الرئيسية » اكتشف روسيا! » الإسلام والفنون الجميلة – من ارشيف متحف الأرميتاج الحكومي
algambra.jpg

الإسلام والفنون الجميلة – من ارشيف متحف الأرميتاج الحكومي

إن العلماء الروس يدرسون الإسلام بكل نواحيه ليس خلال 100 عام فقط، ولذلك ننشر هنا مقالة و. بالشاكوف: "الإسلام والفنون الجميلة" ولقد نشرت هذه المقالة في العام 1969 وحتى هذا اليوم تعتبر مثالاً عظيماً على إبداعات العلماء الروس في هذا الاتجاه.

من أجل الفهم الحقيقي للفنون التشكيلية في الدول الإسلامية من الضروري استيعاب تصور دقيق عن علاقة الإسلام به، وكيف ساعد هذا الوعي الإسلامي في تفهم طبيعة وجوهر هذه الفنون.

ومن المعروف جيداً، أنه وفي بعض المراحل قد غابت عن الفنون الإسلامية أعمال النحت الخاصة بالنصب التذكارية والتماثيل الشخصية لتصوير الكائنات الحيّة على اختلافها، وفي مقدمتها تصوير البشر. وهذه المسألة كانت من أهم مواصفات المرحلة العثمانية، إذ خلت الفنون التشكيلية خلال فترة حكم الإمبراطورية العثمانية من هذا النوع الفني، أي تخليد الكائنات الحية في تماثيل أو لوحات وغير ذلك من أنواع الفنون. لأن الإمبراطورية العثمانية كانت تعتبر في عيون الأوروبيين من أنشط المراحل في الإسلام بكل أبعاده. ففي أوروبا تكوّن تصوّر عام، أن هذه الظاهرة كانت من الظواهر الأساسية التي ميّزت الفنون التشكيلية للشعوب الإسلامية، وعلى وجه الخصوص محاولة منع تصوير الكائنات الحيّة، لأنه جاء ذكرها في القرآن.

إن مسألة علاقة الإسلام بالفنون الجميلة وفي مختلف الفروع الفنية كانت تخص العمل الكلي والشامل الخاص بثقافة البلدان الإسلامية، وعدا ذلك توجد الكثير من الدراسات التي تتناول هذا الموضوع، الذي لم يوضح جوهرة كما يجب تاريخياً عندنا.

إن الاهتمام بهذه المعضلة قد ظهر في أوروبا في مرحلة مبكرة، منذ نهاية القرن الثامن للميلاد، أما الدراسات الجادة لهذا الموضوع فقد بدأت بالظهور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بالارتباط مع النجاحات الكبيرة في كتابة الكثير من الدراسات لفنون المشرق.

ولقد طمح الباحثون في المرحلة الأولى إلى برهنة أن منع إقامة التماثيل الفنية جاء ليس في القرآن، بل في الأحاديث النبوية، وكانت هذه الفنون التي تصوّر الكائنات الحية، بما فيها الإنسان. منتشرة بصورة واسعة عند الشعوب الإسلامية، ولقد رفض بعض العلماء كلياً وجود أية أوامر للحد من هذه الفنون المصوّرة للكائنات الحية.

ولقد لخص الناقد ف. شافين نتائج المرحلة الأولى من الدراسات في دراسته الموسعة "منع التصوير عند المسلمين". ولقد تناول الباحث التراث الروحي الأرثوذكسي، وبيّن، أن الأوامر الإرشادية موجودة ليس في المذاهب السنية الأربعة، بل عند الشيعة أيضاً، التي تحد من انتشار التصوير للكائنات الحية. وحسب رأيه أن الأوامر الإرشادية للشخصيات الدينية كان بإمكانها أن تؤثر على شتّى الفنون، وكان ذلك لأسباب، أنه يوجد لدى الشعب خوف وهمي من تصوير أو نحت بعض الكائنات الحية، وهذا يهيّئ المناخ الروحي لتوزيع ونشر الأمور الممنوعة في الأعمال التي تصوّر الكائنات الحية.

إن دخول الكثير من مظاهر الثقافة الأوروبية، وخاصة دخول التصوير الفوتوغرافي بشكل عام، ونشر الصور المختلفة في الكتب المنوعة، والصور الكثيرة في الصحف والمجالات، أجبر العلماء المسلمين أن يخصوا هذا الموضوع بالبحث، وخاصة العلاقات في الإسلام المبكر، وتصوير الكائنات الحية، حتى يتم إصدار الفتاوى حول تصوير الكائنات الحية حتى توضع القوانين الخاصة بهذا الأمر. ومن أجل ذلك ظهرت في العام 1900م مقالة للشيخ عبد العزيز شاويش "الأحاديث عن وضع الفنون الجميلة في الإسلام". ولقد أكد الشيخ شاويش أن الحد من التصوير كان موجّهاً ضد إمكانية التصوير خوفاً من انتشار عبادة الأوثان، وأن المنع الكلي للتصوير للكائنات الحيّة حسب رأي شاويش، من غير الممكن، وخاصة أنه وبفضل التصوير الفوتوغرافي قد أصبح بإمكان عناصر الشرطة من العثور على المجرمين. وإن تضمين الكتب والصور اللازمة في علم التشريح لجسم الإنسان، والقصص الطبيعية تعرف الإنسان "على المخلوقات السرية للإله العظيم"، كما تساعد الصور الشعاعية في علاج الجرحى والمرضى وغيرهم.

إن الاكتشافات في العام 1898 للمعلم الأموي قصر عمرة والتي وضح فيها الأوصاف الرائعة التي تعكس وبشكل واقعي الناس والحيوانات، وهنا ظهر السؤال عن توافق هذا الفن التصويري مع الأوامر والوصايا الإسلامية السابقة. ولقد رأى إ. كاراباتشيك أنه بالإمكان التأكيد الآن، أن التصوير في بعض الحالات قد لاقى التأييد والترحيب لدى العلماء الروحانيين. وعلى أي حال، لقد تم، وفي وقت قصير، أنه لم يفهم النص الذي قرأه واعتمد عليه، كما يجب س. فورغروني، الذي أشار إلى هذا، وشرح ظهور صور قصر عمرة باختلافات عادية بين التطبيق العلمي وتوقّعات العلماء الروحانيين.

وبغض النظر عن عدالة هذه الملاحظات، فلقد بقي الأمر غامضاً، ولماذا حتى القرن الثامن ضمناً أن الفنون التشكيلية قد ازدهرت بشكل واسع وعمل الفنانون بكل حرية، حسدهم عليها الفنانون الذين جاءوا فيما بعد خلال ازدهار الإمبراطورية العثمانية. وكان هنا، إما الموافقة مع وجهة نظر المؤمنين الروحيين الإسلام، بأن هذه هي من الآثار السلبية للحياة الروحية عند الأمويين، وإما يجب البحث عن أي تفسير عقلاني وواقعي.

ولقد قال ك. بيكر أن الكثير من الآراء في العقيدة المسيحية وخاصة تلك الشروحات الحادة ضد الرسامين المبدعين من رسامي الأيقونات في النصف الأول من القرن الثامن أن المسلمين لا يحسبون معهم. وأول تذكير بالعلاقات غير الودية للمسلمين نحو الفنون الجميلة التي تعكس الكائنات الحيّة تعود إلى سبعينات القرن الثامن. وبهذا الشكل، تم تحديد الزمن، عندما ظهرت مشاعر العداوة في الإسلام نحو تصوير الكائنات الحية من قبل الفنانين التشكيليين أو غيرهم واعتبر هذا العمل عملاً آثماً ضد الدين. أما الآن فقد بقي لنا أن نشرح بعض الرسومات التي ظهرت بعد ذلك، ونبيّن كيف حصلت الصدامات مع أوامر وقرارات الإسلاميين المتعصبين. وثمة تقرير إثبات واحد لوجود هذا المنع لتصوير الكائنات الحيّة، ولكن هذا التقرير غير كاف للبرهنة على المنع. وتتطلب الأمر دراسة عن موقف الروحانيين وكيف حددوا وجهة النظر المسيطرة، وكيف فهموا ذلك القرار لمنع نشاط الفنانين.

أما الإجابة فقد اتضحت بصورة كاملة في مقالة أ. يناني تلميذ الأزهر، الذي بيّن كيف اتخذ الروحانيون القياديون في مختلف المراحل موقف المنع لتصوير الكائنات الحيّة. وتعتبر هذه المقالة موقفاً واضحاً بالنسبة لنا، وها نحن نعود لها كوحدة من ثلاث عشرات من المقالات، والفصول في المباحث الخاصة بهذه المشكلة، والتي ظهرت بعد عام 1919م، وتضيف بعض المقالات إلى نتائج هذا الموضوع والتي كتبها الناقد ك. بيكر و أ. أرنولد "الفن التصويري للإسلام".

وفي الثلاثينيات – الأربعينيات نشرت عدة مقالات للعلماء والمؤلفين العرب، والذين خصّوا هذا الموضوع الذي نهتم به هنا. ومن بينها أعمال مهمة لبشر فارس وزكي محمد حسن، والعمل الأخير نشر لمحمود تيمور بعد وفاته "التصوير عند العرب، وقد زُود الكتاب بلوحات تصويرية. واستخدام المؤلف الكثير من الشروحات والاستشهادات والملاحظات، حتى صدر الكتاب مبحثاً مرجعياً مهماً يتناسب مع الموضوع وإغنائه بصورة محترمة.

إن تصوير الكائنات الحية في مؤلفات القرون الوسطى (نثرية كانت أم شعرية) كانت موحّدة من حيث المواضيع: التصوير على الجدران، والتصوير والرسومات على الثياب والأقمشة، الرسومات على الخيام وغير ذلك من البيوت البدائية الأولى.

هذا وتوجد بعض المواد حول هذا الموضوع نشرت باللغة العربية، وهي في واقع الأمر دراسات روحية أرثوذكسية، ومن الممكن أن تشكّل أهمية عند التعرض إلى القصص الطريفة والمضحكة من المعطيات الجديدة لعلم الاستشراق بالعلاقة مع الإسلام الأرثوذكس. ولقد ذكرنا هنا المقالات والأعمال المهمة، كما نعتقد. أما بالنسبة للمراجع من المباحث المتنوعة فهي موجودة في مجموعات المقالات التي نشرت في ثلاث طبعات للمؤلف ك. كريسفيل "غياب المنع للفن التصويري في الإسلام المبكر" كما يتّضح من الدراسات الكثيرة.

وفي آدابنا فإن العلاقة بين الإسلام والفنون الجميلة لم تبحث بصورة خاصة. وفقط في فترة قريبة صدرت "تاريخ الفنون في العالم" وفي الجزء الثاني من هذا المرجع الموسوعي. كُتب شيء مهم، ولكنه قليل حول الموضوع الذي نتكلم عنه: "… في البداية لم يظهر في المطبوعات الإسلامية ما يدل على منع التصوير للكائنات الحيّة، وفقط لقد ظهر شيء من هذا ويسمى القانون الإسلامي – وكما يبدو أن ذلك قد نشر في القرنين التاسع والعاشر. أما بالنسبة لما يشبه رسم الأيقونات المسيحية لم يكن في الإسلام حتى يصدر منع لذلك، لأن فن التصوير كان يثير الهلع من العقاب في العالم بعد الموت" أما بالنسبة لجملتين أو ثلاث وهي جمل صحيحة فلا يمكن استخدامها كوثائق لغياب الأعمال، التي توحّد نتائج الدراسات التي استمرت فترة طويلة وتخص المسألة التي تهمنا هنا.

إن مهمة هذه المقالة كانت، ولدرجة كبيرة، تنحصر في تذكّر هذا الموضوع، وبشكل رئيس، إبعاد وعزل التصوّرات البعيدة عن الصحة، وتبقى ضمن الاحتمالات.

وللبحث في علاقة الإسلام مع الفنون التشكيلية التي تصوّر الكائنات الحيّة في السنوات الأولى لظهور الإسلام، وللغوص في هذا الموضوع من الضروري العودة إلى القرآن كأساس وحيد للدين والقانون الإسلاميين. وكما قيل في الأعلى أن منع تصوير الكائنات الحيّة غير موجودة فيه. ففي السورتين الثانية والسابعة (في الفصل) توجد بعض ملامح من قصص الإنجيل عن عقاب عبدة الأوثان، وحتى في السورة الخامسة، ويتم الكلام (شعراً 92): حرم المؤمنين النبيذ، واللعب في القرعة، والأصنام (النَصَبْ، وجمعها أنصاب) وإطلاق النار – كلها من رجس الشيطان فاجتنبوها" ولكن، وهنا تتضمن الآيات إدانة الوثوق بالوثنيين – العرب لأن "الأنصاب" ليست تصويراً بالنحت، بل صخور ملحية ملحوظة، أو مجرد حجارة – هشة تسجد أمامها أغلب القبائل العربية.

أما جميع العلماء المسلمين، وحتى الروحانيين في الوقت المعاصر هم موحدون في اعتقادهم، بأن الأماكن المقّدسة في القرآن لا تأخذ بالاعتبار تلك التحديدات للتصوير أو النحت، ولكن القرآن ليس المصدر الوحيد للبحث في أحكام هذا الأمر. وفي العشر سنوات الأولى بعد الهجرة تم إنارة الكثير من المواضيع للمؤلفات التاريخية في النصف الثاني من القرنين الثامن – والتاسع.

وتجدر الإشارة إلى أن المعلومات، التي ورد ذكرها في هذه المؤلفات هي موثقة ومصدقة ليس أقل من وثائق أية مرحلة أخرى، عدا بعض القضايا الأساسية والمهمة المرتبطة بنشاط النبي محمد. ولكن، في مثل هذه الحالة من الضروري إبداء التعجب ليس لوجود مثل هذه الأشياء، ولكن لأن عددها قليل للغاية.

وفي العديد من المصادر يتم الإعلام عن ذلك، بأن محمد قد دخل إلى مكة في عام 630م وأمر بتحطيم كل الأصنام الموجودة في الكعبة أو حولها، وأن تمحى كل الكتابات داخل المعبد (كما يتّضح أنها ذات محتوى إنجيلي) وعند ذلك جاء أمر محدد بتدمير كل الأصنام في بيوت المكيين. ولكن محمد، – حسب شهادة الأزرقي – أمر أن يتم الحفاظ على تمثال مريم العذراء مع الطفل الذي تحمله على عمود من أعمدة الكعبة، وبقي تمثال مريم العذراء حتى الحريق في العام 683م. وتؤكد هذه الحقيقة، على أن كل هذه الأحداث والمواقف للرسول محمد كانت موجّهة ضد الأصنام وعبادة الأوثان، وليس ضد الفنون الجميلة والنحت كفن قديم.

وفي بيت الرسول محمد كانت عدة أشياء تعكس الكائنات الحيّة، (وهذا سنتعرض له لاحقاً عند الكلام عن الأحاديث) حتى على الختم الخاص كانت صورة (تمثال). حقاً، أنه توجد الكثير من الأمور المهمة في القضاء ويقال على ألسنة بعض الصحابة ومن أتى بعدهم من المؤرخين أنه قد كتب على خاتم محمد: "محمد رسول الله". ولكن، وحسب شهادة أحد المؤرخين – الكوشيري قال: إننا نعلم أن أختام المقربين من الرسول كان عليها كتابات أخرى – وروى أ. يناني وصف الأختام لعدد من الصحابة المقربين، إذ قال معدداً الأختام التي شاهدها معهم، ووصف الصور التي كانت منحوتة على الأختام، ومنها صور للبشر، والحيوانات والطيور. وهذا شيء طبيعي، لأن محمد وصحابته والمقربين منه كانوا يستخدمون الأدوات والأواني والأقلام البيزنطية والإيرانية (كما كان الأمر في كل الجزيرة العربية). أما الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب الذي أصبح خليفة العالم الإسلامي بعد سنتين من وفاة الرسول محمد، كان يستخدم خلال الصلوات الاحتفالية في الجامع مجمرة بخور فضية مع مجسمات بارزة، كان قد حصل عليها أحد الجنود خلال معركة من المعارك في سورية، وفي بيت عمر كان الخازن يسار ابن نمير كان إفريز مصنوع من الفضة – وفيما بعد، في قلعة الإسلام في المدينة كان من الممكن أن يشاهد الإنسان، البيوت التي زُخرفت جدرانها بالتواقيع أو الأفاريز المعدنية. ولقد برع المهنيون الأمويون فيما بعد بتصنيع الكثير من المنقوشان التي عُلقت على الجدران والأقواس وربما في وسط سكان المدينة كان عدد من المتحمسين الغيورين على المصلحة العامة ووقفوا ضد البذخ والإسراف عند الأمويين فأدان بعضهم التصوير والأدوات المزخرفة، وأدان البعض الفنون كردود فعل على الأمويين وتصرفاتهم، وكرهوا كل ما أنتجوه من أشياء تعد ضمن الفنون الجميلة بما في ذلك الحلي والحلل، وهذا ما انتشر بين العرب الذين سكنوا في المناطق الشمالية التي تم فتحها من قبل الجيوش الإسلامية. وقد انتشرت اللوحات الإبداعية الفنية والرسومات الفاخرة على جدران القصور والقلاع وبيوت الخلفاء والجباة، وزُخرفت البيوت بالتماثيل المنحوتة، والنوافر والمزخرفات المعدنية، حتى تم تزيين المعابد. وكذلك القطع النقدية التي من خلالها كانوا ينشرون الدعاية للدولة. وحسب كلمات ح. ليمينس: "لا بد أن يتم البحث كما يجب، فمن الممكن أن يجد من يبحث في زاوية بيت امرأة مسلمة لوحة أو إيقونة مع صورة مريم العذراء" أو عملة حفر على أحد وجهيها الصليب المسيحي، التي صك منها كميات للتعامل مع أوروبا.

وفي هذا المحيط تكونت الأذواق الفنية المختلفة لقسم كبير من المسلمين وفي العصر الأموي ترافقت الزخرفة في العمارة للقصور من داخلها وخارجها وكذلك استخدام الكتابات الإبداعية، كما جرت العادة بزخرفة الجدران من الداخل والخارج بلوحات الموزاييك التي نافس فيها سكان بلاد الشام الإغريق والرومان في هذه الصناعة الحرفية اليدوية.

أما المصادر الكتابية فقد حافظت لنا على الكثير من الذكريات عن الفنون التشكيلية والنحت من نتاج تلك الفترة الزمنية القديمة، ولقد احتفظ المؤرخون ببعض اللوحات الجميلة حتى أيامنا هذه، وأرى أنه من غير الضروري هنا وصف تلك الآثار المعمارية قصر عمرة، قصر الحير أو خربة المفجر، فهي معروفة جيداً في الوقت الحاضر.

إن تصوير الناس، وخاصة، الرسومات للحيوانات كان من الممكن العثور عليها ليس في البنايات الدنيوية، بل في الجوامع. ولقد بنيت المساجد الأولى في أي بناية واسعة. وهكذا، بعد فتح كتيسيفون قام العرب ببناء مساجد ليوم الجمعة في إيوان ساسانيدسكي، وعكسوا كل ما أرادوا. وكانوا يبنون خاصة المساجد على أرضية، أو أساس الكنائس القديمة ومعابد النار وغيرها من البنايات الحضارية التي قام بإنشائها الشعب المغلوب على أمره. ومع هذا تم الحفاظ على الصور المختلفة. ففي جامع ليوم الجمعة في إستراخان، والذي تم بناؤه في معبد النار، وصممت الأعمدة على شكل رأس الثور، الذي عرفه الناس في جامع الأزهر. ولقد تم الاحتفاظ فترة طويلة بثلاثة أعمدة مع تيجانها، وتم رسم طيور عليها وتم اعتبارها حامية لأجساد البشر، وكان البشر يعتنون بمظهر هذه الطيور ويحافظون عليها. وعندما أرادوا بناء جوامع جديدة قام المسئولون بدعوة حرفيين بيزنطيين لإنهاء العمل في زخرفتها، فقاموا بإتمام العمل في قبة الصخرة الشهيرة في القدس، وبلغ عدد الحرفيين في كسوة البناء بحدود عشرين ماستر وتمت دعوتهم من قبل الوليد بن عبد الملك (705-715) لإتمام العمل أيضاً في مسجد المدينة. ولقد قام هؤلاء الحرفيون بزخرفة الجامع حسب معرفتهم وأذواقهم. حتى قاموا بتصميم المحراب في المسجد الذي تم بناؤه في صنعاء، والذي أنجز العمل به في أيام الخليفة نفسه، وقاموا بزخرفته بلوحات الموزاييك المظللة بالأشجار، ولوحات موزاييك عن القصور والقلاع التي تم إنجازها، ولم ينسوا صورة للخنزير، والتي تم إلغاءها (صورة الخنزير) بعد نصف قرن فقط من بناء الجامع ووضعت زخرفة عادية بدلاًَ منه. وفي مساجد تلك الفترة كان من الممكن أن تصادف مواد على شكل أجسام حيّة وعلى شكل دوائر هواء لولبية (زوبعة)، وتعكس شكل فارس يحمل رمحاً، وذلك على مئذنة أحد المساجد في مدينة الكوفة (في النصف الثاني من القرن الثامن).

وبالطبع، لا يجوز أن يكون المسجد مزخرفاً بصورة مسبقة وعن قصد مسبوق، باللوحات الفنية الإبداعية أو بالتماثيل المجسّمة. ولكن، ولأسباب ما ظهرت على جدران المسجد صوراً تعكس نماذج من عالم الحيوان، فإنها لا تثير غضب الرقابة الدينية، ولا يعترض على هذا التصرف النسبة الأكبر من السكان، إذ لا يرون فيها ضرراً ما. ولكن بعض الشخصيات الروحية أدانوا واحتجوا على بناء مسجد يشبه من حيث مظهره الخارجي وشيء من الداخل شكل الكنيسة.

وأول احتجاج للمسلمين ضد التشابه كان في فترة حكم يزيد الثاني (720 – 724)، وحسب رأي مجموعة من المصادر المسيحية، يوجد إنسان من اللاذقية السورية تنبأ أمام الخليفة الذي أمضى أربعين عاماً في الإدارة، فإذا كان هو سيحطم كل الأيقونات والصلبان، فإنه بناء على أمر يزيد من الممكن أنهم في أرمينيا ومصر أخذوا يحطمون الأيقونات والصلبان. والصلبان المثبت عليها مجسم جسد المسيح المصلوب أيضاً. ولكن وقبل أن يسري مفعول أمر يزيد حتى توفي هو بالذات، وتم تعيين خليفة جديد، وجاء أمر الحاكم الجديد بإلغاء أمر يزيد. وبما أن أمر يزيد كان موجّهاً ضد الأمثلة الفنية في المسيحية، وليس ضد أي لوحة فنية أو تمثال منحوت. إن هذا كان شيئاً من الملاحقة العادية ضد المسيحيين التي تتوازى بالتنفيذ مع تطبيق حملات الضرائب الجديدة، ووسم الرهبان بوسم لا يمحى مدى الحياة وهكذا إلى الأخير. ونحن نعرف حادثة أخرى، عندما وقف الخليفة الأموي ضد الفنون التشكيلية. أما عمر الثاني، الذي امتاز في نهاية حياته بنقاوة الضمير، شاهد كتابة في حمام عمومي فأمر بإزالتها، وأضاف قائلاً: "لو عرف من كتب هذا، لكان قد لاقى حتفه بشكل أكيد". ولقد أشار كاتب سيرة حياة عمر الثاني إلى أن الخليفة قد أبدى غضبه، لأن محتوى الكتابة كان ضمن موضوع الشذوذ الجنسي، وكتب المؤرخ ك. كريسفيل إن مثل هذه الكتابات في الحمامات أو الأمكنة العمومية لقضاء حاجة الناس شيء طبيعي.

إن البحوث الحوارية للبطريرك في دمشق يوحنا الدمشقي (توفي عام 750 للميلاد)، كانت تنتقد رسامي الأيقونات وقد تبنى البطريرك الحوار بينهم وبين المسلمين الذين وقفوا ضد رسم الأيقونات الشخصية، وكأنها نوع من عبادة هؤلاء الوجوه المرسومة على الجدران أو في لوحات مؤطرة، مع العلم أن الكاتب المؤرخ لا يسمي المسلمين المعارضين لرسم الأيقونات بأنهم أضداد وأعداء لهذا النوع من الفنون التشكيلية. أما يوحنا الدمشقي، الذي عاش في مركز الخلافة لم يكن بإمكانه أن لا يعلم كيف يتعامل المسلمون مع اللوحات الفنية الإبداعية والتصوير بشكل عام والنحت الذي يحيط بهم من جميع الجهات. وكما يتّضح فإن هذا يتم تفسيره بما يلي: إن المسلمين في هذا الوقت لم يدركوا بعد الحدود في العلاقة القائمة بين أشكال الفنون على تنوعها وتاريخها وأسسها الفلسفية.

ورغم كل ذلك، إن المباحث التي كتبها الأساقفة من حران من أمثال ثاودورس (أبو قرة) قد اعتقدوا أن هذه المباحث قد كتبت إلى الرشيد والمأمون، ويتم التذكير برأي الإسلام، بأن الرسامين الذين يصوّرون أشياء تحس وتشعر وتتألم، وأنهم سيكونوا مجبرين بالاعتراف يوم الحساب العظيم أن يبثوا الروح في أعمالهم الفنية. إن هذا شيء دقيق وثابت لإعادة بعث الحياة، وكما جاء في أحد الأحاديث التي رواها البخاري. ومن هنا من الممكن الوصول إلى نتيجة مفادها أنه وفي بداية القرن التاسع لقد تأكد في الإسلام تصوّر كامل عن الإثم الكبير الذي يرتكبه الفنان عندما يعكس في أعماله صوراً لكائنات حيّة. وفي هذا الخصوص، فإن الأمر ليس مجرد مصادفة غير عادية، وأنه في السنوات الأخيرة من القرن الثامن للميلاد ليس مصادفة أن تكسرت بروزات ونقوش على تاج المبخر الخاص بعمر الثاني وتم تغييرها إلى موزاييك في محراب مسجد في صنعاء.

أما العلماء العرب فهم لا يتفقون مع وجهة النظر هذه، وأحدهم كان زكي محمد حسن، الذي حصل على تعليم عالي في أحد البلدان الأوروبية، وهو يعرف كل الآداب حول توجيه السؤال، وأكد، أنه ليس أقل من ذلك بأن منعْ هذه اللوحات الفنية قد حدث في أيام الرسول محمد. وهو يرى، وعلى وجه الخصوص، أن صمت يوحنا الدمشقي بخصوص منع التصوير لا يبرهن على أي شيء. وخلال عيشه في دمشق أيام حكم الأمويين، كان بإمكان يوحنا، الذي لم يتقيد كثيراً بأحكام المتطرفين الأصوليين، أن ينفي علمه بصدور قرار يمنع التصوير للأحياء، لأنه كان يعرف اللغة العربية وتناقش كثيراً مع رجال القانون من المسلمين العارفين للأحكام في العراق.

وعندما حصل الاجتماع الكبير في القرن السابع للميلاد في الكنيسة عام 787م، تم شرح منابع هذه الأفكار حول إثم رسم الأيقونات. واشتهر هذا القرار حول منع رسم الأيقونات بقرار الخليفة يزيد الثاني حول تحطيم الأيقونات: هكذا تجمعت الأيقونات المحطمة في زاوية من قبل حاملي الأيقونات، وكأنهم اقتدوا بتصرف المسلمين، وعلى الرغم من كل ذلك، فقد قام هؤلاء بهذه الأعمال وهم يهدفون إلى إبراز دور تالفي الأيقونات وهم أعداء المسيحية .. وذلك حسب الوصية التي تركها يزيد التي كانت ضرورية حتى يعمق ذنبهم في واقع الأمر.

وكما هو معروف أن الحركة المعادية لعبادة الأيقونات في المسيحية، امتلكت كما تبيّن ليس الأسس التحريضية التي حاول يزيد أن ينشرها عندما أصدر أوامره.

فإذن، على ماذا كان يعتمد زكي محمد حسن وغيره من العلماء العرب، الذين أكدوا على وجود الأمزجة المعادية للتصوير منذ البداية؟ والأساس لهذا حسب رأيهم، كانت الأحاديث وتأريخها. أي كل ما كان يرتبط بنشاط النبي محمد وأقواله، والتي نقلها الصحابة والمؤرخون والمرافقون له. ولقد أحلّت الضرورة بالنسبة للمسلمين أن يعملوا على جمع مثل هذه الشهادات والأقوال مباشرة، بعد وفاة محمد – وفقط القرآن لم يكن أساساً لتكوّن الطقوس الدينية، والقانون الإسلامي. وكان للمسلمين من إلهام الاعتماد على مثل الاعتقاد الديني. وفي بداية الأمر، وفي الوقت الذي كان فيه رفاقه من الصحابة المقربين، من أمثال أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، علي بن أبي طالب، كان من الصعب أن يضع أحد كان الكلمات المنسقة على لسان محمد وخاصة تلك التي لم ينطق بها يوماً، ولكن في السنوات اللاحقة بدأ بعض الكتبة الكاذبون أن يضيفوا إلى أقوال الرسول محمد ليس العبارات فقط، بل وبعض الآراء الاجتماعية العامة والمنتشرة بخصوص تلك أو غيرها من المواضيع الكلامية المدرسية أو الحياتية والثقافية التي لم يقلها الرسول. ولجأ البعض إلى إضافة بعض الأقوال باسم الرسول في مصلحة هذه الديانة أو تلك، أو بخصوص بعض الجماعات السياسية، التي ظهرت عقب الكثير من السنين بعد وفاة الرسول محمد. إن سخافة مثل هذه التلفيقات لم تخجل المؤلفين والمتقولين لهذه الأحاديث: فبالطبع إن الرسول محمد كنبي، كان بإمكانه يرى أو يتنبأ لظهور العباسيين أو الشيعة.

قبل القرن التاسع انتشرت بين الأحاديث المنقولة عن الرسول أحاديث شفهية كثيرة، وفقط في بداية القرن التاسع ظهرت مجموعات كبيرة مطبوعة ومجلدة، وأصبحت معتمداً قانونياً من الإفتاء الإسلامي. وكان من بين هذه المجموعات: "المسند" لأحمد بن حنبل (توفي عام 855م) وأشرف على تحريرها ابنه، وكذلك "الصحاح" للبخاري (توفي عام 870م) و"صحيح" مسلم (توفي عام 875م). وتجدر الإشارة إلى أن مؤلفي هذه المجموعات كانوا معروفين. وأنه بين عشرات آلاف الأحاديث الواردة فيها، كانت مجموعة من الأحاديث يعتريها الشك أنها من قول الرسول محمد، ولكن بالنسبة لهم كان بإمكانهم أن يتعاملوا مع الأمثلة العادية البسيطة للنقد. – شرح الطريقة الصحيحة، لنقل الأحاديث عبر عدة محدّثين، فإذا، اعتمد، على سبيل المثال، "الحديث" الذي نقله له، فعند ذلك كيف يمكن للمحدّثين أن يتعاملوا مع الحديث نفسه، وكيف من الممكن أن يلتقيا، وأي حديث من الاثنين غير صحيح.

وبهذا الشكل تم اختيار ما يقارب 30- 40 ألف حديث، معتمدين وتم التأكيد على صحتهم (أي من قول الرسول حقاً). ومع هذا، وفي مختلف المجموعات تقدم أحاديث مختلفة، فتتطابق على وجه التقريب نصف الكمية. ومجرد المقارنة السريعة والتعرف على مجموعات الحديث، التي تم نقلها من أشخاص مختلفين، يدب الشك أن بعضها غير دقيق، وكل مجموعات الحديث القانونية يتم نقاش 142 حديثاً منقولاً عن أبي بكر، 146 حديثاً منقولاً عن عثمان، 536 حديثاً منقولاً عن علي بن أبي طالب، 537 عن عمر بن الخطاب و5374 عن أبي هريرة. وهذا الإنسان (أبو هريرة)، الذي كان معروفاً من قبل عدد من الأفراد كان ضريراً مهذار. ومن دون أي شك، فإن الأحاديث التي نقلت عن عمر بن الخطاب وعن أبي بكر قد كتبت فيما بعد وفاة الرسول.

وهكذا، ولهذا لأنها كمية كبيرة فوق العادة، ونقول بصراحة أن المصدر غير موثوق به، ويعتمد زكي محمد للبرهنة أنه يوجد قرار منع منذ السنوات الأولى للإسلام. فلننظر ماذا ورد في الأحاديث المسجلة في المجموعة الأساسية التي نقلها البخاري (إن سلسلة نقلة الأحاديث، بما يسمى "الإسناد" مرفوضة ومطروحة جانباً لقصرها) فرقم 88، عن أبي طلحة، الذي قال: قال النبي… "لا يدخل الملاك إلى بيت، حيث يوجد كلب وصور".

رقم 89، عن مسلمة، الذي قال: لقد كنّا مع مسروق في بيت يسار بن نمير وشاهدنا على الإفريز مجسمات مختلفة، فقال مسروق: لقد سمعت كيف قال عبد الله، إذ قال: سمعت أنا، كيف قال الرسول: "…في الحقيقة، سوف يعاقب الأقوياء بين الجميع، فعند الله لا يوجد يوم الحساب الرهيب المصورون".

رقم 90، حدثت عائشة، أن النبي … لم يبق في بيته أي شيء، يصوّر على الصليب، إذ تلف كل الأشياء.

رقم 91، قال أبو ذر: دخلت أنا مع أبي هريرة إلى بيت في المدينة ورأيت على الأسطح رساماً، كان يقوم بتصويره، (فقال أبو هريرة): سمعت أنا، كيف قال رسول الله… إذ تكلم:" إن الأسوأ من بين أولئك الذين استشهدوا، كانوا أولئك، من يبدع ما يشبه إبداعي ويكونون حبة ودودة".

رقم 92، قالت عائشة … وصل رسول الله من رحلة، أما أنا فقد علقت على عارضة فوق الباب ستاراً، كان مرسوماً عليه بعض الصور. وعندما شاهدها رسول الله، أسرع ومزّقها إرباً إرباً وقال:" أسوأ بني البشر كلهم، أولئك الذين سيعاقبون يوم الحشر الرهيب، وهم من يقلد ما يخلقه الله". فقالت عائشة: كان من الممكن أن أصنع من هذا القماش وسادة أو اثنتين، مجرد أن تشير لي بذلك.

رقم 93، أبو طلحة وعبيد الله، ابن زوجة الرسول محمد بالتبني، قدما لعيادة المريض زيد ابن حميد الجفهاني فشاهد ستاراً على الباب مع صور. وهنا قال (أبو طلحة) لعبيد الله: "وهل أنت لم تسمع كلماته "عدا الزخارف على الألبسة".

وفي أحاديث أخرى يعبرون بكلمات أخرى عن الأفكار الرئيسة في الأمر، أن أولئك الذين يقومون بالتصوير (الرسامون) سوف يلحق بهم عذاب أليم، وسوف يطلب الله منهم أن يبث الروح في منتوجاتهم (مخلوقاتهم)، وأنه، "إلى البيت الذي يحتوي صوراً لا تدخل الملائكة".

ومن الأحاديث من الممكن الوصول إلى نتيجة مفادها، أنه في بيت محمد نفسه توجد أشياء على صور مختلفة، وإنه لم يقصد المنع الكلي لاستخدامها، كما رأينا. إذ نهضت عائشة ونزعت الستارة، وصنعت منها وسادة. وحسب رأي أ. يناني، إن محمد قد أمر بنزع الستارة، لأن الصور الموجودة على القماش كانت تسيء إلى تركيزه خلال الصلاة، وتوجد الكثير من الأحاديث التي تتكلم عن هذا الموضوع مباشرة.

ويعتقد المستشرقون الأوربيون، أن، الأحاديث عن الفنون التشكيلية قد ظهرت لأول مرة ليس في السنوات الأولى لبداية الدعوة الإسلامية، بل بعد انتشار الإسلام بفترة طويلة، وخاصة عندما ظهرت في الإسلام بعض المؤشرات لتأثير الديانة اليهودية وبرزت بعض التصورات الغريبة عن المشرق العربي. وفي بعض الحالات، وخاصة في الأحاديث التي ظهرت متأخرة، ومن خلالها كان بالإمكان فصل الأمور وتفسيرها، بصورة فيها وضوح الرؤية الشاملة. وهكذا،

بيّن ليامنس أن الحديث الذي يقول: "لا تدخل الملائكة إلى بيت فيها صور للكلاب أو لأجراس" ولكن في المرحلة المتأخرة من الظهور حصلت بعض التغيرات، إذ أنه وفي السنوات الأولى من انتشار الدعوة الإسلامية، لم يكن هناك أي أثر للاشمئزاز من الكلاب (وهذا لم يجد أثراً له في القرآن) وكذلك الأجراس كمظهر من مظاهر المسيحية، ولم يكن معروفاً في الجزيرة العربية.

وحتى، في تلك الحالة التي ظهر فيها الحديث الذي توعد "المصورين" بالعقاب وحاولوا الاستناد إلى حديث محمد، كان من الحكمة وقتها الكلام عن موقف الرسول الذي كان معارضاً لأولئك، الذين صنعوا الأصنام، لأن كلمة "مسافر" تمتلك معاني كثيرة في القرآن أوسع مما هي في المعجم اللغوي، وأكثر بكثير من المعاني لكلمة "فنان تشكيلي".

ومن المميّز أن المعلقين في القرن الخامس عشر والسادس عشر، وعلى سبيل المثال العيني، القسطلاني والأسكلاتي، ولم يتفهموا بعض كلمات الأحاديث حول معاقبة الفنانين في المعنى المحدد والحرفي للكلمة، وكانوا يشرحون، أن هذا يخص فقط أولئك الذين يصنعون الصور للسجود أمامهم.

وربما، أنه وحتى نهاية القرن السابع أصبح بعض المسلمين، وبالدرجة الأولى المؤمنون في المدينة يدينون وينتقدون المصورين والفنانين، هذا مع العلم أن رأيهم لم يحصل على الانتشار الواسع. وفقط في نهاية القرن الثامن للميلاد – بداية القرن التاسع عندما تشكّلت المجموعات الأولى للأحاديث النبوية، وهذا الرأي أصبح سائداً ومؤثراً بين اللاهوتيين.

وفي القرن التاسع أصبحنا نعرف بعض الحوادث لإتلاف اللوحات الفنية تحت تأثير اللاهوتيين. وعلى سبيل المثال الخليفة المهتدي (869- 870) المتميّز بالنقاوة الروحية من غيره، قام بخطوة مهمة للغاية عندما استلم أمور الخلافة، إذ "قرب العلماء، ورفع من مستوى ومراتب الفقهاء… ولقد كان الخليفة المهتدي معتدلاً في ثيابه، ومعيشته، وطعامه وشرابه. وأمر بسحب الذهب والمجوهرات من الخزنة والأواني الذهبية والفضية.

ولقد أعادوا تصنيع هذه الأواني والعقود الذهبية والفضية وصكوا عملة للدولة باسم الدينار والدرهم. وتوجّه المهتدي للفنانين والمصوّرين الذين كانوا في صالات الاستقبال، ولكنهم مطموسين في زوايا مهملة. ولكن ولي العهد بعد المهتدي المعتمد بالله (870- 892م) عاد من جديد ليزخرف قصره على أحسن شكل. وكتب الشعراء والمتنورين قصائد شعر امتدحوا فيها هذه الفنون الجميلة، وخاصة اللوحات التشكيلية التي لونت أغلب مساحة الجدران، واشتهرت آنذاك قصيدة الخمديس، عن طبيعة وجمال هذه الزخرفة التي تبهج الروح، وبإمكاننا أن نحكم عليها من خلال اللقى، التي عثر عليها في الحفريات الأثرية والتنقيب في المواقع الأثرية للقصور الشهيرة آنذاك في سامراء، ولكن هذه اللقى لا تشكل 1% من تلك الزخارف والمجوهرات التي كانت تشكّل ثروة كبيرة بمقاييس تلك الأيام. هذا بالإضافة إلى الحفلات الكبرى التي تقام آنذاك، وكذلك مشاهد الصيد. وتناقل المؤرخون الأخبار عن تلك البهرجة وعظمة الاحتفالات وتصوير ممثلي الكنيسة والأمراء المسلمين فيها.

أما الطولونيين (نسبة إلى أحمد بن طولون في مصر – المترجم) بعد أن انقسموا عن الخليفة، تابعوا في مصر، واستمروا في حرفتهم (زخرفة القصور باللوحات الفنية والمنحوتات المختلفة، أما الأمير خمارويه (554- 896) فقد صمم مشروعاً فنياً لقصره في الفسطاط، إذ وضع تمثالاً خشبياً واقفاً في ارتفاع طول الإنسان بمرة ونصف، وهو يصور نفسه في كل الملامح وإلى جانبه تمثال أقصر لزوجته. وفي النهاية الأخرى للعالم الإسلامي، في إسبانيا، وضع عبد الرحمن الناصر (912- 961) أمام قصره تمثالاً برونزياً لزوجته في مدينة الزهراء الإسبانية.

أما في مصر الفاطمية انتشرت الفنون التشكيلية بشكل واسع واضمحلت الرقابة على الفنون لأن الفاطميين قد حسبوا أنفسهم هم المفتين القانونيين للإسلام. وكان من الممكن أن يشاهد المواطن العادي وهو يتجوّل في شوارع القاهرة والإسكندرية معارضاً كاملة تحتوي على لوحات للخلفاء والشعراء. وكانت تقام بعض المسابقات للفنانين. وذات مرة ذهب حاسدٌ غيور من جماعة السنة المتشددين، يدعى محمد غزنوي قام بزخرفة قصره بشتّى الرسومات والزخارف (وهذه القصور قد فُتحت للزوار وعلماء الآثار قبل فترة وجيزة)، وحسب بعض الشهادات قد وجد فيها المنقبون عن المحتويات عن لوحات فنية لأشخاص.

ولكن، وبالنسبة للرسوم واللوحات الجدارية لم تكن ملكاً لبعض الملاكين الإقطاعيين الكبار في القرنين العاشر – والحادي عشر فقط، بل كان من الممكن أن يشاهدها المواطن العادي في بيوت المواطنين الأثرياء، ومن هذه الأمثلة كانت تلك البيوت القديمة التي دُمرت في فترة الحروب في منطقة نيسابور التي تم التنقيب فيها عام 1937م. ولقد سادت عادة في مصر القديمة بزخرفة ممرات وبهو الحمامات القديمة.

كما قام الأطباء المصريون القدامى من المسلمين في القرنين العشر والحادي عشر بنقل وإعادة رسم اللوحات الطبية التوضيحية والعلمية. وعلى سبيل المثال محمد بن زكريا الرازي (825- 864؟) كتب في مذكراته أن الأطباء القدماء، كانوا يعرفون جيداً الارتخاء الصحي الذي تقدمه الحمامات نتيجة التدليك والمسّاجات التي يقوم بعض الاختصاصيين في الحمامات على صحة الإنسان كانت ضرورية للغاية، وهذا أثر على انتشار اللوحات والزخرفات في الحمامات العامة.

وكان لهذه اللوحات أثراً كبيراً على الاعتناء بصحة الإنسان وطول حياته: "… إنهم كانوا يعرفون كيف أرواح الثلاثة أجناس: الحيوانية، الروحية، الطبيعية، وقد كونوا من كل نوع فنوناً خاصة، ورسومات توضيحية للعضلات وغيرها حتى العوامل النفسية لتدعيم القوة في كل جنس من الأجناس الثلاثة وتضخيمها. أما بالنسبة لرسومات الحيوانات وقوتها – المعارك التي تدور بينها ومشاركتها في الحروب، وركض الخيول، وصيد الوحوش البرية، وكذلك اللوحات المصممة للقوى الروحية والنفسية – كالحب مثلاً، والذكريات وعن وضع المحب والعاشق، وعلاقاتهم وممارسات الحب كالاحتضان أو الهجر وغير ذلك؛ أما بخصوص الصور والفنون التشكيلية عدد الطبيعية – كالحدائق، والأشكال الزاهية والجميلة لها، وغالباً ما كانت اللوحات الموجودة على جدران الحمامات مأخوذة من الطبيعة وجمالها الساحر".

وعلى هذا النحو الروحي أعرب ابن سينا (980- 1037) في فصل "الحفاظ على الصحة". ففي الحمام الجيد، حسب كلامه يجب أن يكون الحمام نظيفاً ونقي الهواء، ومتوسط الحرارة، ومنار بشكل جيد وفسيحاً، وساحة واسعة أمام الحمامات للخدمات العامة، وفيه لوحات فسيحة وفيها جمالية واضحة وخاصة للمحبوب أو العشيق وكأن الحدائق متحركة والفرسان يتحركون فوق خيولهم لاصطياد الوحوش المفترسة.

هذا وأنه لا يجوز لقول، أن مثل هذا الموضوع وما على شاكلته فإن الرسومات في الحمامات لم تصادف نقداً أو معارضة من جانب الروحانيين الأكثر تعصباً، أما بالنسبة لابن حنبل (780- 855) وهو واحد من "المؤمنين الأرثوذكس". ومن بينهم، أناس قد أعربوا عن أنفسهم بهذا الشكل: "إذا دخل الإنسان إلى الحمام، ويرى فيها صور على الجدران، كان سابقاً وكأنه كان عليه أن يتلفها أو يمحيها، وإذا لم يتمكن من محوها، عليه أن يخرج".

كما تجب الإشارة إلى أنه لم يكن أي احتجاج سلبي حاد بخصوص مواضيع اللوحات التشكيلية المتنوعة للاتجاهات السائدة حتى القرن العاشر ميلادي ضمنا. ومن الممتع جداً أن العلاقة بين المقتطفات من مبحث الروحانيين وقواعد النحو عند أبو الفارسي الذي عاش ما بين (900- 987)، وقد طلب منه ولأول مرة أن يتدخل الفارسي لحسم الخلافات إن وجدت.

وعندما شاهد صفاً طويلاً متجهين ضد عبدة الأصنام بأشعار القرآن.  التي يذكر الصنم على شكل عجل، بما في ذلك: "وقد كتبت أسماء، أولئك الذين حضروا العجل، سوف يلحق بهم غضب سادتهم الذين ينزلون بهم الإهانة في الحياة في هذه الدنيا"، ويشرح الفارس هذا الأمر قائلاً: "إن ذلك، الذي يلون العجل، أو ينقره، أو يغيره شكله بطريقة أخرى فسوف يلحق به غضب الله، وكراهية المسلمين…".

وإذا قال أحد ما: "إذ قيل في الحديث: سوف يعذب الفنانون في يوم الحساب العسير، وفي أحاديث أخرى: – ويقولون له: بثوا الحياة في مخلوقاتكم"، فإن تلك الكلمات "ستعذب الرسامين أنفسهم". وهذا يخص ذلك، وكل من يصور الله حتى (التصوير للأجسام). أما ما يخص الإضافات إلى هذا، فإن هذا النبأ لبعض الناس، الذين لا يستحقون الثقة. وكما نحن ذكرنا إن العجم لا ينافسون هذا الرأي". ولم يكن الفارسي وحيداً في آرائه. وربما، وفي نفس الوقت، لقد أعرب عن مثل هذا الرأي مؤمن مصري يدعى النحاس (توفي عام 948م) وبعد فترة من الزمن أعرب المفسر الإسباني للقرآن المدعو المكي.

ولكن وفي القرن الحادي عشر لقد تغير الموقف من الفنون الجميلة وبحدة كبيرة، فالذي كان مرتبطاً بالذي ابتدأ في ذلك الوقت بما تسمى الردة الأرثوذكسية في الإسلام. تصاعد الصراع حولها مع بعض الأفكار الإلحادية، التي غزتها إيديولوجيا للحركات الشعبية، مما أدى إلى المطاردة والملاحقة لكل فكر حر وحتى لو كان في حدود مشاركتها السابقة. وطالت الملاحقة أنصار المعتزلة، الذين انتشرت تعاليمهم كفرع رسمي من أصول العباسين.

وفي هذا الخصوص، كانت ملاحظات ب. الفارس، أنه، وبين أنصار القول حول السماح بتصوير الكائنات الحية كانوا جماعة المعتزلة؛ وعلى وجه الخصوص المذكور أعلاه ب. الفارس، وربما قد انتسب إلى تلك المدرسة. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه أصبح الأمر واضحاً، أنه وفي ظروف ملاحقة يوتازيليتي.

كان رأي بعضهم، أن السماح بتصوير الكائنات الحية كان من الممكن لها أن تصبح منبوذة من قبل المؤمنين الحقيقيين، وربما لأنه ثم دعمه من قبل أناس من ذوي اتجاه آخر وأصل آخر. وعلى أي حال ففي القرن الثاني عشر، وكما ساد اعتقاد، لم يكن ولا مؤمن واحد أرثوذكسي قد أعرب عن موافقته لرأي الفارس. فبالنسبة لتفهم الآراء التي تكونت في هذا القرن (12) من المهم رأي واحد من المؤلفين والمفكرين الأساسيين في الإسلام – الغزالي (1058- 1110) الذي كان رأيه على درجة كبيرة من الأهمية، وحتى الوقت الحاضر لم يتم الاتفاق حوله بصورة نهائية، وخاصة حول مؤلفة الشهير "إحياء علوم الدين" إذ كتب:

"إن النقاشات في الأسواق، وخاصة بيع وشراء الألعاب وبيع صور الحيوانات التي يتم تحضيرها في عيد الأطفال؛ فمن الضروري تكسيرها، وإتلافها ومنع بيعها كلياً كألعاب للأطفال".

أما الحوارات والنقاشات في الحمام – … والصور على الأبواب، أو داخل الحمام – هذه قضية خاضعة للمحاكمة ومدانة، ومن الضروري قتل كل من يدخل إلى هذه الحمامات، وكل من يحاول إرسال مثل هذه الصور إليها، وإذا كانت الصور ملصقة على مكان عال، من الصعب الوصول إليه باليد، فإنه من المسموح تهديم هذه الحمامات وهذا في أسوأ الحالات. ومن الأفضل أن يذهب الإنسان إلى حمام آخر، لأنه لا يسمح هناك بالنظر إلى ما لا يجوز النظر إليه، أو يكفي تشويه وجه الصورة للكائن (الحي المصور عليها)، وبهذا تفقد معناها، ولا يسمح عرض صور الأشجار وغيرها من الرسومات، ويسمح فقط بصور الحيوانات "أما الإدانات والعقاب لأصحاب الحمامات على استقبال الزوار. ويشمل ذلك فرش الحرير فوق فراش الرجل – فهذا خاضع [للعقاب]، كما يمنع التدخين للمواد ذات العطور الممتازة في المباخر المصنوعة من الذهب أو الفضة والشرب، أو تحضير ماء الزهر في أواني فضية، أو في تلك المغطاة بماء الفضة. ومن بين الممنوعات سدل الستائر على الأبواب والنوافذ وخاصة تلك الأقمشة التي عليها رسومات وصور منوعة… أما فيما يخص التصوير والرسم على الوسائد والسجاد المفروش للجلوس فهذا غير ممنوع، أما ما يخص النقش والتصوير على صحون الطعام والكؤوس، فتمنع تلك الأواني المصنعة على شكل مجسمات لكائنات حية (المقصود أن لا تكون الأواني على أشكال بشرية أو حيوانية، كما صُورت على بعض المباخر مجسمات على شكل طيور – فهذا ممنوع وعليه (عقاب)، ويجب تحطيمها كلياً، أو ذلك القسم منها حيث تصور المجسمات (بمقدار المصورات منه).

وأكثر شخص وقف ضد المصوّرات الفنية كان النووي (توفي عام 1277) مؤلف مبحث نقدي لمجموعة الأحاديث التي جمعها مسلم، ولقد ضمن هذا المبحث نقداً مفصلاً لأغلب الأحاديث الواردة فيه ورأي المسلمين والحقوقيين بهذه المجموعة من الأحاديث، كما يناقش القوانين في الشريعة والإفتاء الإسلامي حول الفنون الجميلة.

ويتحدث ممثلي أصولنا وغيرهم من العلماء، – كتب النووي،- إن تصوير الحيوانات شيء ممنوع بصورة قطعية، وهذا يعتبر [إثماً كبيراً] لأن مخالفة هذا المنع وارتكاب الإثم سيعاقب فاعله عليه عقاباً شديداً. وما يذكر في الأحاديث، بصورة مستقلة عن ذلك، أنهم قاموا بتحضيره حتى يتعاملوا معه تعاوناً جيداً ومحترفاً، وأن تصنيعها أمر معارض للقانون الإسلامي وعليه (عقاب) وعلى أي حال من الأحوال، لأنه يرتكب إثماً في التصوير على الثياب والسجاد، أو العملة الدرهم أو الفلس أو على الأواني، أو على جدار، أو على غيره. أما ما يخص تصوير الأشجار أو الجبال في الشتاء أو غيرها من الأشياء التي لا تعكس عالم الأحياء، فهذا غير ممنوع. ومثل هذا القرار بخصوص التصوير نفسه؛ وماذا يخص عملية الاستخدام؟

أما بالنسبة لاستخدام [الأشياء] المرسوم عليها صور حيوانات، فإن هذا إذا كان معلّقاً كما تعلّق اللوحة على الجدار، أو ثياب ملبوسة على جسم الإنسان، أو عمامة، فإن هذا ممنوع وخاضع (للعقاب). وإذا كان مفروداً لسجادة أو وسادة (كالتي يتكئون عليها عند الجلوس أو وسادة تحت الرأس فهذا غير ممنوع. فلا يوجد في هذا خلاف بين شخص واقف وله ظل، وشخص آخر ولا توجد أي مشكلة عند التصوير لأولئك الذين لا يملكون ظلاً".

أما هذا – فهو نتيجة غير فعلية، فبخصوص البرادي التي منعها النبي أمر مفهوم، ولا يشك أحد بذلك، أنها مسألة ملامة، فهنا لا توجد صور أو رسومات ولم يكن من ظل. وفي أحاديث أخرى كانوا يمنعون أية صور ورسوم. فقال الزهري: "إن المنع كان يشمل التصوير بصورة كلية، وكذلك تحضير ذلك: "إن المنع كان يشمل التصوير بصورة كلية، وكذلك تحضير ذلك، الذي ترسم عليه هذه الصور، وكذلك الدخول إلى البيت، الموجودة فيه هذه الأشياء، ولا فرق، بين أن تكون هذه الرسوم صوراً على الثياب أو على أي شيء آخر، ولا يوجد فرق إذا كانت الصور على الجدران، أو على الثياب، أو السجاد، فالمهم في الأمر أن عرض هذه الرسوم والصور فيها شيء من الازدراء والاستخفاف، أو لا" وحسب الأحاديث، وخاصة عن الحديث الخاص بالوسادة، والذي أسنده مسلم. فهذا – تفسير، له قوة علمية. أما الآخرون،  الذين يقولون: "لقد سُمح من هذه الصور تلك، التي تعتبر زخرفة على الثياب، بغض النظر عن أنهم يتعاملون معها أو يستخدمونها باستخفاف أو لا". ويعبرون عن علاقة سيّئة بخصوص ذلك، الذي يملك ظل أو رُسم على الجدار أو ما يشابه الجدار من أشياء لا يخترقها النظر كالقماش الشفاف مثلاً، أو كانت بمثابة الزخرفة على الثياب أو لا. ويؤكد البعض هذا بالكلام، الذي يملك في بعض الأحاديث معاني أخرى: "عدا ذلك، الذي يعتبر زخرفة على الثياب". وهذا هو – مغزى القاسم بن محمد ويتطابق [كل شيء] مع الهدف لمنع ذلك، الذي له ظل ومن الضروري إتلافه لأنه هو أساس السوء".    

كما يقف وبحدة ضد التصوير تاج الدين الشبكي، لاهوتي مصري في القرن الرابع عشر (1326-1369م): فعلى الدهان أن يرسم الصور للحيوانات ليس على الجدار، وليس على السقف، وليس على بعض الأشياء والأدوات، وليس على الأرض. أما البعض من ممثلي أصولنا السلالية يسمحون بالتصوير على الأرض".

إن هذه المقولات المختصرة كافية كلياً حتى يتم فهم واستيعاب وجهة النظر الإسلامية السائدة للمؤمنين المسلمين بخصوص الفنون التشكيلية. ومن خلال تحديد السماح لهذه أو لتلك الرسومات والصور كان ينطلق رجال القانون، وقبل أس شيء آخر من مبدأ: كم تشكّل هذه الخروقات خطراً على النواحي الأخلاقية في البنية الاجتماعية. وإن الاختلاف والفروق بين بعض العلماء قد ابتدأت من خلال تحديد هذه القضايا المبدئية. وهنا، كان مهماً الدور الذي لعبه انتساب هذا العالم أو غيره إلى مدرسة فكرية وفلسفية وأخلاقية التي تكوّن الآراء الخاصة للعلماء والتي تجسد هذه القناعات بين الجماهير وغيرها، إلى الأخير. أما بالنسبة للباحث أ. يناني فهو جامع مجموعة كثيرة من الأفكار المفيدة للمؤمنين اللاهوتين من مختلف الفروع والأصول ونحن نرسل القرّاء، الذين يرغبون أن يتعرفوا ويطّلعوا على كل هذه المسائل بالتفصيل المفيد.

بالطبع، لقد اعتبرت بعد الصور على الجدران وكذلك بعض المنحوتات المجسّمة والمعبّرة، والرسومات الملونة على السجاد والأقمشة والتي تعكس الكائنات الحية، وعُلقت في الكثير من البيوت كستائر أو لتجميل الجدران، وتم الإعلان عنها أنها مخالفة و"حرام"، وبما أن هذه المواد، كالسجاد مثلاً، مفروشاً على الأرض تحت الأرجل، فليس من الممكن أن نعتبره موضوعاً للاحترام (وبهذا يتم تفسير السماح بالتصوير على الأرض). وانطلاقاً من هذا المبدأ، فقد عدَّ بعض العلماء المعروفين أن الصور الممسوحة هي للشيطان والخنزير لأنهما مكروهين لمنظرهما القميء والسيّئ، فمن غير الممكن أن يكونا مكان احترام وتقدير. وهكذا فإن بعض التجاوزات قد استندت على المبدأ التالي: درجة التصوير الواقعي: تصوير الكائنات الحية، التي تختفي منها بعض أجزاء الجسم غير ممنوعة؛ وهكذا، فإن تصوير الطيور بعين واحدة (أي، وحسب التصورات الفنية أن الصورة أخذت للطائر من جانبه ولا يجوز فنياً أن تظهر كلتا العينين). ولقد سمح من قبل الشيعة والسنّة ببعض التنازلات البسيطة في التصوير حتى سجادة الصلاة الصغيرة، إذ بدت بعض الصور المنمنمة على الأقمشة المخصصة لتصنيع الألبسة، وسمح لها أن تكون لباساً للمصلين خلال الصلاة.

وبالتالي، وحتى خلال القرنين الرابع والخامس عشر، سُمح بارتداء الألبسة التي تظهر عليها صور بعض الكائنات الحية واعتبرت مجازة رقابياً بأعين المشرعين المسلمين المشاهير. ولكننا نعرف جيداً، أنه، وفي ذلك الوقت السابق استمرت بالظهور بعض الصور الإيضاحية للناس في الكتب التعليمية وعلى مواد الفنون التطبيقية، مهما كان وضعها الرسمي.

إن أغلب العلماء الأوربيين تقريباً يبررون ظهورهم بالانحراف العادي بالحياة التطبيقية العملية عن النظرية الدينية. وهذا، وبدون شروط شيء عادل؛ ومن المعروف، أن إدانة استخدام الأواني المصنوعة من المعادن الثمينة لم يعرقل عملية تأقلمها مع الدول الإسلامية. ولقد كان هذا بصورة جزئية مع الفنون الإبداعية، زد على ذلك أن التراجع عن التنبؤ في العلاقات لم يكن شيئاً منكراً حسب رأي النقاد، وأن الدراسة الحرفية كان عملاً قائماً على نقاوة الإيمان، وإن التراجع في هذه القضايا لم يعاقب أحد عليه في يوم من الأيام.

ولكن الأمر لم يكن في هذا وحده. ويلفت هذا الانتباه إلى ذاته حسب الظرف الموضوعي، ولو كان كل الحقوقيين الذين يتعاملون مع الفنون الجميلة على تنوعها، وهم بشكل أكيد يرسمون على جدران متنوعة في أماكن عديدة. بالإضافة إلى النحت، والزخرفة على الأقمشة، فإنه لم يكن أحد (أو بالأصح، تقريباً لا أحد) ليذكر عن الرسومات على أواني المطعم، ولم يتذكر أحد لوحات الكتاب المدرسي الصغيرة جداً. وفي المقولة التي وردت في الأعلى قليلاً من كتابة الغزالي، جاء القول مؤكداً، أن تصوير الكائنات الحية على صحون المطعم أمر مسموح به. وربما يفكر البعض، أن الصور المصغرة في الكتب المدرسية حسبت من الأمور المسموحة، ومن الممكن أن يتم حسبان بعض القضايا تحتاج إلى نقاشات جادة عن إمكانية حذف بعض المصورات من قائمة الممنوعات بوساطة بعض الشخصيات الإسلامية المشهورة وخاصة بمساعدة العلماء المتنورين التي تتناسب مع مفاهيمهم، وخاصة في المبدأين اللذين ذكرا سابقاً، وتم تفسيرها بصورة واسعة (وعلى أي حال، لا توجد لدينا أية شواهد من الممكن أن يتوجه لها الإنسان بمثل هذه الأسئلة التي تصادفه). وكل ما قيل هنا يخص الفنون الجميلة. ولقد كانت العلاقة مع الرسام ونشاطه على درجة من الخصوصية. وكما رأينا سالفاً، أن أكثر الأعداء صرامة وصراحة هم أولئك الذين كانوا يقفون في القرن الثالث عشر، ضد تصوير الكائنات الحيّة بصورة مطلقة. وحرفياً كما كتب العيني (1360- 1451): "يقول ممثلو فرعنا الإنساني وغيره: أن تصوير الحيوانات (تصوير صورة الحيوان) هذا أمر ممنوع كلياً – إنه إثم عسير، وبالطبع أن هذه الصور قد صُنعت للاستخدام الاستخفافي من هذه الكائنات، أولا. إن هذا "حرام" في جميع الحالات، لأنه في هذا، تقليد لتكوين مخلوقات الله الأخرى. والأمر سواء إذا كان على الثياب، أو السجاد، أو الدينار أو الدرهم".

يبدو الأمر غريباً، لماذا، فبغض النظر عن العقاب الأليم، الذي حدده الحديث، حيث يهددون الفنانين. في منتصف القرن، كان يوجد عدد كبير من الفنانين المسلمين، وهم معروفون لدرجة كبيرة، ولكنهم لم يعانوا من الملاحقة والمطاردة الدينية كغيرهم من بسطاء الرسامين. والجواب على هذا، يقدم ولدرجة معروفة الأدب الروحي، وبالدرجة الأولى كان أولئك المعارضون الأشداء للتصوير وهم لم يدركوا حرفياً تلك الكلمات الواردة في الأحاديث، بأن الرسامين سوف يعانون أبشع أنواع العقاب. وعلى سبيل المثال العيني، وهو يفسّر بعض الأحاديث عن الفنانين، أنهم معاقبون بأشد أنواع العذاب، وأكثر من سلالة فرعون، ويستشهد العيني بكلمات الطبري: "إنني أقول، والطبري يجيب، وهنا يقصد بذلك الأمر: من يرسم إنه ينحني أمام أولياء آخرين عدا الله العظيم، وهو يعرف بهذا، ويطمح إليه؛ وبهذا يصبح كافراً ملحداً، ومن الممكن، أنه سيصلى في نار جهنم كما عاقب الله فرعون وآله. أما ما يخص ذلك، من لا يطمح إلى ذلك (أي لم يحضر صوراً للأجيال القادمة. – وأنه يرتكب إثماً، وهو يصور، فقط وليس أكثر" ومثل هذه الدعوة، ليست دعوة الغزالي، وهي أقل أهمية، شرب كأس نبيذ.

إن العلاقة التطبيقية العلمية مع النشاط قد تحددت وقبل أي شيء آخر، وهو، كم هو إنتاجها قد حُسب في ذلك الوقت مسموحاً به، لأن دائرة واسعة من المواد مع الصور، التي حسبت أن المسموح به كان أكثر سعة ومساحة، ومن الممكن أن يفكر الإنسان، أن نشاط الفنان المجزأ والمصغر، صنّاع اللوحات الغرافية، والرسامين المختلفين لم يخضعوا للمحاكمة الإسلامية مع استثناء بعض الاحتمالات، لأن المتزمتين من الفنانين صنّاع الفخار والخزف، ولم تخضع للمحاكمة من جهة الأكثرية الساحقة للمسلمين، مع استثناء بعض الأفراد المعاندين وللتأكيد على مثل هذا الاقتراح، وبالنسبة لوجهة نظري كان يعتبر برهاناً أكيداً غير مباشر على مثل هذا الاقتراح، وكان ذلك حقيقة للازدهار في القرنين الثاني والثالث عشر، حتى في عيون المؤمنين لذلك الزمان وتم اعتباره ممكناً ومسموحاً به: أما مصورات الكتب الصغيرة التوضيحية والرسومات على الفخار مع عكس الثريا وسنحة الوجه ولمعة اللون الشفاف على رسومات الزجاج. وفي الوقت نفسه وبالتدريج كانت تختفي الرسومات الجدارية (مع استثناء الممتلكات المنغولية، حيث كانت العلاقة مع التصوير والنحت شيئاً آخراً).

وهكذا نرى أن المنع قد حل ليس مباشرة. ففي بداية القرن الأول الهجري تكونت بوادر الميول إلى العقيدة الجامدة في الإسلام، وباشرت بالظهور والبروز بعض البوادر الصغيرة الحياتية، ولم يكن هناك شيء من الترتيب والتنظيم. وبرزت الخلافات والتناقضات بين الأحزاب الدينية، واتسمت الأمور بالطابع السياسي لذلك الوقت، وظهر سؤال: عن كيفية العلاقة مع الصور الملونة، وبقيت آراؤهم الشخصية، دون تحديد الآراء لكل جماهير المسلمين.

في القرن التاسع اكتسب الرأي حول المنع حتى المواطنة، ولكن تفسير مسألة المنع كان مختلفاً: فرأى الكثيرون أن هذا المنع يخص تحضير المواد للأجيال فقط. وفقط في نهاية القرن الحادي عشر (من الممكن، وقبل فترة من الزمن) تكوّنت صيغة المنع بصورة نهائية، ولكن استخدام المواد في مجال التصوير في الحياة وفي كثير من الحالات، أخذ يستخدم تدريجياً، وسمح في بعض الحالات، وهذا وفر الظروف للانتشار الواسع حتى القرن الخامس عشر (أخذ زمن هذه الحالة ينتهي عند إعداد هذه الدراسة) وبالتالي، وبما أن المنع قد ظهر ليس من السنوات الأولى للإسلام، كان من الضروري أن يجري تفسير عملي للأسباب التي أدت إلى ظهور المنع.

ولقد اعتقد العلماء العرب، وبالدرجة الأولى زكي محمد حسن، أن السبب الرئيس للعداء في العلاقة بين محمد وعبدة الأصنام، الذين وفيما بعد تم تفسيرها بصورة أوسع وانتشرت على التصوير بشكل عام. ولكن الشيء الذي يبقى غير واضحاً – أية أسباب أدت إلى هذا.

وفي واقع الأمر لماذا ظهر في الإسلام هذا المنع، أما في المسيحية، لم يكن العداء للأصنام وعبادتها واضحاً ومستفحلاً، وحتى أعداء تقديس الأيقونات وقفوا فقط ضد الأيقونات. وحتى في الإسلام نفسه بقيت ولفترة طويلة علاقة مرنة مع التصوير الملون.

ولقد حسب بعض العلماء الأوربيون، أن السبب في هذا – هو خوف من القوى السحرية في التصوير التي تميّز الساميين عن غيرهم.

إن أكثر الأفكار انتشاراً وعلمية كانت فكرة المنع، التي ظهرت تحت تأثير الديانة اليهودية. ولكن، حسب رأي بعض النقّاد المسلمين، فإن الأحاديث التي تدين التصوير، قد ظهرت تحت تأثير ظهور اعتناق الإسلام لليهودية، والذين حملوا إلى الإسلام ولا يستدعي ظهور أي شك كان. ومع هذا، وبالطبع، يظهر سؤال: تحت أي تأثير، ونتيجة ماذا، اتخذ الإسلام هذه الأفكار واعتنقها؟ والأهم من أي شيء، لماذا التصوّر عن آثام التصوير قد ترسخت في الحياة؟ ونحن نعلم أن الكثير من أوضاع وقوانين الدين لا تتوافق مع الشروط الأساسية للحياة، وربما يتم رفضها كلياً مع مرور الزمن، وإما تعيش تلك التغيّرات، التي تعادل من حيث قوتها قوة منعها. ولكن، إذا لم يحدث أي تغيير (مع استثناء القرن الأخير)، فمن الضروري البحث عن الأسباب العملية العقلية خارج حدود النبوءات الدوغماتية، وإما التأثر بالتأثير الحاصل حالياً عن التوجّهات الجديدة، وتوجّهها وتعليمها الاحترام.

وهذا يساعد على تفهم الواقع، ولماذا تغيّر التقدم التكتيكي في التصوير خلال القرون الأولى للإسلام (من القرن السابع وحتى القرن الثاني عشر). وينحصر الأمر في معاني وأهمية الفنون الجميلة في المجتمع الإسلامي.

إن الفنون الجميلة في المجتمع الإسلامي قد حققت مهمتين: فمن جهة، قامت بواجبها في تنفيذ الوظيفة الجمالية وحسن ترتيب الديكور العام للبيوت والشوارع وغير ذلك، ومن جهة أخرى – شكلت دليلاً لإيديولوجية العامة المسيطرة في الدولة. وفي القرون الوسطى، والمجتمع الإقطاعي كان مشكلاً واحداً للنظرة العامة التي كانت تنطلق من الوعي الديني بالدرجة الأولى، والذي قامت الفنون الجميلة بالدور الدعائي للدولة في تلك الظروف العامة. وكما قامت الأساطير القديمة وكانت "ترسانة" الفن القديم. وكانت الأساطير المسيحية القديمة بالنسبة لأوروبا في القرون الوسطى تقوم بالدور نفسه "كترسانة" هي عماد الوعي والثقافة العامة.

أما بالنسبة للإسلام فمنذ البداية قد رفض المساعدة من جانب الفنون الجميلة للقيام بعملية الدعاية للأفكار التي كانت تروجها، وبهذا قد أقفلت الباب على إمكانية الفنون أن تقوم بإبداع المناظر الفنية العامة التي عرفناها الآن وكانت تقوم في القرون الوسطى بدور مهم وكبير في أوروبا.

إن إغلاق الباب أمام دخول الفنون ملغياً للقيام بالدور نفسه الذي قامت به الفنون التلوينية والمنحوتات بسبب منعها لفترة مهمة كما تكلمنا سابقاً.

ولكن غياب الطلب الاجتماعي للمنتجات الإبداعية الفنية (هنا، كما في كل مكان آخر، ونحن نعتقد هنا تصوير الكائنات الحية)، أدى في الدول الإسلامية إلى انهيار وانحدار تدريجي للفنون وحرمان هذه البلدان من الدور العظيم، الذي كان من الممكن أن تقدمه الفنون التصويرية الملونة بكل ما يمتاز من عظمة فنية رائعة، التي احتلت حتى نهاية القرن الثامن ضمناً مكاناً بارزاً ومهماً. ولهذا نجد أن الأمر في البلدان الإسلامية، حيث لم يكن بالإمكان لمجموعات الفنانين أن تتحد وتنشط لتقوم بدورها على خير وجه، وهذا بالطبع قد قضى على الشرط الأساسي والمهم لتطوّر المدارس الفنية في المعنى الصحيح والرفيع لهذه الكلمة.

وتجدر الإشارة، إلى أن فن التصوير الإسلامي قد تأثر بهذا النوع من الفنون البيزنطية، ولكنها، هي بالذات، وكما يتضح لم يؤثر عليها نهائياً. (إذا استثنينا الفن الزخرفي التزيني).

إن غياب الطلب على فن التصوير الديني، كان مشروطاً بشيء آخر، وكما في البلدان المسيحية، إذا كانت العلاقة مع الفنان ونشاطه الإبداعي على درجة عالية من الاهتمام. فإذا عمل الرسام الفنان على تصوير معبد من المعابد، فإنه بذلك قام بعمل يرضي الله، وقام بمهنته على خير وجه، وحصل على احترام المحيط، فإن هذا الأمر كان قد تراجع إلى المرتبة الدنيا بالمقارنة مع فن الخط العربي الذي حقق نجاحاً باهراً، أما بالنسبة لإبداع الفنان نفسه كان في موضع شك وفي مصير مجهول من وجهة نظر صلاحيته الروحية الخيّرة. وبالطبع، إن محاكمة الفنانين المؤمنين لعب دوراً سلبياً ولكن الرغبة وحدها من جانب المؤمنين كانت غير كافية، حتى تنتصر تلك النظرة الصحيحة إلى واقع الأمر الفعلي – لقد كانت هذه الأمور بحاجة ظروف إيجابية ومدروسة لتنظيم عمل الفنانين آنذاك.

إن رفض الإسلام الدعاية (البروباغندا) الفنية الجميلة للأفكار الإسلامية أدى إلى ظهور ظاهرة أخرى، التي لم يلحظ أهميتها أحد – حسب رأيي -: فبالإضافة إلى محاكمة مجموعة من الفنانين، الذين كان بإمكانهم أن يقدموا إبداعات فنية حال دون تصليح الأمور. ففي الدول المسيحية كانت النتاجات الفنية للفنانين في متناول أبناء المجتمع (كالإيقونات وكافة أنشطة الكنيسة وتجهيزها باللوحات الفنية اللازمة)، أما في الدول الإسلامية، فلم يتمكن من امتلاك قطعة فنية غير الإقطاعيين حصراً. وتعاملت الجماهير العامة مع فنون التصوير والنحت، كما يتم الأمر مع تعاملهم مع السلع الفاخرة والتي تستخدم للرفاهية الغائبة، والتي يحققها البعض عن طريق استغلال جهود الجماهير العامة.

ولهذا وغيره لقد تعاملت الجماهير مع الفنون الجميلة في البلدان الإسلامية من خلال علاقة كره لاإرادي يكنّه الناس للطبقات المستغلة الحاكمة. وهنا تجب الإشارة إلى أنه ليس السبب في غياب الطلب الاجتماعي من جانب الدين السائد والحاكم، بل في قرارات المنع لتصوير الكائنات الحية على اختلاف أشكالها. وكذلك رفض الواقعية، كمدرسة فنية إبداعية تهم الطبقات الفقيرة. وتصاعد دور فن الزخرفة والزينة منذ بداية الأمر من بين الفنون الجميلة. والطموح بالمواضيع التجريدية والزخرفة – هذه الظاهرة التي رافقت ليس الفنون وحسب، بل الكثير من الظواهر الأخرى في المجتمعات الإسلامية.

إن هذه المسألة قد ظهرت، وبانت للعيان في المرحلة الأخيرة من تطور المجتمعات الروحانية والبيزنطية، ولكن، هناك، كما تكلمنا، طلب كبير على فن الرسم للإيقونات قد أخرت هذه النزعة التي نتكلم عنها. وإن ذلك التطور قد حصل في اليهودية، التي عرفت في القرنين الثالث والرابع الفنون التصويرية الدينية، وفي القرن الثامن أصبح يمنع بكل حدة تصوير الكائنات الحيّة، وقد أثرت بهذا تأثيراً مباشراً على منع تصوير الكائنات الحيّة، التي ظهرت في الإسلام، وكانت مجرد ظاهرة خاصة للنزعة، المميّزة لفنون جميع الشعوب حول البحر الأبيض المتوسط (وإيران). أما بالنسبة للأسباب التي أدت إلى ذلك فهي غير واضحة كلياً وتتطلب هذه الأمور بحثاً متخصصاً وعميقاً، واستخدام شهادة أو مرجع مختصر يتناول الإيديولوجية في القرون الوسطى، بغض النظر عن صحتها وإفادتها، فهي تبقى أضعف من أن تفسّر كل تعقيدات هذه الظاهرة.

نشرت هذه الدراسة في: أعمال متحف الأرميتاج الحكومي.

 

كلمات مفتاحية: إسلام، فنون تشكيلية ، نحت، عمارة، قرآن،محمد، قرون وسطى، جمال، ثقافة، إرميتاج.