة الدينية المعمقة لدى بعض رجال الدين ومثقفي عصر النهضة العربية.

لقد شكلت الثقافة الروسية ذات النزعة الإنسانية حصانة معنوية مهمة للمستشرق الروسي بهدف الحفاظ على تراث وتاريخ وثقافات جميع الشعوب من التشويه. لذا تصدى بعض المستشرقين الروس لأساليب الشعوذة التي كانت تعتمدها الفرق الصوفية والدراويش وتقدم باسم الدين وهو منها براء. فهي تنشر الخمول والكسل والقدرية في الأوساط الشعبية، والغريب أنها كانت تلقى استحسانا كبيرا من جانب بعض المستشرقين الغربيين. ومن المستشرقين الروس من امتدح حرية المعتقد وممارستها دون خوف في جميع أرجاء السلطنة من قبل غالبية الطوائف الدينية.

وندد بعضهم بدور البعثات التبشيرية الغربية التي ساهمت بشكل ملحوظ في تأجيج التعصب الديني والتحريض على التصادمات الطائفية الدموية في جبل لبنان وسائر أرجاء المشرق العربي. وقدم بعضهم نماذج ملموسة حول اضطهاد رجال الدين للذين تركوا طوائفهم وانتقلوا إلى طوائف أخرى، داخل الدين الواحد أو خارجه. وأفضل نموذج على ذلك هو العقاب الذي أنزلته الكنيسة المارونية بأسرة الشدياق وأدى إلى موت أسعد الشدياق في السجن واعتناق شقيقه فارس الشدياق، الدين الإسلامي باسم أحمد فارس الشدياق، وهو من أبرز رواد النهضة العربية. ورأى بعض المستشرقين الروس أن ما قام به المبشرون الغربيون من عمل تربوي وثقافي تنويري لا يجوز أن يطمس الجانب المظلم في عملهم الذي ساهم في تحريض الطوائف بعضها ضد البعض الآخر، وذلك في إطار مشروع استراتيجي يرمي إلى إضعاف السلطنة العثمانية من الداخل تمهيدا لتفكيكها واقتسام ولاياتها.

بقي أن نشير إلى ما كتبه بعض المستشرقين الروس حول ظهور حركات الإصلاح التحديثية في السلطنة وولاياتها، وبشكل خاص في مصر وبلاد الشام إبان مرحلة حكم محمد علي. وكيف أن الإدارات المحلية والمجالس التمثيلية التي ظهرت في المنطقة إبان تلك المرحلة بقيت محدودة الأثر، إلا أنها أسست لحركة تحديث حقيقية قمعها التدخل الغربي. فأجهضت حركة التنوير والإصلاح، وتم تحويلها إلى اقتباس سهل قاد إلى التغريب وليس إلى نهضة تؤسس لحداثة حقيقية تحمي التراث القومي العربي من جهة، وتفتح أمام العرب بابا واسعا للإستفادة من العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة من جهة أخرى.

أخيراً، لم يخل الاستشراق الروسي حول المشرق العربي من الاتجاهات العاطفية والرومانسية طوال النصف الأول من القرن التاسع عشر. إلا أنه تطور في النصف الثاني منه، واتسم بطابع مميز في تقديم لوحة شمولية عن القضايا السكانية، والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية وغيرها.

ولعل أفضل تحية توجه إلى الاستشراق الروسي حول جبل لبنان والمشرق العربي ما كتبه المستشرق الكبير سينكوفسكي في أحد مجلدات " المكتبة الروسية الشرقية "Bibliothèque Orientale Russe التي كان يحرر القسم الشرقي مع تلميذيه سافيليف وغريغوريف في القاموس الموسوعي الذي أصدرته. فقد اعتبر في تعليق له على الطبعة الصادرة عام 1877 أن من واجبه نشر المعلومات الاستشراقية تنفيذا لرسالة معينة أوكل التاريخ مهمة تنفيذها إلى روسيا. "فإذا كان التعرف إلى الشرق يشكل ترفا لكثير من الأوروبيين في مجال الثقافة، أو ثمرة حب للمعرفة والنشاط العلمي الواسع الانتشار، فالتعرف على الشرق بالنسبة لروسيا ليس من قبيل حب الاستطلاع البسيط، بل إنه حاجة ماسة وملحة. وأن كل مثقفي الأرض ينتظرون منا معلومات في العمق عن بلاد الشرق وشعوبها. ونحن الروس فقط من بين سائر الأوروبيين نعيش على الحدود بين الشرق والغرب، ولدينا قبائل شرقية تعيش بين شعوبنا. نحن وحدنا من يحتفظ بعلاقات مباشرة مع هذه الشعوب ليس فقط عن طريق البعثات الدبلوماسية وحدها، بل لنا أيضا روابط إنسانية وعلاقات عائلية متواصلة مع شعوب الشرق".

وهذا ما يؤكد أن البعد الإنساني المفعم بروح المسؤولية تجاه المجتمع البشري بكل شعوبه لم يكن غائبا عن كتابات المستشرقين الروس تجاه جبل لبنان والمشرق العربي في القرن التاسع عشر.

ملاحظات ختامية: الإستشراق الروسي في عصر العولمة الأميركية

في مطلع تموز 2002 بدت لي موسكو مدينة أخرى مختلفة تماما عن تلك التي ألفتها في زياراتي المتكررة إليها في المرحلة السوفياتية. فبعد اكثر من خمسة عشر عاما على زيارتي الأخيرة لهذه المدينة التي كانت تعتبر عاصمة لنصف العالم طوال أكثر من سبعة عقود بدت الأمور مختلفة تماما. فالقاعدة الصلبة لنظام اشتراكي كان يقود حربا باردة وحروبا ساخنة على المستوى الكوني مع النظام الرأسمالي بدلت وجهها ليتلاءم مع توجهات نظامها السياسي الجديد الذي ما زال يبحث عن موقع له في قائمة الدول المصنفة بمجموعة الكبار في عصر العولمة.

وبعيداً عن الحنين إلى الماضي وإيديولوجياته، تبدو روسيا اليوم وكأنها لا تتجاهل هموم العرب فحسب بل تتجاهل أيضا الكثير من القضايا العالمية الساخنة. فهناك صراع حاد على مستوى بناء الدولة والمجتمع في روسيا، تشارك فيه جميع القوى الحية والفاعلة. والقيادة الروسية الحالية على قناعة تامة من أن الأولوية الآن هي لبناء الداخل الروسي الذي تعرض لهزات عنيفة خلال السنين الخمس عشرة سنة الماضية بحيث كاد المواطن الروسي أن يفقد ثقته بنفسه، وبدولته، وبعملته الوطنية، وبنظامه التعليمي، والاقتصادي، والسياسي. ليس من شك في أن جانبا أساسيا من الانهيار كان نتاج التناقضات الداخلية التي أظهرت أن النظام السابق بات عاجزا عن مواجهة التحديات الإقليمية والدولية في عصر العولمة. وظهرت خلفية المشهد الثقافي الروسي جلية في النقاشات التي أجريتها مع عدد من المستشرقين الروس الذين إلتقيتهم أخيراً، بعد غياب طويل، في رحاب معهد الاستشراق الروسي في موسكو صيف 2002. كان هاجس معرفة الهم الروسي حاضرا بقوة في الأسئلة التي كنت أوجهها للأصدقاء الروس لمعرفة توقعاتهم حول الدور المرتقب للاستشراق الروسي في السنوات القليلة المقبلة. وكانت بعض الأجوبة مذهلة في شفافيتها.

فالقاعدة الصلبة للثقافة الروسية ما زالت حاضرة بقوة في لجم أي منحى خطر يهدد مصير الشعب الروسي، ويحول روسيا إلى بلد هامشي. وسرعان ما بدأت الأمور تستقر بعد ضبط المافيات وإعادة دورة الحياة إلى طبيعتها باللجوء إلى قوة الدولة وليس إلى قوة مؤسسات المجتمع المدني.

ما زالت موسكو اليوم واحدة من أجمل العواصم الأوروبية. فقد ساهمت المرحلة القيصرية، ومن بعدها السوفياتية، في إرساء قواعد مادية صلبة لمدينة عصرية متميزة. ومن السهل على البورجوازية الروسية الجديدة أن تنطلق بقوة من قاعدة مادية عريضة لتعيد ترتيب البيت الروسي الداخلي. وقد إستخدمت تقاليد مجربة عرفتها البورجوازية الروسية إبان صعودها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وإستفادت من تراث البورجوازية الأوروبية في مختلف مراحلها والتي كانت على علاقة وثيقة جدا بها قبل قيام الثورة السوفياتية وما أدخلته من تبدلات جذرية في المجتمع الروسي القديم.

مع ذلك، فالثقافة الروسية مهمشة وعاجزة عن التواصل المثمر مع دول العالم، ومنها الدول العربية.

عرب اليوم في حالة ذهول وغياب تام عن معاناة الشعب الروسي. فليست هناك متابعة جدية لما يجري في هذا البلد الذي كان الأكثر وفاء لهم ودعما لقضاياهم المصيرية. كما أن عددا كبيرا من الطلبة العرب في روسيا تحولوا إلى تجار صغار أكثر منهم طلبة علم ومشاريع باحثين ومثقفين.

ومراكز البحث والتخطيط في الوطن العربي لا تولي سوى إهتمام محدود جدا بمستقبل روسيا في عصر العولمة والهيمنة الأميركية على النظام العالمي الجديد. والرأسمال العربي شبه غائب تماما عن التوظيف على الساحة الروسية تحت ستار غياب الإستقرار الداخلي، أو مخاطر عودة الإشتراكية إليها. أما الدعم المالي العربي للمستشرقين الروس المهتمين بتراث العرب وثقافاتهم فيكاد يكون معدوما. ويواجه هؤلاء مأزقا معيشيا حادا بسبب انخفاض الرواتب بصورة كارثية مع ارتفاع جنوني في تكلفة الحياة الاجتماعية وضرورات العيش الكريم.

نتيجة لكل ذلك، إستغلت إسرائيل تلك الأزمات فباتت حاضرة بقوة في جميع مراكز البحث العلمي ذات الصلة بالشرق الأوسط. ولديها قسم خاص بدراسة إسرائيل وقضايا الشرق الأوسط داخل معهد الاستشراق القديم. وهو يصدر دراسات جماعية بشكل دوري يستفيد منها عدد كبير من المستشرقين الروس المتعاونين مع إسرائيل. ويقدم لهم الكثير من الإغراء المادي، والرحلات المجانية لزيارة مراكز الأبحاث والإعلام والدعاية في إسرائيل.

ختاما، تمر الدراسات العربية في معاهد الاستشراق الروسية اليوم بأزمة مالية حادة ناجمة من غياب الدعم الرسمي لتمويل هذا القطاع، وفرض التعليم المدفوع الأجر باستثناء نسبة مئوية ضئيلة من الطلاب الذين يحصلون على منح مالية من الدولة. ومن المتوقع أن يتقلص عدد الباحثين والمهتمين بالقضايا العربية بشكل عام، خاصة أولئك الذين أنصفوا العرب في دراساتهم العلمية. والأنظمة العربية، على جاري عادتها، لا تظهر أي إهتمام بالمراكز العلمية، الروسية وغير الروسية، ذات الإهتمام الجدي بالقضايا العربية والتي تحتضن عشرات المستشرقين الروس الذين لعبوا دورا كبيرا في تنوير الشعب الروسي حول تراث العرب، وتاريخهم، وثقافاتهم، وقضاياهم العادلة.

كلمات مفتاحية: الاستشراق، المستشرقون، روسيا، العالم العربي، لبنان، العولمة، أميركا، إسرائيل

الكاتب: أ.د. مسعود ضاهر (باحث لبناني)

المصدر: كتاب التنوع الثقافي: تجربة روسيا والمشرق العربي. إعداد وتقديم د. سهيل فرح. إصدار اللجنة الوطنية للأونسكو والبيت اللبناني الروسي. بيروت ٢٠٠٥.