الرئيسية » حضاريات » الإصلاحات الحداثية و متن العقائد المسلمة … سامي زبيدة الجزء الرابع
الإصلاحات الحداثية و متن العقائد المسلمة

الإصلاحات الحداثية و متن العقائد المسلمة … سامي زبيدة الجزء الرابع

كالتجسيدات الأخيرة للإخوان المسلمين وحزب العدالة والتنمية التركي (AKP) (على الأقل نظرياً!)…

متن العقائد المسلمة

مواجهين بالتحديات السياسية للجهادية من جهة و"الإسلاموفوبيا" من جهة أخرى، صدرت عن السياسيين والمعلقين تصريحات تتعلق بالإسلام: وتيرة الجهادية العنيفة، نسمع تأكيدات أن الإسلام هو "دين السلام". أو على العكس، نسمع تصريحات يمينيين أن الإسلام توسعي وعدواني بطبيعته. كما نسمع توصيفات متنوعة لماهية الدين من قبل مناصريه.

لكن كطلاب، ومؤرخين ومحللين للدين وسياقاته السياسية والاجتماعية فلا يمكننا أن نؤيد أياً من هذه الماهيويّات (essentialisms).

يشمل الإسلام مكونات عديدة، طبقات أيديولوجية وتاريخية. ويمكن للمؤمن الحديث والملتزم بالدين أن يفيد من عناصر مختلفة من المتن الإسلامي: الكتب (النصوص المقدّسة)، القرآن، والأحاديث النبوية. السنة والحديث، إذ يحوي كلاهما رسائل متباينة ومختلفة، كما الإنجيل؛ ومعظم مسارات ومدارس الفقه. وعلى قدم المساواة المسارات المختلفة للتصوف؛ الأساطير والأمثلة التاريخية (أساسية بشكل كبير لتكوينات الجهادية)؛ ومتن الإصلاحيين الحديثين المُشيّد لتوافقٍ ديني مع نماذج الحكومة والمجتمع الحديث.

حظي الإسلام الليبرالي الإصلاحي بتأييد شعبي واسع في أوائل القرن العشرين، وحتى السبعينات منه، مع الايديولوجيات والمشاريع التقدمية والقومية السائدة والمتصلة غالباً مع الأفكار اليسارية. لكن انهيار مصداقية هذه المشاريع والأيديولوجيات اليسارية أسفر عن ظهور سياسات الهوية في العديد من أجزاء العالم، التي تكون فيها الانتماءات الدينية والإثنية مركزية.

 

كما تقتضي سياسات الهوية التشديد على الاختلاف عن الآخر الغربي. وعادةً ما يرتكز التمسك بالدين بين المسلمين في بلدانهم التي يشكلون غالبيتها وفي الشتات الغربي على انتماءات وأحاسيس لا تساند الإصلاحية الليبرالية. وتدفع الظروف المتأزمة للأمن والمعيشة الناس، في كثير من بلدان العالم المسلم، إلى التماس الحماية في شبكات جماعية من الأقارب، القبيلة والزبائنية، التي تلعب فيها السلطة الدينية دوراً مهماً. السلطوية الجماعية والأبوية مدعومةً بضوابط وقواعد دينية. تعزّز هذه التشكيلات المشاعية، العديد من الجوامع، والمدارس الإسلامية والجمعيات الخيرية، المموّلة من  مِلاك وهبات سعودية. وفي حين أن العديد من السلفيين ليسوا متشددين عنيفين، فإن هذه الأفكار والمؤسسات تنجز تحولاً إلى الجهادية: كانت طالبان في بادئ الأمر نتاج المدارس الإسلامية ذات التمويل السعودي في باكستان.

يضم المسلمون في الغرب العديد من التجمعات الاجتماعية، الإثنية والفئوية، مع دين يلعب أدواراً متفاوتةً في حياتهم. تُغري مفردات الإصلاحية الليبرالية العديد من متعلمي الطبقة الوسطى والمسلمين المهنيين، إلى جانب العلمانية الصلبة.

بينما يشمل الدين الأصولي والمحافظ جماهير مختلفةً.  العناصر الأبوية والاجتماعية  حريصة على الحفاظ على ضوابط أخلاقية واجتماعية، وهي قلقة بخصوص التلويث الناجم عن الحريات الفردية الغربية لنسائهم وأطفالهم، وتلتمس العلاجات في تأكيد الضوابط الدينية. أما سياسات الهوية، والتي يمكن أن تسمى "القومية الأمة"، أي فكرة مجتمع إسلامي عالمي في مواجهة العدوانية أو التحدي الغربي/المسيحي واليهودي، فتغذي أيضاً توجهاً أصولياً أكبر.عززت هذه الأحاسيس وتعزز زيادة العنصرية والحركات والأفكار المعادية للمسلمين في الغرب. وجاذبية الجهادية لبعض الشباب المسلم هي جزء من هذه النزعة.

إذاً، كان الإسلام عُرضةً للعديد من "الإصلاحات"، بما في ذلك الإصلاحات العقلانية والليبرالية.  فقط، في ظل الشروط المبينة أعلاه، تملك هذه الأفكار جاذبية قليلة للعديد من الجماهير المسلمة في الوقت الحاضر. أما أولئك الميالون إلى الأفكار الليبرالية، فعلى الأكثر هم مسلمون اسميون أو علمانيون.

 

سامي زبيدة :

عالم اجتماع عراقي، يعمل أستاذاً لعلم الاجتماع السياسي في كلية بيركبك، جامعة لندن. صدر له عدد من الكتب منها: "السلطة والشريعة في العالم الاسلامي"، "مذاق الزعتر: تاريخ الطعام في الشرق الأوسط"، "ما وراء الإسلام: نحو فهم جديد للشرق الأوسط".