الرئيسية » حضاريات » الإسلام والمسلمون في روسيا عبر العصور
567c014bc3618818478b45e3.jpg

الإسلام والمسلمون في روسيا عبر العصور

اعتناق البولغار للدين الإسلامي

لعب شعب البولغار الذي كانت له دولة قوية في حوض نهر الفولغا في الفترة بين القرنين العاشر والثالث عشر، دورا مهما في تاريخ العلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي. وصار الإسلام دينا رسميا للدولة في امارة البولغار في العام 922، عندما وصلت الى بلاط الخان بعثة من الخليفة المقتدر وهذا بطلب من خان البولغار نفسه. وكان من بين أعضاء البعثة أحمد ابن فضلان الذي ترك لنا كتابه المعروف بـ"رحلة ابن فضلان" والذي وصف فيه البلدان التي عبرتها البعثة في طريقها إلى بلاد البولغار والشعوب التي رآها. وحسب "رحلة ابن فضلان"، كان اسم ملك البولغار ألمش بن يلطوار الذي توجه الى الخليفة بطلب ان يرسل اليه من "يفقه في شؤون الدين لكي يعرفه بشرائع الإسلام ويبني له مسجدا وينصب له منبرا ليقيم عليه الدعوة له في بلده وجميع مملكته".

RTاعتناق البولغار للإسلام

وعلى الرغم من الخلافات والحروب التي كانت تندلع بين روسيا ومملكة البولغار، تشير أسفار التاريخ الروسية القديمة الى أن حاكم روسيا الأمير فلاديمير (تولى الحكم في عام 960 وظل على العرش حتى وفاته في عام 1015)، عندما قرر اعتناق إحدى الديانات السماوية، طلب من البولغار إرسال رجال دين يوضحون له مبادئ الدين الإسلامي، هذا بجانب المبشرين اليهود والمسيحيين الكاثوليك والارثوذكس. وعلى الرغم من أن فلاديمير اختار، في نهاية المطاف، المسيحية الأرثوذكسية، إلا أن من الواضح أنه فكر جديا في إمكانية جعل الإسلام دين الدولة في روسيا. وحسب "أخبار الأعوام الغابرة" أحد أشهر أسفار التاريخ الروسية، جاء الى فلاديمير في عام 986 من بلاد البولغار أتباع العقيدة الاسلامية وحدثوه عن دينهم. وقد أعجب فلاديمير بالحديث عن الدنيا والآخرة والجنة، لكنه لم يكن راضيا أبدا عن تحريم أكل لحم الخنزير وبالاخص تحريم شرب الخمر، وقال الأمير، رافضا الدين الإسلامي: "راحتنا في خمرنا". وحسب بعض المؤرخين المسلمين، فإن الأمير فلاديمير بعث بوفد الى خوارزم لجمع المعلومات عن حياة المسلمين، ويضيف المؤرخون أن أربعة من أعضاء الوفد أسلموا.

الغزو المغولي لروسيا وتأسيس دولة "الأورطة الذهبية"

وازدادت العلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي تعقيدا بعد غزو المغول لبلاد الروس في القرن الثالث عشر.‎

خارطة الأورطة الذهبية

‎‎ وباتت روسيا التي كانت آنذاك منقسمة الى دويلات شبه مستقلة، تحت نير المغول الذين احتلوا بلاد البولغار وأسسوا دولة خاصة بهم في حوض الفولغا وفرضوا إتاوة على الروس والشعوب الاخرى. وبعد فترة قصيرة اختلط المحتلون بالسكان الأصليين في هذه المنطقة وتبنوا لغتهم التي كانت تنتمي الى عائلة اللغات التركية، واتخذوا مدينة سراي باتو عاصمة لهم، ثم عرف سكان الدولة الجديدة باسم التتر، أما دولتهم فأطلق عليها اسم إمارة "الأورطة الذهبية" (القبيلة الذهبية).

مبان تاريخية في بولغار

وفي عام 1245 اعتنق بركة خان الإسلام، أما في عام 1312، خلال فترة حكم أوزبك خان، فصار الإسلام دين دولة "الاورطة الذهبية". وعلى الرغم من أن الروس كرهوا التتر وتمكنوا في نهاية المطاف من التحرر من نيرهم إذ هزم الأمير دميتري دونسكوي (1350-1389) قوات الأورطة في المعركة الحاسمة في ميدان كوليكوفو في عام 1380، ولكن استمر الروس يدفعون جزية أقل قيمة مئة سنة أخرى حتى تحررهم بالكامل من الظلم. الا أن حروبهم ضد الأورطة لم تتسم أبدا بطابع ديني ولم يكن بين شعاراتهم شعار الحرب ضد الإسلام.

النير المغولي التتاري

ظهور "الخانيات" ودور التتر في بناء الدولة الروسية

كانت العلاقات بين الدولة الروسية والمسلمين الذين أصبحوا من مواطنيها في القرنين السادس عشر والسابع عشر معقدة الى درجة كبيرة، علما بان الدولة الروسية راحت تضم تدريجيا الخانيات التي تأسست في مكان الأورطة الذهبية بعد تفككها (وهي خانية سيبيريا وخانية أوزبك وأورطة نوغاي وخانيات قازان والقرم وقاسم وكازاخ).

تفكك الأورطة الذهبية

من جهة، لم تقدم السلطات الروسية على منع المسلمين من التمسك بدينهم وإنشاء مؤسسات دينية خاصة بهم. من جهة أخرى، كانت الدولة ترحب بتحول المسلمين وأتباع الديانات الأخرى الى المسيحية الأرثوذكسية وكانت تشجعهم على ذلك بطرق مختلفة. وابتداء من القرن الرابع عشر دخل العشرات من الأعيان التتر في خدمة الدولة الروسية بعد أن اعتنقوا المسيحية وحصلوا على نفس الحقوق والامتيازات التي كان يتمتع بها الأعيان الروس. ويمكننا أن نجد بين أسماء العائلات النبيلة في روسيا مئات الاسماء التترية. وقد لعبت هذه العائلات دورا مهما في التاريخ السياسي والعسكري والثقافي للدولة. وكان العديد من الأعيان التتر يخدمون الدولة الروسية دون أن يتخلوا عن دينهم الإسلامي، وبدورها كانت السلطات تسدد لهم الرواتب وتسمح لهم بالحفاظ على أراضيهم، لكنهم منعوا من امتلاك فلاحين مسيحيين.

كانت في العلاقات الروسية-الإسلامية ظاهرة فريدة تمثلت في خانية قاسمن وهي إحدى الخانيات التي تأسست بعد تفكك الأورطة الذهبية (كانت عاصمة الخانية المدينة المعروفة اليوم باسم قاسموف وهي تقع في مقاطعة ريازان. وكانت تبعية الخانية التي يمتد تاريخها من منتصف القرن الخامس عشر حتى نهاية القرن السابع عشر للدولة الروسية. وشاركت وحدات من قوات الخانية في الحملة العسكرية التي قادها القيصر إيفان الرهيب (‎1530-1584) ضد خانية قازان في عام 1552. وكان حكماء خانية قاسم جميعهم مسلمين من سلالة جنكيز خان.

الإسلام في القوقاز وانتشار الطرق الصوفية

في شمال القوقاز جاء انتشار الإسلام متأخرا، ولم يكن عدد المسلمين ملحوظا في هذه المنطقة باستثناء داغستان قبل مطلع القرن الخامس عشر. وفي القرن السادس عشر لعب الدعاة من داغستان دورا مهما في نشر الدين الإسلامي في بلاد الشيشان ولاحقا في إنغوشيا. وفي الفترة بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر انتشر الإسلام في المناطق الساحلية المطلة على البحر الأسود، وهذا بسبب مساعي الامبراطورية العثمانية وخانية القرم لتوسيع أراضيهما. بعد ذلك اعتنقت الإسلام الشعوب الأديغية. وفي الفترة بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر وصل الدين الإسلامي الى الأوسيتيين وشعبي القره شاي والبلقار. كما تجدر الإشارة الى الدور البارز الذي لعبته الطرق الصوفية في نشر الإسلام في الأراضي التي انضمت لاحقا الى الامبراطورية الروسية (وفي القوقاز كانت الطريقتان النقشبندية والقادرية هما الأكثر تأثيرا، بينما انتشرت الطرق الياسوية والكبراوية والنقشبندية في آسيا الوسطى وكازاخستان وحوض الفولغا).

لم تكن سياسة الدولة الروسية تجاه الإسلام والمسلمين في القرن الثامن عشر ذات اتجاه واحد. ففيما كانت الحكومة الروسية تفرض قيودا على بناء المساجد الجديدة وتشجع المسلمين على التحول الى المسيحية وتدعم عمل المبشرين المسيحيين في صفوف السكان المسلمين، اعتمد القياصرة الروس في سياستهم تجاه الإسلام على مصالحهم السياسية وليس الدينية. فعلى سبيل المثال، عينت الامبراطورة يليزافيتا بتروفنا (إليزابيت 1709-1761) في عام 1755 أول جنرال مسلم في الجيش الروسي هو كوتلو محمد تيفكيليف الذي كان من أنصار والدها الامبراطور بطرس الأكبر (1672-1725).

بدأت الامبراطورة يكاتيرينا الثانية (كاترين الثانية 1729-1796) تطبيق سياسة التسامح الديني نظرا لعدد من العوامل الداخلية والخارجية. وتجدر الإشارة الى أن مشاركة روسيا المتزايدة في السياسة الأوروبية وعلاقاتها المضطربة مع الامبراطورية العثمانية وسعيها الى حماية المسيحيين الأرثوذكس الخاضعين لحكم الأتراك، بالإضافة الى تطور المناطق التي كان المسلمون يقطنونها في روسيا وتنامي دورهم في الحياة الاقتصادية للبلاد، دفع بالقيادة الروسية الى إعادة النظر في سياستها تجاه الإسلام.

يكاتيرينا الثانية

وبعد ضم منطقتي القرم وكوبان اللتين كان بين سكانهما عدد كبير من المسلمين الى الأراضي الروسية، اطلقت الامبراطورة يكاتيرينا وعدا للمسلمين بالدفاع عنهم وعن مساجدهم وعن دينهم الأصلي، مؤكدة على حقهم الكامل في العبادة وممارسة طقوسهم الدينية.

محاولات دمج المسلمين بالمجتمع الروسي

وفي الوقت نفسه، كانت السلطات تسعى الى دمج المسلمين، وبالدرجة الأولى، نخبتهم الاقتصادية والدينية بهيكلية الدولة ونظام الطبقات الاجتماعية الذي تكون في المجتمع الروسي. ولتحقيق هذا الهدف، تأسست في العام 1788 الجمعية الدينية لمسلمي أورينبوغ (أورينبورغهي مدينة جنوب الأورال، يعود تاريخها الى عام 1735، عندما بدأ تشييد قلعة روسية على نهر أور، بعد أن قررت دولة "جوز الصغير" إحدى الدول التي ظهرت بعد تفكك خانية كازاخ، الانضمام الى روسيا). وكانت الجمعية الدينية للمسلمين تشرف على اختبار المرشحين لتولي مناصب أئمة المساجد ورجال الدين وعلى بناء وترميم المساجد وعقد القران وحل الخلافات حول ملكية الأرض وشؤون الأوقاف ..الخ.

وفي عام 1831، خلال فترة حكم الامبراطور نيقولاي الأول، تأسست الإدارة الدينية لمسلمي تافريدا (الاسم القديم لشبه جزيرة القرم) التي كانت تهتم بشؤون المسلمين في المناطق الجنوبية والغربية من الامبراطوية الروسية. وتبنت الحكومة الروسية في عام 1857 في بداية حكم الامبراطور الكسندر الثاني "ميثاق الشؤون الروحية للأديان الأجنبية (غير المسيحية الأرثوذكسية)"، وكان فيه باب مكرس لشؤون المسلمين.

حركة الإمام شامل التحررية في شمال القوقاز

وفي القرن التاسع عشر أدت مساعي الدولة الروسية لفرض سيطرتها على شمال القوقاز الى اندلاع الحرب القوقازية (1817-1864) التي تبلورت خلالها حركة الإمام شامل التحرير شعوب الجبال. وقد نشأت هذه الحركة تحت شعار "الجهاد". وترأس الإمام شامل في الفترة بين 1834 و1859 هذه الحركة التي أصبحت تعتمد المبادئ الأيديولوجية والتنظيمية المعروفة في روسيا باسم "المريدية"، وهذا لأن الأساس التنظيمي للحركة كان يكمن في مبدأ طاعة المريد لمرشده الصوفي.

الإمام شامل

ويبدو أن الحرب القوقازية ونشاط الطرق الصوفية كانا من العوامل الرئيسية التي حددت جغرافيا انتشار الإسلام وخصائص المؤسسات الإسلامية التي نشأت في المنطقة، كما أنها أرست أساسا للمشاكل التي تواجهها روسيا حتى اليوم في شمال القوقاز.

الحركات الإصلاحية وتحديث المجتمع الإسلامي في روسيا

انبثقت في صفوف المسلمين في حوض الفولغا في هذه الفترة حركة تهدف الى الإصلاح الديني والتنويري، وكان من بين روادها شهاب الدين المرجاني وأبو النصر الكرساوي وآخرون. وكانت هذه الحركة شبيهة بالحركات الإصلاحية الأخرى التي ظهرت في دول إسلامية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

شهاب الدين المرجاني

وكان الإصلاحيون يدعون إلى فتح باب الاجتهاد وتعديل الهوية الثقافية لمسلمي حوض الفولغا في إطار وعيهم القومي. وتحت تأثير هذه الحركة ظهر في صفوف المسلمين توجه إلى إصلاح نظام التعليم الديني التقليدي وإدراج مواد علمانية فيه. وتحول هذا التوجه في نهاية المطاف إلى حركة واسعة تسعى لتحديث المجتمع الإسلامي التقليدي، وأطلقت على هذه الحركة صفة "التجديدية". لكن الإصلاحيين واجهوا معارضة عنيفة من قبل الطبقة المحافظة ذات النفوذ في المجتمع الإسلامي والتي عرفت في هذه الفترة باسم "السلفية".

أدت مشاركة المسلمين في الأحداث الثورية التي شهدتها روسيا في مطلع القرن العشرين، إلى إنشاء عدد من الأحزاب السياسية التي استخدمت في خطابها شعارات إسلامية. من جهة أخرى، انتشرت في صفوف المسلمين في هذه الفترة أفكار قومية علمانية ودعوات انفصالية وهذا بسبب تأثير ثورة حزب تركيا الفتاة والأخطاء التي ارتكبتها الدولة الروسية في تعاملها مع الأقليات. لكن الجزء الأكبر من حركة المسلمين الروس السياسية والتي كان يمثلها حزب "اتفاق المسلمين"، كان يدعو الى رفع منزلة الدين الإسلامي وتوحيد صفوف الشعوب الإسلامية مع بقائها موالية للدولة الروسية.

وتجدر الإشارة الى أن منظومة المؤسسات الدينية للمسلمين في الامبراطورية الروسية اكتسبت طابعها النهائي بحلول مطلع القرن العشرين. وكان المسلمون في الجزء الأوروبي من روسيا وسيبيريا يخضعون لإشراف مجلسي الإفتاء في أورينبورغ وتافريدا اللذين كانا بدورهما مسؤولين أمام وزارة الداخلية الروسية. أما حياة مسلمي القوقاز فكانت تنظمها إدارتان دينيتان إحداهما معنية بشؤون السنة والأخرى بشؤون الشيعة، وكانت الإدارتان تخضعان للسلطات القيصرية في الإقليم. ولم تكن صلاحيات الإدارتين تمتد حتى الإشراف على الحياة الدينية لشعوب الجبال، التي كانت الدولة تحكمها بعد الحرب القوقازية عبر منظومة إدارة شعبية-عسكرية خاصة. وفي تركستان لم توجد أي مؤسسة رسمية معنية بالحياة الدينية للمسلمين، بل كانت السلطات المحلية تحل كافة المسائل العالقة في هذه المجال عبر الوسائل المتوفرة لديها. أما المؤسسة العليا التي كانت تتولى شؤون الدين الإسلامي بالإضافة إلى الديانات الأخرى، فكانت هي قسم الشؤون الروحية لأتباع الديانات الأجنبية (غير المسيحية الأرثوذكسية) التابع لوزارة الداخلية.

وحسب المعلومات المتوفرة لدينا، كان عدد المسلمين في الامبراطورية الروسية يبلغ قبل ثورة عام 1917 نحو عشرين مليون نسمة، معظمهم من السنة، أما الشيعة فعاشوا في الأراضي التي تضمها اليوم أذربيجان المعاصرة. وتشير تقييمات قسم الشؤون الدينية لأتباع الديانات الأجنبية الى أن عدد المساجد في عام 1912 كان نحو 25 ألفا، بينما تجاوز عدد رجال الدين 45 ألف شخص. وكان السكان المحليون ينتخبون المرشحين لتولي مناصب رجال الدين، لكن كان يجب على هؤلاء اجتياز امتحانات في الإدارة الدينية المحلية لإثبات كفاءتهم قبل رفع ملفاتهم الى إدارة المحافظة التي كانت تنظر في ولاء المرشحين للدولة وتعينهم رسميا في مناصبهم في حال قبول ترشيحهم.

ثورة اكتوبر والمسلمون

في السنوات الأولى بعد ثورة أكتوبر عام 1917، حاولت السلطات السوفيتية التوصل الى حلول وسط مع المسلمين. على سبيل المثال واصلت المحاكم الشرعية والمحاكم التي تصدر أحكامها وفقا للعادات والتقاليد، عملها في القوقاز وآسيا الوسطى في العشرينيات، على الرغم من إنشاء محاكم حكومية. كما سعى بعض المفكرين المسلمين لإيجاد نقاط التقاء بين الإسلام والماركسية، منهم مير سعيد سلطان-علييف العضو في الحزب الشيوعي وصاحب نظرية "الشيوعية الإسلامية". لكن معظم النشطاء المسلمين انتقلوا في نهاية المطاف الى معارضة الحكم السوفيتي، وكان هذا بين أسباب الحرب التي شنتها الدولة السوفيتية ضد "مخلفات الإسلام" بدءا من نهاية العشرينات.

الحرب الوطنية العظمى

خلال الحرب الوطنية العظمى أصبحت سياسة الدولة السوفيتية تجاه الأديان أكثر مرونة. وفي هذه الظروف تشكلت في الأعوام التالية للحرب، هيئة جديدة لإدارة شؤون المسلمين في أراضي الاتحاد السوفيتي الشاسعة. وبقيت هذه الهيئة قائمة حتى بداية تسعينات القرن العشرين وضمت أربع إدارات دينية هي الإدارة الدينية لآسيا الوسطى وكازاخستان ومقرها مدينة طشقند عاصمة أوزبكستان، والإدارة الدينية للجزء الأوروبي من الاتحاد السوفيتي وسيبيريا ومقرها مدينة أوفا عاصمة جمهورية بشكيريا، والإدارة الدينية لشمال القوقاز مع مقر في محج قلعة (عاصمة داغستان)، والإدارة الدينية لما وراء القوقاز (جنوب القوقاز) ومقرها باكو (عاصمة أذربيجان).

وكانت الإدارات الدينية الثلاث الأولى خاصة بالسنة، ويرأسها مفتون، أما الإدارة الرابعة الخاصة بالمسلمين الشيعة فكان يطلق على رئيسها لقب شيخ الإسلام.

تجدر الإشارة الى أن هذه المؤسسات الدينية، على الرغم من فصل الدين عن الدولة الذي نص عليه الدستور السوفيتي، كانت عادة أداة لتطبيق السياسة الحكومية تجاه المسلمين. وفي هذه الظروف تنامى نفوذ رجال الدين غير المعترف بهم من قبل الحكومة، وكان معظمهم مرشدين ومريدين في الطرق الصوفية. وفي نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، تبلورت في إطار هذه الظاهرة التي عرفت بـ "الإسلام من خارج المساجد"، جماعات متطرفة مختلفة كان معارضوها يطلقون عليهم تسمية "الوهابيون" لأنهم اعتبروا آراءهم شبيهة بأفكار الحركة الوهابية التي كانت نشيطة في نجد بشبه الجزيرة العربية في الفترة بين القرنين الثامن عشر والعشرين.

الصحوة الإسلامية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي

أدى تفكك الاتحاد السوفيتي الى انهيار نظام الإدارات الدينية للمسلمين. وانقسمت الإدارات الدينية الى  مجالس إفتاء مستقلة عديدة، بينما تمكنت الإدارة الدينية لجنوب القوقاز (المعروفة اليوم باسم الإدارة الدينية للقوقاز) من الحفاظ على وحدتها.

في ظل هذه الظروف برز دور الأوساط الدينية غير الرسمية بجناحيها "التقليدي" و"المتطرف". وفي عام 1990 أسست عدة حركات متطرفة " حزب النهضة الإسلامية لعموم الاتحاد السوفيتي" الذي انقسم فيما بعد الى عدة أحزاب لعبت دورا في بعض النزاعات التي دارت أو ما زالت تدور في الفضاء السوفيتي السابق.

طلعت تاج الدين وروي عين الدين

وبعد تفكك الإدارة الدينية للجزء الأوروبي من الاتحاد السوفيتي وسيبيريا والإدارة الدينية لمسلمي شمال القوقاز، ظهرت في روسيا الاتحادية عشرات من مجالس الإفتاء المستقلة التي انضم معظمها فيما بعد الى مؤسستين متنافستين هما الإدارة الدينية المركزية للمسلمين ومقرها في أوفا ويترأسها حاليا طلعت تاج الدين، ومجلس المفتين في روسيا ومقرها في موسكو ويترأسها راوي عين الدين، كما يوجد المركز التنسيقي لمسلمي شمال القوقاز والاتحاد الروسي للوفاق الاسلامي وغيرها من الهيئات الاسلامية.

الإسلام والمسلمون في روسيا اليوم

يعتبر الإسلام الدين الثاني في روسيا من حيث عدد أتباعه. وحسب نتائج الإحصاء العام الأخير للسكان الذي جرى في روسيا عام 2002، بلغ مجمل أفراد الشعوب التي تدين بالإسلام تاريخيا نحو 14.5 مليون شخص، أي قرابة 10% من عدد سكان البلاد. ولم تشمل أسئلة الإحصاء الأخير سؤالا عن الانتماء الديني، ولذلك لا تتوفر لدينا معلومات دقيقة عن عدد المسلمين في روسيا.

مسجد بطرسبورغ

ويشكل المسلمون أغلبية في سبعة أقاليم روسية هي إنغوشيا (نحو 98%)، والشيشان (96%)، وداغستان (94%)، وقبردينو- بلقاريا (70%)، وقره شاي -شركيسيا (63%)، وبشكيريا (63%)، و تتارستان (54%). ويزداد عدد المسلمين في روسيا سنويا، بسبب معدل المواليد المرتفع في الأقاليم التي تقطنها أغلبية مسلمة بالإضافة الى تدفق المهاجرين من دول آسيا الوسطى وأذربيجان الى الأراضي الروسية. وتجدر الإشارة الى أن معظم المسلمين في روسيا من أهل السنة من أتباع المذهبين الحنفي والشافعي. ويدين نحو 40 شعبا من شعوب روسيا تاريخيا بالإسلام، ومنها شعوب تقطن في منطقة الفولغا والأورال وفي سيبيريا، وهي بالدرجة الأولى:

البشكير الذين يتكلمون لغة من عائلة اللغات التركية. ويقطن البشكير في جنوب الأورال والمناطق المحاذية لجبال الأورال، ويبلغ عددهم نحو 1.3 مليون نسمة.

التتار الذين يتكلمون اللغة التتارية التي هي أيضا تنتمي الى عائلة اللغات التركية. ويعيش التتار في مناطق مختلفة من روسيا، بما فيها المناطق المحاذية للفولغا وجبال الأورال، وسيبيريا، ومنطقة أستراخان. ويبلغ عدد التتار نحو 6 ملايين نسمة، علما بأن معظمهم مسلمون لكن يوجد بينهم مسيحيون ارثوذكسيون أيضا.

 عشرات الشعوب المسلمة التي نجدها في شمال القوقاز، وبينها الآفار (يعيشون في جمهورية داغستان، عددهم نحو 544 ألف نسمة) والأباظة (يعيشون في قره شاي- شركيسيا وجنوب جمهورية أديغيا وعددهم33 ألف نسمة)، وشعب الأغول (يعيشون في داغستان وعددهم 18 ألف شخص)، والأديغ (يعيشون في جمهورية أديغيا وعددهم 123 ألف شخص)، والبلقار (يعيشون في قبردينو- بلقاريا وعددهم 78 ألف شخص)، وشعب الدارغين (يعيشون في داغستان وعددهم 353 ألف نسمة)، والإنغوش (يعيشون في جمهورية إنغوشيا وعددهم 215 ألف نسمة)، والقبردين (يعيشون في قبردينو- بلقاريا وعددهم 386 ألف نسمة)، والقره شاي (يعيشون في قره شاي -شركيسيا وعددهم 150 ألف نسمة) والكوميك (يعيشون في داغستان وعددهم 277 ألف نسمة)، والليزغين (يعيشون في جنوب شرق داغستان وعددهم 257 ألف نسمة)، والنوغاي (يعيشون في داغستان وقره شاي -شركيسيا وجمهورية الشيشان وعددهم 74 ألف نسمة) والشركس (قره شاي- شركيسيا وعددهم 50 ألف شخص) والشيشان (يعيشون في جمهورية الشيشان وعددهم نحو 900 ألف شخص) واللاك (يعيشون في داغستان وعددهم 180 ألف نسمة).

كما يدين بالإسلام جزء من الأوسيتيين والمهاجرين المنحدرين من كازاخستان (يبلغ عددهم في روسيا 636 ألف نسمة) وأذربيجان (336 ألف نسمة) وأوزبكستان (127 ألف نسمة) وقرغيزستان (42 ألف نسمة) وتركمنستان (40 ألف نسمة ) وطاجيكستان (38 ألف نسمة) وتتار القرم ( 21 ألف نسمة(.

الإسلام في القرم

عادت القرم إلى قوام روسيا في مارس/آذار عام 2014، وذلك بعدما بقيت في قوام جمهورية أوكرانيا السوفيتية منذ عام 1954 وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي (1991) في قوام أوكرانيا المستقلة.

وفيما يخص الوضع الديمغرافي في شبه الجزيرة، فقد تغير جذريا منذ ضم الامبراطورية الروسية لخانية القرم في 1783، لكن الإسلام ما يزال يحتفظ بمكانته الروحية والتاريخية المرموقة هناك.

واليوم تبلغ نسبة المسلمين بين سكان القرم قرابة 15% أو ما يعادل 300 ألف شخص، معظمهم من تتار القرم.

إسماعيل غاسبرينسكي (1851-1914)

يذكر أن تتار القرم كانوا في مركز النزعات الإصلاحية في صفوف المسلمين الروس في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وترتبط النهضة في صفوف تتار القرم باسم المفكر والكاتب إسماعيل غاسبرينسكي الذي أسس نظام التعليم العلماني بلغة تتار القرم، وبدأ بإصدار أول صحيفة تابعة لهم في العام 1883.

وبعد اندلاع ثورة عام 1917 انضم تتار القرم إلى الحراك بنشاط وشكلوا لجنة إسلامية ثورية وعقدوا مؤتمرا شعبيا تبنى دستورا خاصا بالقرم وأسس لقيام جمهورية مستقلة. وفي عام 1921 انضمت القرم المستقلة إلى الاتحاد السوفيتي بصفة جمهورية القرم الاشتراكية السوفيتية ذات الحكم الذاتي.

لكن الحرب العالمية الثانية (الحرب الوطنية العظمى في روسيا) أدى إلى كارثة قومية بالنسبة لتتار القرم، إذ احتلت القوات النازية شبه الجزيرة، وبعد تحريرها في عام 1944 اتهم النظام الستاليني تتار القرم بالتعاون مع سلطات الاحتلال الهتلري وبدأ بترحيلهم إلى مناطق أخرى في الاتحاد السوفيتي. وذكرت  الإحصائيات الرسمية، أنه تم ترحيل نحو 200 ألف من تتار القرم من شبه الجزيرة.

وبدأت موجة عودة تتار القرم إلى شبه الجزيرة في عام 1989، وقد باشروا فور عودتهم بتشكيل إدارات حكم محلي خاصة بهم في بلداتهم، وهم، إلى الآن، يحتفظون بتلك الإدارات حتى بعد عودة شبه الجزيرة إلى روسيا.

كما أعلنت السلطات الجديدة في القرم لغة تتار القرم بمثابة إحدى اللغات الثلاث الرسمية في الجمهورية (بالإضافة إلى الروسية والأوكرانية) وسمحت بالتعليم المدرسي بلغة تتار القرم.

المصدر: RT