الرئيسية » حضاريات » الإسلام وحوار الحضارات – مهدي صنايعي
banner-abu-dhabi-grand-mosque.jpg

الإسلام وحوار الحضارات – مهدي صنايعي

يزداد إدراك الإنسانية، لقدرة الحضارات الموجودة في العالم المعاصر، وواجب عليهم التعايش والتعاون معاً، وحسب المستطاع تكملة وتحسين بعضهم بعضاً. ومن هذا المنطلق، وكذلك من منطلق الوضع الحقيقي للنظام العالمي، المرتبط بالدرجة الأولى بالمستوى المعاصر للتقدم العلمي والتقني، يمكن استنتاج ضرورة تقوية الروابط والعلاقات بين مختلف الثقافات وبالتالي بين مختلف الحضارات.

إن مبادرات رئيس جمهورية إيران الإسلامية السيد خاتمي بخصوص فكرة حوار الحضارات كعامل رئيسي في العلاقات ذات الطابع العالمي، مرتبطة بالإدراك العميق لهذه الضرورة بالتحديد.

ومع أخذ هذه الضرورة بعين الاعتبار، يلاحظ: “إن حوار الحضارات ـ هو محفز لتشكيل نموذج عام لتعافي العلاقات الدولية، وتجنب المناهج والحوارات أحادية الجانب في السياسة والثقافة”.

حيث ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار، أن الحضارة كنظام اجتماعي لا يجب أن تُفهَمَ كمجموع ميكانيكي للعناصر المُكَوِّنة (البلدان، الشعوب، المناطق)، بل ينبغي النظر إليها باعتبار نوعية النظام الجديد الذي حصلت عليه أثناء “التأثير المتكامل”. فمثلاً، بالنسبة للحضارة الإسلامية كان هذا “التأثير المتكامل” هو كلمة الله. لأنه فعلاً، “الحضارة الإسلامية ـ هي إحدى الحضارات القليلة، التي ظهرت وانتشرت على أساس نص مقدس واحد ـ القرآن المقدس”.

هنا تجب الإشارة، إلى أن العناصر المكوِّنة لنظام الحضارة الإسلامية هي الشعوب والبلدان، التي كانت قبل نزول القرآن المقدس تختلف بحدة عن بعضها بعضاً من حيث الخصائص العِرقية، والاقتصادية الاجتماعية، والجغرافية، المتواجدة على مستويات مختلفة من التطور الثقافي. وإن الامتثال للنداء الرباني كان بمثابة عامِل دمج قوي، سمح بتشكيل الحضارة الإسلامية. ولكن في الوقت نفسه، فإن جميع مكونات نظام الحضارة الإسلامية، أي الشعوب المسلمة، تحافظ على خصائصها الثقافية وتنوعها، بحيث تقوم كل خاصِّيَّة على طريقتها برفد وإثراء الحضارة (الإسلامية): “هنا بالتحديد يكمن سر تنوع وغزارة منجزات الثقافة الإسلامية: فكلمة الله الموحدة ولَّدت كثرة من التفاسير وتنوعاً في أشكال التعبير”.

إن الشعارات الموجزة والبالغة الأهمية، المطروحة كطرق رئيسية في الحوار بين مختلف الحضارات وبشكل خاص بين الحضارتين الإسلامية والغربية (والتي غالباً ما يقسمها علماء العلوم السياسية إلى أوروبية وأمريكية شمالية)، هي إتقان “التحدث” و”الاستماع” و”الفهم”.

من هذا المنطلق كل فرد من المجتمع البشري كـ “شخصية”، يشمل الملامح المشتركة، وخصوصية كل ثقافة يحملها هؤلاء الأفراد، يتوصل إلى الاستنتاج التالي: “يتركز داخل الإنسان روح الشرق وعقل الغرب، وإنكار هذين المكونين للكائن البشري جعل فهمنا لجوهره ناقصاً وغير كافٍ”.

ويأتي هذا الحكم في الإسلام من تعاليم القرآن الكريم، فيه وَعَدَ جميعَ أتباع الديانات التوحيدية (المسلمين، والمسيحيين، واليهود، والصابئة، والزرادشتيين… وإلخ) بكل أنواع المنافع والمزايا ونَسَبَ إليهم التسامح والقدرة على الاستماع إلى بعضهم بعضاً.

والأداة الهامة في هذه العملية هي تعلُّم العلوم، ولا عجب في أن الآية الأولى، التي أنزِلت على نبي الإسلام، تبدأ بكلمة “اقرأ”(السورة 96، الآية1). وباتباعه للأمر الوارد في الآية، منح نبي الإسلام أهمية كبيرة للعِلم وأوصى جميع أتباعه بالسعي وراء العِلم. وبالطبع، فهذه الطريقة هي من أكثر الطرق ثقة في العلاقات بين الحضارات والحوار فيما بينها، فالإسلام لا يَعترف بأي حدود في مسائل النهوض بالقيم العلمية والثقافية.

وهكذا، فإن المطلب القيِّم للتعاليم الإسلامية هو التسامح، الذي يُعدُّ فرضاً على جميع أفراد الأمة الإسلامية. فمثلاً، كتب علي بن أبي طالب في رسالته إلى والي مصر مالك الأشتر: “وأشعِر قلبكَ الرحمة للرعية (بغض النظر عن انتمائهم الديني)، والمحبة لهم، واللطف بالإحسان إليهم، فإنهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق”.

وفي حالة أخرى، تحدث عن أهمية الآراء، بغض النظر عمن قالها، فأشار: “لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال”. أي أن ما يجب تبنيه وتقديره هو الأفكار بحد ذاتها و القيم الثقافية، التي تخدم مصالح البشرية، وليس من قِبل مَن صدرت ومن أي منطلق.

كان عصر النهضة مظهراً هاماً استمر لقرون للحوار بين الشرق والغرب في المجال الثقافي. وخلافاً لآراء بعض المؤرخين والمنظرين لا يمكن اعتبار عصر النهضة آلية لإحياء الثقافة القديمة في أوروبا. على الأقل لسبب بسيط، هو أن الحضارة القديمة (الفلسفة بصورة رئيسية) قبل أن  تتجدد في أوروبا، تجددت وتكاملت في الشرق، وبشكل رئيسي في العالم الإسلامي. لقد تم إعادة النظر ومنهجة وإثراء الفلسفة القديمة كمجموع لعلوم إنسانية وعقائدية وأخلاقية متنوعة من قِبل علماء العالم الإسلامي، من أمثال الفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وآخرين وجرى استخدامها فيما بعد من قِبل علماء أوروبيين.

لقد طوَّر العلماء المسلمون وأدخلوا اتجاهات كاملة للمجالات العلمية الجديدة بالنسبة للقرون الوسطى، مثل الجبر (الخوارزمي)، الكيمياء (جابر بن حيان)، الطب المنهجي (ابن سينا) … وإلخ. كما أثر تأثيراً كبيراً على تطور الأدب الأوروبي أدباء أمثال الفردوسي، وعمر الخيام، وحافظ شيرازي وممثلين آخرين للأدب الإسلامي.

وهكذا، يعود الفضل لنشوء عصر النهضة الأوروبية لأعمال العلماء المسلمين بالدرجة الأولى. لقد كان ذلك العصر هو عصر التبادل النشيط والمثمر بالقيم العلمية والأخلاقية والجمالية.

وتجدر الإشارة إلى أنه خلافاً لمزاعم العديد من الباحثين الدارسين لهذه الحقبة الزمنية، لم يكن عصر النهضة مرحلة خروج عن القيم الدينية، بل “ظهرت للعالَم صورة جديدة للإنسان المتدين، الذي اكتشفه عصر النهضة”. إن الانفتاح المتبادل للعالَم والإنسان ـ هو الفكرة الأساسية للنهضة، وهذا الأمر بحد ذاته يمتلئ بالمغزى الديني. لأن النهضة كانت موجهة نحو تقوية، وتطهير ونشر الدين، وليس ضده.

يقترح الرئيس خاتمي الحوار بين الحضارات من أجل إيجاد الحل الصحيح والإنساني والعملي للكثير من المشكلات العالمية المعاصرة، كالتأزم داخل الأسرة، وأزمة البيئة، وأزمة ذات طابع أخلاقي مرتبطة ببعض الأبحاث العلمية، وأزمة العلاقات السياسية الدولية وغيره.

كما أن هناك طريقتين لإقامة الحوار بين الحضارات:

1 ـ التأثير المتبادل بينهما على امتداد زمن طويل. وهذه العملية ترجع إلى مسار التطور الطبيعي للأحداث، ولأسباب جغرافية أو تاريخية ولا تتوقف على خيار أحدهم أو رغبته. تأثير متبادل كهذا جرى لقرون، على سبيل المثال بين الإيرانيين واليونانيين في زمن الحضارة اليونانية والرومانية، وفيما بعد بين أوروبا وآسيا عبر طريق الحرير العظيم وهكذا.

2 ـ حوار الحضارات والثقافات من خلال الحوار بين ممثليهم. هذا الشكل من الحوار ـ هو نشاط مُدرَك وهادف، ولا يعود إلى العوامل التاريخية أو الجغرافية.

ومع إشارتهم إلى الأهمية المتزايدة لحوار الثقافات والحضارات الكامل والعالمي الشامل، هم ينفون إقامة مثل هذا الحوار من موقع القوة، وفرض العلمانية، وبالضغط والترهيب.

إن حوار الثقافات يفترضُ عالماً كثير الأقطاب ويرفض التغيرات فوق كوكبنا باتجاه العولمة، وباتجاه خلق أسواق مبيعات أكثر اتساعاً وامتصاص الثقافات الوطنية والقومية من قبل ثقافة واحدة مهيمنة.

إن حوار الحضارات هو الوسيلة الوحيدة الممكنة والضرورية والمعقدة، للمحافظة على السلام والاستقرار على الكوكب ـ إنه حافز لتشكيل نموذج شامل لإنعاش العلاقات الدولية، والذي لا يسمح بأساليب الحوار المتطرفة والمتسلطة في مجالات السياسة والدين والثقافة، والتي تسمح للرأي العام بإدانة الطرق المستخدِمة للقوة في حل الأزمات والإشكالات الدولية والقومية.

من هذه الناحية هناك الكثير من جوانب القانون الدولي تتطلب تغييراً جذرياً. لأنه تم إقرارها في العقود الماضية، وحصراً لخدمة مصالح السياسيين الغربيين والدوائر الاجتماعية الغربية، دون أن تعكس ما يتوجب عليها من مصالح البلدان الشرقية وخاصة الإسلامية منها.

إن النزعة إلى العولمة يجب أن تصدر وتفترض التعددية القطبية للعالم المعاصر مع الأخذ بعين الاعتبار ولادة أخلاق جديدة، وحق جماعي جديد على أساس المؤسسات والقوانين الدولية، وتقوية ديمقراطية جميع الدول، وزيادة مسؤوليتها عن المسائل الدولية. لهذا من الضروري، أن يكون بمقدور جميع عناصر النظام الدولي (الدول والمؤسسات المدنية) أن تشارك بفعالية وعلى قدم المساواة سواء في إنتاج القرارات ذات الطابع الدولي أو في اتخاذ هذه القرارات.

باعتقادي، إن أحداث الحادي عشر من أيلول لا يمكنها أن تكون إنكاراً لمبدأ حوار الحضارات، بل وتعد حجة مقنعة لصالح حاجة البشرية إلى حوار دائم وبناء بين الحضارات الموجودة في عالمنا لحل المشكلات المتراكمة. وبالطبع، من خلال إدانة جميع أشكال الإرهاب، تجب الإشارة إلى أنه لتجنب كوارث من هذا النوع من الضروري زيادة المشاركة والتعارف المتبادل بين مختلف الأديان، والثقافات والحضارات في الشرق والغرب وعلى الساحة الدولية.

 

مهدي صنايعي (سفير الجمهورية الإيرانية الإسلامية في روسيا الاتحادية)

 

المراجع

1 ـ الذاكرة الخضراء. باقة الأزهار من “نهج البلاغة” لأمير المؤمنين الإمام علي. موسكو. العلوم الإنسانية، وكالة الأخبار التلفزيونية، 2001.

2 ـ س.م.خاتمي. نص خطاب اجتماع الأمم المتحدة، المخصص لحوار الحضارات. موسكو 2001.

3ـ س.م.خاتمي. نص خطاب بمناسبة “قمة الألفية”، في الأمم المتحدة (بتاريخ 6 أيلول 2000م). موسكو 2001.

4 ـ س.م.خاتمي. يتركز داخل الإنسان روح الشرق وعقل الغرب. خطاب في جامعة فلورنسا (8 أيار 1999م). موسكو 2001.

5 ـ مهدي صنايعي. المشكلات السياسية الاجتماعية في العلاقات بين إيران ودول آسيا الوسطى. تحليل سياسي. موسكو. معهد الأبحاث السياسية الاجتماعية في أكاديمية العلوم الروسية، 2001م.

 

6 ـ أ.زارينكوب. وقائع الإسلام. طهران 1996م. صفحة 

كلمات مفتاحية: مهدي صنايعي، سفير، إيران، إسلام، حضارة، حوار ، إنسان، روح الشرق