الرئيسية » حضاريات » الإسلام ومشكلة العمل المشترك (التعاون) بين الحضارات – نور كيرابيف خاص بالموقع / الجزء الخامس والاخبر
الخيار الحضاري اليوم يتحدّد بدرجةٍ كبيرة من خلال ثلاث إشكاليات مترابطة

الإسلام ومشكلة العمل المشترك (التعاون) بين الحضارات – نور كيرابيف خاص بالموقع / الجزء الخامس والاخبر

ذلك أنّ قدرة هذه الحضارة على الحياة ترتبط بمرونة مختلف طرائق التوافق الداخلي بين مكوّناتها وبديناميّتها ولُيونتها، بما في ذلك مقدرتُها على أعمق أنواع التجديد. وبالطبع، يتعلّق قَبول هذا التجديد أو ذاك بمدى قُدرته على دعم استقرار حياة الحضارة الإسلامية بالكامل وتطوير هذا الاستقرار.

ولا نِزاع في أنّ الحضارة الإسلامية تمتلك ذاكرةً تاريخية عميقةً، أتاحت لها أن تعتبر نفسها على مدى قرونٍ كثيرة قادرةً على الحوار مع بقية الحضارات، وهي بهذا المعنى تُعَدُّ منفتحةً على العمل المشترك مع بقية الحضارات. لكنْ مع ذلك، فقد وجّه القرن العشرون -لا سيما النصف الثاني منه- إهاناتٍ كبرى للمسلمين؛ إذ كان عليهم إدراكُ أنّ الحضارة الغربية -ومن حذا حذوها- قد سبقتهم بأشواط كثيرة، بل أكثر من ذلك، كان عليهم وعيُ حقيقة أنّ الغرب قد تغلغل في كل نواحي حياة المسلم، وأثار -وما يزال يثير- انعكاساتٍ مَرَضيةً إلى درجةٍ كبيرة. وعلى الرغم من أنّ الإصلاحيين-الحداثيين المسلمين حاولوا الجمع بين إنجازات العلم الغربي والتكنولوجيا وبين مؤسّسات الإسلام وقِيمه الأساسية، فقد كانت النتائج الحاصلة مُخيّبةً للآمال إلى حدٍّ كبير. من ثَمّ، أُعدّت بحوثٌ كثيرة عن الطريق الخاص للتطوُّر؛ ما يُثير بدوره خوفاً كبيراً في بلدان الغرب. لذلك، فإنّ على جدول أعمال اليوم مسألةً مُهمّة تتمثّل لا في التغلُّب على اختلال التوازن بين العالمَين الغربي والإسلامي فحسب، بل وتحديد سُبل عملهما المشترك والمنسجم المُحتمل كذلك. وفي أثناء ذلك، من المهم أن تحاول هاتان الحضارتان أن تفهم إحداهما الأخرى، وألاّ ترى إحداهما في الأخرى ما تريد أن تراه فقط.

لعلّ من غير الضروري أنْ نشرح أنّ الإسلام لا يمكن أن يقتصر على كونِه مُجرّدَ تعليمٍ ديني فحسب؛ فالإسلامُ نظامٌ متكامل يضع ويوصف نمط الحياة والسلوك، كما يضع ويوصف منظومة القيم الأخلاقية، والثوابت والمفاهيم النفسية. لذلك، فإنّ المفكّرين المسلمين ينظرون بتلك الريبة المرَضية إلى عمليات العولمة المعاصرة، التي يرون فيها مرحلةً جديدة من مراحل تغريب البلدان الإسلامية.

لقد وصلتْ الإنسانية، بكلّ تنوُّعها، في عصر العولمة الحديث إلى حدٍّ من تبادُل التأثير لا رجعة عنه في نواحي الحياة كافةً، الاقتصادية، والسياسية، والثقافية والروحية. فالعولمة، بوصفها عملية تكامُل مختلف مكوِّنات البشرية -بعكس عملية تبايُن البشرية- تُولّد في مسيرة تطوُّرها فهماً نوعيّاً مُغايراً للبشرية، بمعنى أنّ البشرية تتمثّل فيها بشكل تشارُكيةٍ شاملة.

إنّ تحليل المؤلّفات الكثيرة حول مشكلة العولمة يدلّ على أنّ الرؤية الشاملة لتطوُّر العالم المعاصر تُبيّن أنّ ثمة عمليةَ صياغةٍ جديدة للعالم، يمكن تمثيلُ قطبَي هذه العملية على الشكل التالي:

فمن جهة، العولمةُ حتميةٌ، ولا مفرّ منها، ومُقدّرةٌ سابقاً، وهي تُعمَّمُ وتُزيل كلّ الفوارق –بدءاً بالفوارق الاقتصادية، وصولاً إلى الفوارق الثقافية- كما أنها تُكافئ "التغريب" أو "الأمْرَكة"، ولا بديل عنها، وهي تقضي على مفهوم الدولة المستقلّة.

ومن جهة أخرى، العولمةُ ليست حتمية، بل هي قابلةٌ للرجوع عنها، وهناك بديلٌ لها، هو على شكل وحداتٍ دينيةٍ وقومية مُفترضة ضدّ التغريب والأمركة، التي تُعمّق التفاوت بين الدول الغنيّة والفقيرة، و"تُشرعِنُ" هيمنة الرأسمالية الاحتكارية العالمية.

لسنا نهدف من وراء ذلك إلى أنْ نُعطي تحليلاً شاملاً لمفهوم العولمة ولا لعمليّـتها الإشكاليَّين، وإنما نريد فقط أن نبحث في العولمة بوصفها توجُّهاً نحو بناء حضارةٍ عالميةٍ وثقافةٍ من نوعٍ ما؛ ذلك أنه كقاعدة، لا يُنظر إلى العولمة في النظريّات المُتعدّدة والهيكليات السياسية بوصفها استمراراً للثقافة أو للحضارة الجديدة، بل يرون أنها يجب أنْ تُبنى إمّا على هيمنة قيمٍ واحدة، وإما على تجاوُز المقاربة القيمية وإحالة مشكلة التساوي إلى فكرة إعلامية-ثقافية.

لقد كانت كلُّ مرحلةٍ من مراحل العولمة مرتبطةً مباشرةً بإنجازات العلم والتِقْنية وبالاستبدال التقدّمي للأنماط الاجتماعية السائدة؛ حيث إنّ كل إنجازٍ من إنجازات التقنية الراشدة (من الآلة الأولى إلى تكنولوجيا المعلومات المعاصرة) كان يفتح صفحةً جديدة في تاريخ العولمة. ولم يكن تأثيرُ هذه الاكتشافات في دينامية العمليات العالمية الشاملة مُمكناً إلاّ في حال كون المجتمع مُحتاجاً إليها.

ثم إنّ التحديث المتواصل للغرب وتغيُّر البنية الاجتماعية فيه قد مَكّناهُ من توسيع دائرة تأثيره، بالمعنى الواسع للكلمة، في سائر أنحاء العالم. بينما كانت خُصوصية البنية الاجتماعية للشرق الإسلامي، التي يمكن اعتبارُها مُحافِظة، بدءاً من القرن السابعَ عشر تُعيق التوسُّع النشيط للغرب، السياسي والثقافي على حدّ سواء، وذلك على الرغم من أنّها لم تكن تملك طاقةً خاصةً من أجل التحديث. لذلك، فقد توجّهت عمليات العولمة من "المركز" إلى "الأطراف". وهكذا، يكون مفهوم العولمة في الواقع هو مفهوم "التغريب"، وهذا ما يُؤكدُه حقيقةُ أنه مِن بين 188 بلداً عضواً في هيئة الأمم المتحدة، 36 منها تُمثّل القارّة الأوروبية، 125 بلداً كانت في وقت من الأوقات واقعةً تحت سيطرة الاستعمار الغربي.

من الجليّ أنه يجب ألاّ تكون الحقيقةُ التاريخية ضحيةً للغايات السياسية غير النزيهة، بمعنى أنّ بإمكاننا أن نقول: إن العولمة في تطوُّرها التاريخي وصولاً إلى زمننا الحاضر، هي عبارةٌ عن عملية تكريس الهيمنة الأوروبية على العالم (أمّا الولايات المتحدة، وكندا، وأوستراليا ونيوزيلندا، فإنها تُعتبر "فروعاً جانبية للغرب")، وإذا تحدّثنا عن أنّ عملية العولمة تجري اليوم وَفْق "سيناريو الولايات المتحدة"، فإنّ ذلك لا يُغيّر مبدئيّاً شيئاً من واقع الأمر؛ لأنّ دُروس العولمة التاريخية في السنوات السبعين الأخيرة تدلُّ على أنّه قد كان من خصائصها تشكُّل ثقافةٍ اجتماعية واقتصادية جديدة في مناطقَ مُستقلّةٍ من العالم. وقد مهّدتْ هذه العمليةُ، بشكلٍ أو بآخر، السبيل للتطوُّر المُتسارع للشعوب القاطنة في هذه المناطق.

إلاّ أنّنا لا نميل إلى الاعتقاد أنّ الاستعمار الأوروبي كان خيراً مُطلقاً لبلدان العالم الثالث؛ إذ ما زال الاستعمارُ وآثاره إشكاليةً جدلية في التاريخ العالمي. على أنّنا، من دون الدخول في جدل حول هذه المسألة، نودُّ الإشارة إلى أنّ بالإمكان النظر إلى تأثير عمليات العولمة في تطوُّر بلدان العالم الثالث، بما فيها البلدان الإسلامية، من وِجهتين على الأقل:

أولاً: إذا اعتبرنا أنّ الهدف الرئيس للثقافة يتمثّل في أنها وسيلةٌ للتعبير عن الوحدة الإنسانية في الصورة الاجتماعية، فيمكن القول آنئذٍ إنّ الأسس الروحية-القِـيمية للحياة الاجتماعية لبلدان الشرق الإسلامي مرتبطةٌ بصورةٍ وثيقة بالوسط الاجتماعي.

 ثانياً: لكنّ تاريخ تطوُّر الثقافة الإسلامية يدلُّ على أنّ إنجازاتِها الرائدة ليست نتيجةً مباشرة للكِيان الاجتماعي؛ إذ يمكن اعتبارُ الكيان الاجتماعي شيئاً مُشتقّاً (بمعنى أنه يأتي تالياً)، أمّا الدينُ -أو الفهم الديني للشخصية- فهو أساسُ بداية المجتمع الإسلامي. على أنّ ذلك يُناقض مُسلَّمةً بدَهيةً معروفة، مُفادُها أنّ الإسلام هو: "دِين الجماعة". ولا شكّ في أنّ من الصعب الكلام اليوم عن مفهوم ما، ذي دَلالةٍ وحيدة لتأثير عمليات العولمة في تطوُّر الحضارة الإسلامية؛ ومردُّ ذلك إلى أنّ العالم الإسلامي ليس متجانساً إلى حدٍّ بعيد، ومُشتّتٌ في مختلف نواحي الحياة الروحية للشعوب التي تعُدُّ نفسها تنتمي إلى الحضارة الإسلامية. والواقع أنّ هذه المسألة تحتاج إلى دراسةٍ مُتأنّية وجِدّية بصورةٍ كافية.

وإنّنا لَنعتقدُ أنّ من المهم أنْ نُجيب عُموماً عن سُؤال: ما الذي تحمله العولمة معها: ازديادُ تجانُسٍ، أم ازدياد تبايُنٍ وفُرقةٍ بين البشر؟.

لا ريب في أنّ الجواب الفلسفي: "هذا وذاك، في آنٍ معاً"، مُغرٍ كثيراً، مع أنّ التوجُّه نحو التباين لا يُؤدّي بصورةٍ آليةٍ إلى انحلال الوحدة؛ لأنّ آلياتِ تناسُب أجزاء الوحدة العولمية ومبادئَها تُوضع باستمرار. لكن، من البدَهي أنّ هذا الجواب ليس مقبولاً؛ وذلك بسبب عُموميّـته القُصوى وتجريديّـته، وما يزال الجواب أو الأجوبة أمامنا.

لقد كانت الحضارة الإسلامية على مدى ستة قُرونٍ تقريباً، من القرن السابع إلى القرن الثالثَ عشرَ للميلاد، مثالَ الانفتاح على الحوار مع بقية الثقافات والحضارات؛ فقد ساهمت رُوح قَبول الآخر الدينيةُ والثقافيةُ إلى حدٍّ كبير في بناء الخلافة العربية ذاتها من الهند إلى جبل طارق. وهكذا غدتْ الحِكمةُ الفارسية والعقلُ اليوناني مُكوِّنَيْن مُهمَّين لروحية الثقافة الإسلامية؛ إذ في ظروف التعدُّدية الاقتصادية-الحقوقية والدينية في إطار الإسلام، لم يكن العرب وحدهم مُبدِعي الثقافة العربية-الإسلامية، بل كان إلى جانبهم مُمثّـلو عشرة شعوبٍ أخرى.

وعلى الرغم من شتّى أشكال الصدامات والحروب بين العالم العربي-الإسلامي وبين أوروبا القرون الوسطى، وعلى الرغم من مختلف أنواع الفتن ضمن الخلافة ذاتها، فقد أصبحت بغداد، ودمشق، والقاهرة، وقرطبة مراكزَ ثقافيةً تُحدّد مسيرة العمل المشترك مع بقية الحضارات. ثمّ إنّ الانفتاح على الحوار بالذات هو ما أتاح لأوروبا القرون الوسطى أن تَعتبر، لا موروثَ الثقافة الأنتيكية الذي حافظ عليه العرب ونقلوه إلى غيرهم فحسب، بل وإنجازات الفلسفة والعلم والثقافة العربية الإسلامية كذلك، أجزاءً مُكوِّنةً لثقافتها الخاصة. ولعلّ من المثير أنْ نلاحظ أنه في مناطق تماسّ العمل المشترك بين الحضارات، تشكّلت وتطوّرت ثقافاتٌ مستقلّة كانت تنتمي إلى الحضارة الإسلامية والأوروبية في آنٍ معاً.

ومن الأهمّية بمكانٍ أن نلاحظ أنّ الانفتاح على الحوار وإثمار العمل المشترك للثقافتين الإسلامية والأوروبية قد تَحدّدا بظرف أنّ الثقافتين كِلتيهما تشكّلتا وتطوّرتا في فضاء الحضارة المُتوسّطية الواحدة؛ فقد كان استقرار عمل الثقافات المشترك في إطار الحضارة المتوسطية مُرتبطاً بالمبادئ الأساسية للطريقة الواحدة في رؤية العالم على قاعدة الثقافة الأنتيكية والملّة الإبراهيمية.

وفي تقديرنا، فإنّ الأساس المتين للعالم الإسلامي في القرون الوسطى، الذي تشكّل بالحد الأدنى من ثلاث خِلافات (الخلافة البغدادية، والفاطمية والقُرطبية) ومن كثيرٍ من الإمارات المختلفة، هذا الأساس هو التعدُّدية وقبول الآخر. وهكذا، أنجبتْ الثقافة العربية الإسلامية ابنَ رشد العظيم، الذي حدّدت أفكارُه الأساسية مسار تطوُّر أوروبا القرون الوسطى، وذلك من خلال تعاليم المُرشدين اللاتينيين عن "ثمائية الحقيقة"، ولكن مع الأسف، لم تعرف الثقافة الإسلامية نفسُها الرُّشدية (منهج ابن رشد).

لقد كان القرنُ الخامسَ عشرَ موضع الانعطاف في تاريخ العالم الإسلامي، الذي وجد نفسه أمام بديلٍ حضاري يتهدّده؛ إذْ باحتلال بيزنطة في عام 1453 وتطوُّر الإمبراطورية العثمانية، لم تعُد التعدُّدية، وقَبولُ الآخر، والانفتاحُ على الحوار مع الحضارات الأخرى هي الأُسس التي يقوم عليها العالم الإسلامي، بل أصبحت الهيمنة الدينية المُحافظة الحادّة هي السائدة، كما لم يكن الحوار هو الخيار التاريخي الحضاري، بل مجابهة الخلافة العثمانية مع الحضارة الأوروبية. وهذا ما أدّى إلى أنْ يرى العالمُ الإسلامي أوروبا ويسمعها بالشكل الذي يُريد أن يسمعها ويراها به؛ ذلك أنّ كثيراً من إنجازات الحضارة الأوروبية، من القرن الخامسَ عشر وحتى القرن التاسعَ عشر تقريباً، أصبح يُنظر إليها بوصفها شيئاً يُهدّد الثقافة الروحية للعالم الإسلامي ويُفسدها. ولا شكّ في أنّ موقف الانغلاق المبدئي على الحوار قد ولّد توجُّهاً نحو ظُهور حركاتٍ اجتماعية-سياسية راديكالية وتَـناميها.

والواقع أنّ الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية قد كانت على شيءٍ من التطوُّر، ولكنّه الآن أصبح على هامش الإمبراطورية العثمانية؛ فلا القاهرةُ، ولا دمشق، ولا بغداد، وإنما اسطنبول بالذات هي التي غدتْ واجهة العالم الإسلامي. وهكذا، فقد كان تاريخُ تطوُّر الخلافة العثمانية كُلُّه تاريخاً لانحدار الثقافة الإسلامية الكلاسيكية، وتاريخاً لنضال المناطق البعيدة في سبيل نيل الاستقلال. والظاهر أنّ ثقافة العُثمانيين لم تصبح قاعدةً جامعةً لكلّ مُكوّنات الحضارة الإسلامية الموحّدة، كما لم تتمكن الخلافة التركية من رؤية إنجازات العلم والثقافة والفلسفة الأوروبية، ولا من الانتقال إلى مرحلة التطوُّر الصناعي، وبالتالي لم تقبلها.

بَيد أنه في نهاية القرن التاسعَ عشر وبداية القرن العشرين، وعلى هامش الخلافة العثمانية، ولا سيما في مصر، برزت أفكارٌ جديدة، أظهرت أنّ مرحلة خيارٍ حضاري جديد قد بدأت، وذلك من خلال أفكار جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي عن القومية والحداثة، والتي ساهمت بصورة كبيرة في تفكُّك الإمبراطورية العثمانية؛ فقد أدّى مكرُ العقل في التاريخ سُخريته الجديدة، وذلك عندما انبرى "أتاتورك" ليُعلن في عام 1921 قيام دولة تركيا العلمانية. وهكذا، وفي مركز هذه الإمبراطورية، انتصرت أفكار القومية التي نشأت على أطرافها؛ إذ لم تتمكّن الإمبراطورية العثمانية من أن تكون قاعدةً جامعة للعالم الإسلامي، بل ولم تعُد راغبةً في ذلك، بل أكثر من ذلك، أصبحت هي التي أفسدت العالم الإسلامي، حينما أعلنتْ أنها جُزءٌ مُكوِّن من أوروبا، وقبِلتْ الغرب "بوُروده وأشواكه". على أنّ الخيار الحضاري في بداية القرن العشرين أدّى إلى ظُهور اثنتَينِ وعشرين دولةً عربية مُستقلّة، بالإضافة إلى فلسطين، وقد كافحت هذه الدول ونالت استقلالها على امتداد النصف الأول من القرن العشرين.

إنّ الخيار الحضاري اليوم يتحدّد بدرجةٍ كبيرة من خلال ثلاث إشكاليات مترابطة، على الأقل يجب أن يُمكّن حلُّها العالمَ الإسلامي، الذي كان يوماً موحّداً، من أن يرتقي إلى مستوى الانفتاح على الحوار مع الحضارات الأخرى، ونعني بذلك محاولة التوفيق أو المُلاءمة بين الإسلام، والقومية والحداثة: أمّا الإسلام، فيُنظر إليه بوصفه الأساس الحضاري، وأمّا القوميةُ فبوصفها مُكوِّناً ثقافيّاً رسميّاً، وأمّا الحداثة فبوصفها سياقاً عامّاً يجب أن يُمكّن العالم الإسلامي من الاستجابة لتحدّيات العولمة. في زمننا الراهن، يمكن القول إنّ عملية تشكُّل الوحدة القومية-الرسمية للبلدان الإسلامية لم تكتمل بعد، إذ تُزلزل هذه العمليةَ تغيُّراتٌ اجتماعية-سياسية راديكالية، لا تسمح عُموماً بالحديث عن استعداد العالم الإسلامي للحوار مع بقية الثقافات والحضارات. وعلى الرغم من أنّه يجب علينا –للإنصاف- أنْ نلاحظ أنّ ثمة اختراقاً على مستوى عدة دُولٍ عربية منفردة، فإنّ هذا الحوار ليس ثقافيّاً بقدر ما هو تكنولوجي.

وإذا أخذنا في الحسبان أنّ الإسلام هو ميزةٌ حضارية، فلا بُدّ من أنْ نُلاحظ أنه يضُم في ذاته ثقافات شعوبٍ كثيرة لم يشترك الجزءُ الأكبر منها في المصير التاريخي. ولذلك فإنّ دراسة إشكالية الإسلام في سياق حوار الشرق-الغرب يجب أن تأخذ بعين الاعتبار التأثيرَ المتبادل بين الثقافات المتلاقحة داخل الحضارة الإسلامية نفسِها. ومن وجهة نظرنا، فإنّ قاعدة الحوار بالمعنى الواسع للكلمة، يمكن أن تكون هي التعدُّدية الثقافية، نظريةً، وممارسةً وسياسةً؛ إذ يمكن النظر إلى التعدّدية الثقافية بوصفها طريقةً وُسطى لإنشاء فضاءاتٍ حضارية حُرّة، من دون إفساد الحياة التقليدية للأعراق التي تشكّلت عبر تاريخ الحضارات المحلّية المحدودة. غير أنّه سينجُم عن تقاطُع الثقافات مجموعةٌ من المشكلات، ولتجنُّبها من الضروري:

أولاً: حلّ مسألة الحدود.

ثانياً: تحديد الميدان الاجتماعي الذي يمكن البحث فيه عن التوافق.

ثالثاً: إقامة النقاش المدعُو إلى تحقيق مثل هذا التوافق.

والواقع أنه إذا نظرنا إلى التاريخ من منظور التعدّدية الثقافية، يمكن افتراض أنّ نظرية العولمة بتوجُّهها إلى الفهم الخطّي المتصاعد للتطور العالمي، تحتاج إلى تغييراتٍ وتصحيحات. وعلى نحوٍ خاص، إذا أخذنا بالاعتبار تميُّز الحضارة الإسلامية بشكلٍ عام، والثقافات الكثيرة داخل الحضارة الإسلامية، فمن الممكن النظرُ إلى التطوُّر لا بوصفه مُتصاعداً خطّياً فحسب، بل ودوريّاً (اهتزازيّاً) وحلزونيّاً كذلك. والظاهر أنّ مفهوم عدم التوافق التاريخي يجب أن يأخذ مكانه أيضاً.

 

 

نور كيرابيف –  نائب رئيس جامعة الصداقة بين الشعوب (روسيا)