الرئيسية » حضاريات » الإسلام والعالم الجديد: جولة في أفكار بريماكوف
ktb_brymkwf_llm_bd_11_sbtmbr.jpg

الإسلام والعالم الجديد: جولة في أفكار بريماكوف

 

كتاب بريماكوف "العالم بعد 11 سبتمبر" يطرح أسئلة كثيرة، كان قد تم طرح بعضها على استحياء قبل سبتمبر 2001، ولكن بعد الأحداث زادت وراءها علامات الاستفهام، وربما التعجب أيضا. وبالتالي حاول بريماكوف في كتابه الإجابة بشكل أو بآخر على مجمل هذه الأسئلة، وتساؤلات أخرى، بل وطرح تساؤلات جديدة تشغل الرأي العام العالمي والروسي.

جاء كتاب بريماكوف في 190 صفحة موزعة على 7 فصول، وكأنه يتبع فيها أسطورة "خلق العالم" في 7 أيام. أو كأنه يلمِّح بالرقم (7) إلى حقيقة ظهور عالم جديد تماما وفقا للأسطورة، ولم يعد هناك بد من مواجهة عملية الولادة. وجاء الفصل الأول تحت عنوان "غول على الساحة الدولية". والفصل الثاني "عدوانية الإسلام: وهم أم حقيقة؟". والثالث "التسوية الشرق أوسطية: هل هناك حاجة إلى طريق جديد؟". أما الفصل الرابع فقد جاء تحت عنوان "الحرب الأمريكية ضد الإرهاب". والخامس "مركز التأثير: واحد أم أكثر؟". والسادس "دروس للجميع". وجاء الفصل السابع والأخير بعنوان "روسيا في العالم المعاصر".

عدوانية الإسلام: وهم أم حقيقة؟!

يتجول بريماكوف بالتفسير والتحليل وطرح الأفكار بين القضايا الساخنة في العالم، وبين الأفكار ووجهات النظر المطروحة في حل القضايا القومية والانفصالية والإرهاب. غير أن الكتاب اهتم في الأساس بصلب التغيرات الجديدة في العالم والتي تشكل البذرة الأساسية لمعالم العالم-النظام-الجديد. وبالتالي لم يكن من الممكن تجاوز العالم العربي والإسلامي، خاصة وأن بريماكوف (الصحفي، والمستعرب، ورجل الاستخبارات، ووزير الخارجية، ورئيس الوزراء، والمفكر، ورجل الدولة) أحد أهم العارفين بقضايا المنطقة العربية وتفاصيلها وخباياها.

تحت عنوان "عدوانية الإسلام: وهم أم حقيقة؟" جاءت عناوين ثلاثة تضمنت "خطر تقسيم العالم من جديد"، و"جذور الإرهاب ليست في الإسلام"، و"الأصولية والتطرف: مفهومان مختلفان". فعقب مأساة 11 سبتمبر، كما يؤكد بريماكوف، نشأت موجة معادية للإسلام في الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية. واستطاعت زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش للمساجد أن تخفف قليلا من حدة التوتر. ولنفس هذا الهدف أيضا قام رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بنشر بضع مقالات في الصحف الإسلامية. غير أن هذه الخطوات التي جرت لمرة واحدة، ورغم كل الآمال، لم تنجح في إصلاح الصورة. إضافة إلى إنه وبعد أحداث 11 سبتمبر مباشرة ظهرت في الولايات المتحدة وأوروبا الكثير من المواد الإعلامية التي حاولوا فيها إثبات أن الإسلام بحد ذاته دين عدواني يحض على القتال. وكان الأخطر هو تصوير الأمر وكأن عدوانية العالم الإسلامي نفسه في تزايد مطرد.

يقول بريماكوف أنه "في ظل تلك الظروف الجديدة لوحظت موجة اهتمام بنظرية المفكر السياسي الأمريكي صامويل هنتنجتون الذي يرى فيها أنه بعد انهيار المنظمة ثنائية الأقطاب لـ "الحرب الباردة"، تتشكل الآن منظومة عالمية جديدة مؤلفة من عناصر لحضارات مختلفة، والصدام بينها أمر حتمي. وفيما يقوم هنتنجتون بتقسيم العالم إلى حضارات غربية وغير غربية، يؤكد بما لا شك فيه بأن الديمقراطية الغربية سوف تدخل في صراع حاد مع الأصولية والتطرف في الحضارات الأخرى. ويرى ضرورة أن تكون الديمقراطية الغربية مستعدة لخوض تحد تاريخي جديد. وبنفيه، من حيث الجوهر، أسباب الصراع الاقتصادية والسياسية، يقوم بقصر كل شيء وتركيزه على المواجهة الدينية-الحضارية".

وفي أول انتقاداته لطروحات هنتنجتون يرى بريماكوف أنه "من المفهوم تماما أن مثل هذا القياس يفتح الطريق للتقسيم الجديد للعالم بعد انتهاء الحرب الباردة ليس على أسس أيديولوجية، وإنما على أسس دينية-حضارية. ومن ثم فسوف تتوقف مسيرة تطور الأحداث في القرن الحادي والعشرين على الكثير من الأمور مثل: هل سيتم النجاح في منع هذا التقسيم الجديد للعالم؟ إلى أي حد "ملموس" يمكن "إزاحة" التطابق الكاذب للإرهاب الدولي والإسلام، وكذلك الخلط بين النشاطات المتطرفة لمجموعات إسلامية قليلة مع العالم الإسلامي بمجمله؟".

يرى بريماكوف أن المسلمين لا يعيشون في عالم مغلق. فالولايات المتحدة وحدها تضم 6 ملايين مسلم، وهناك ملايين المسلمين في أوروبا سواء من المهاجرين من مختلف الدول الإسلامية، أو من الأصول الأوروبية. أما فيما يخص روسيا، فيؤكد على أن المسلمين والمسيحيين عاشوا لقرون طويلة في أمن وسلام. ومن الواضح تماما أن مبدأ تقسيم العالم على أسس دينية-حضارية سوف يوجه إلى الفيدرالية الروسية ضربة قاصمة. بل وتحمل آفاق هذا التقسيم، أو حتى الحركة في اتجاهه، ظروفا ملائمة للغاية لتزايد الانفصالية التي تمثل أحد أخطر أمراض العالم المعاصر. وقد أصبحت بالفعل تهدد عددا كبيرا من الدول. أما الدول الأخرى التي لا تشعر بذلك، فسوف تعانى منه إن عاجلا أو آجلا. ولن يكون هناك أي أحد بمأمن من ذلك حتى الدول متعددة القوميات التي تعيش الآن في بحبوحة.

في هذا الجزء يطرح بريماكوف رؤيته بشأن مسألة القوميات، والانفصالية فيقول أنه من الخطأ تماما نفى مخاطر الانفصالية دفاعا عن القيم الديمقراطية العامة، وبزعم أن كل قومية أو شعب يملك حقه في تقرير مصيره. فعلى هذا النحو-وفقا لتعبير بريماكوف-تعامل الماركسيون مع المسألة القومية على أعتاب القرن العشرين وفي بدايته، وخاصة في ظروف النظام الكولونيالي عندما كانت الشعوب الواقعة تحت وطأة الإمبريالية الخامسة تناضل من أجل الحصول على استقلالها. في ذاك الوقت حصلت الصيغة الماركسية "تقرير المصير، بل وإمكانية الانفصال" على انتشار واسع، وتم تضمينها في لائحة الأمم المتحدة. والآن، من الواضح أن هذه الصيغة قد شاخت. فبعد انهيار النظام الكولونيالي على حطام الإمبراطورية الكولونيالية ظهرت عشرات الدول. وبنهاية "الحرب الباردة" انتهت عموما مرحلة أخرى. إذ ظهرت دول جديدة على حدود الاتحاد السوفيتي السابق في تشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا السابقتين أيضا.

في هذا السياق، وبتراجعه تماما عن الصيغة الماركسية، يقوم بريماكوف بالتأصيل لرؤيته للمسألة القومية والانفصالية في ظل الظروف والمتغيرات الدولية الجديدة. إذ يرى أن المهمة الأساسية للقرن الحادي والعشرين تكمن في ضمان الاستقرار سواء على مستوى الدول أو في داخل الدولة الواحدة، وهو الأمر الذي يحتم جعل مبدأ وحدة أراضى الدولة يحتل المرتبة الأولى في جدول الاهتمامات. ويحذر "إذا لم نخرج بتلك النتيجة فمن الممكن بشكل أو بآخر أن تتسع تطورات الأحداث التي يمكن أن تغطي الكرة الأرضية كلها بالعنف. ففي القرن الحادي والعشرين يوجد 2500 مجموعة قومية وإثنية ضمن 150 دولة متعددة القوميات. وفي حالة منح أي من هذه القوميات أو المجموعات الإثنية حق تكوين دولتها الخاصة والمستقلة، سوف تغرق العلاقات الدولية في بحر من الفوضى".

إن الأسلوب الديمقراطي الأشمل لا يمكن أن يعمل على تبرير توسيع الانفصالية. هكذا يرى بريماكوف الذي ضرب في هذا السياق مثلا بما يحدث في ألبانيا وكوسوفو، ودول البلقان بشكل عام، والشيشان أيضا. ثم يعود ليوضح وجهة نظره بهذا الشأن بقوله "إن رفض صيغة تقرير المصير للمجموعات القومية أو الإثنية، والذي يضمن أيضا حقها في الانفصال وتشكيل دولتها المستقلة، لا يمكن أبدا أن يشطب على وجود المسألة القومية وضرورة حلها. ولكن الحق في تقرير المصير لا يجب أن يدخل في تناقض مع الحفاظ على وحدة أراضي الدولة. وبالتالي فتشكيل دولة جديدة أمر ممكن على أساس ليس فقط القرار المستقل الذي تتخذه المجموعات القومية أو الإثنية، وإنما يجب-على أساس الموافقة والتوافق بين الجميع-أن تظل مجموعات السكان المنفصلة والباقية في إطار نفس الدولة. وفي حالة عدم التوصل إلى اتفاق، فالطريق الوحيد لحل المسألة القومية هو الحكم الذاتي في إطار الحفاظ على وحدة أراضي الدولة. هذا الحكم الذاتي يجب أن يمنح المجموعة القومية أو الإثنية حق تقرير المصير، وأوسع قدر ممكن من الحقوق في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية".

جذور الإرهاب ليست في الإسلام

في هذا الجزء يضع بريماكوف الإسلام في صف واحد مع جميع الديانات السماوية والفلسفات الوضعية بقوله "الإسلام، وهذه حقيقة، بالضبط مثل المسيحية واليهودية والبوذية، وليد حضارته، ويؤثر بشدة على مسار تطورها في المستقبل". ويستشهد في أحد الهوامش بما قاله العالم الروسي المعروف نيقولاي مويسييف في كتابه ("مصير الحضارة. طريق العقل"-موسكو 1998). إذ يقول مويسييف: "لا أظن أن أرنولد توينبي كان على حق عندما أكد على أن الديانات تشكل الحضارات. فالحضارات أقدم من أي دين. وأعتقد أن كل شيء في هذه الحالة يجرى على العكس: الحضارات تختار الدين، ثم تكيفه وفقا لتقاليدها التي حققتها التجربة التاريخية. وأعتقد أن خصوصيات الحضارات تتحدد قبل كل شيء بظروف الحياة، وخصائص الأرض، والتضاريس، والطقس". ويرى بريماكوف أن الكثيرين من العلماء مثل صامويل هنتنجتون يتفقون مع مويسييف. ويضيف بقوله "ومع اتفاقي أيضا مع مويسييف، أرى أنه من الضروري إضافة أن الديانات هي أهم العناصر المكونة للحضارات، والتي تقوم بتأثير هائل عليها". ثم يعود من جديد ليشير إلى أن الحقيقة التاريخية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك على الارتباط المتبادل، والتداخل العضوي للحضارات مع الدين الذي يمثل أهم مكوناتها. وبينما يرى أن كتاب العهد القديم هو كتاب مقدس سواء بالنسبة لليهود أو المسيحيين، يشير إلى أن القرآن قد استعان بالكثير مما تضمنته الديانتين السابقتين، وحمل كلمة الله إلى الناس عن طريق الرسول محمد، الذي هو في واقع الأمر أقرب الجميع إلى الله. والمعروف أن القرآن لا ينفي أي من الرسل أو الكتب السماوية التي جاءت قبله، غير إنه يتضمن عبارات تشير إلى التحريف الذي حدث في التوراة على أيدي حاخامات اليهود.

وينتقل بعد ذلك إلى إسهامات العلماء المسلمين في العلوم والفنون والتعليم، ومنهم ابن سينا (كتاب القانون). ويرى أن هذه الإسهامات لعبت دورا حيويا في أسس الحضارة العالمية. كما أشار إلى دور المفكرين المسلمين وتأثيرهم على أحد أهم المفكرين المسيحيين وهو توما الإكويني. وكذلك دورهم في الحفاظ على تراث الحضارات الأخرى بقوله: "بفضل ترجمة مؤلفات أرسطو إلى اللغة العربية، تم حفظها من الاندثار". ووصف ابن خلدون بأنه "أبرز علامات القرون الوسطي"، ثم ذكر جابر ابن حيان "أبو الكيمياء"، والخوارزمي الذي كان "المصدر الرئيسي لتعليم الرياضيات في الجامعات الأوروبية حتى القرن الثامن الميلادي". ووفقا لتعبير بريماكوف "لا شك أن الحضارة الغربية أيضا قد أثرت تأثيرا كبيرا على العالم الإسلامي". ثم يتساءل "ولكن هل توقفت عملية التأثير المتبادل هذه بين الحضارات؟" ثم يجيب "بالطبع، لا. بل إن تقوية وتعزيز عملية العولمة لا يمكن أن لا تعبر إلا عن واحدة من أكبر عمليات تأثير الحضارات على بعضها البعض، وفي تقاربها المستقبلي في إطار الحضارة العالمية كلها". وفيما يعتبر أن هذا الأمر هو الخط الرئيسي لتطور الحضارة البشرية في المستقبل، يعلن بوضوح عن مخاوفه: "غير أن مثل هذا التطور يمكن أن يواجه معوقات في حالة إذا ما حصلت فكرة تقسيم العالم على أسس دينية على قوة دفع".

انطلاقا من ذلك يبدأ بريماكوف هجومه الحاد على التيارات الدينية المتطرفة بقوله :"إن المتطرفين الإسلاميين مفعمون بالعزم على إخضاع العالم الإسلامي بكامله إلى أفكارهم. ومن أجل أن يكونوا حجة، يركضون إلى القرآن، أو بالأحري يلجأون إلى التفسيرات الدوجمائية والأحادية والمبتسرة للكتاب الرئيسي المقدس لدى المسلمين. ومن المشكوك فيه أن تصبح عبارات مجتزأة من القرآن هي السمات الأساسية لدين بالكامل. إضافة إلى أن هناك الكثير في القرآن يدعو إلى السلام والصبر والتحمل والجلد إلى جانب بعض العبارات القليلة التي يمكن تفسيرها بأنها دعوى إلى العنف". ويقوم بريماكوف بذكر العديد من الآيات والسور القرآنية التي تدلل على الطابع المسالم للقرآن. ويلجأ في إطار ذلك إلى دلالة انتشار الإسلام باعتباره منقذ للشعوب وليس محتلا. وأن العهود التي بذلها العرب للشعوب الأخرى جعلت هذه الشعوب تتخذ موقف الحليف وليس موقف العدو من العرب عندما جاءوا إليهم بالدين الجديد. ثم يتطرق بعد ذلك إلى تاريخ صدر الإسلام والحروب المكية، وعلاقة النبي محمد بغير المسلمين. وفي النهاية يؤكد على أن تاريخ الإسلام أقل دموية بكثير من ديانات أخرى كثيرة. وفي هذا السياق بالذات تطرق إلى الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر الميلادي عندما زعمت أوروبا-وفقا لتعبير بريماكوف-أنها تحاول تحرير القدس بـ "الحديد والنار". وكانت النتيجة، كما يقول، أن الحملات الصليبية قامت بالقضاء على 40 ألف مسلم ومسيحي ويهودي خلال يومين اثنين فقط. وهذا بالطبع-كما يقول-يمكن أن يجعلنا نصف الديانة المسيحية بالإرهاب والبربرية.

وفي النهاية يصل بريماكوف إلى القول بأن "هذا الطرح المبني على حقائق لا يرد هنا من أجل التماس الأعذار، أو الصمت عن الأفكار المتطرفة المنتشرة بحدة بين جماهير المسلمين، وخاصة في بعض الدول المرتبطة بالصراع العربي-الإسرائيلي. فهذه الأفكار موجودة، ونفيها أمر غير ممكن، وغير صحيح أيضا. بيد أنها-الأفكار المتطرفة-لا تجد جذورها إطلاقا في الدين، وإنما تحديدا في السياسة. فالعلاقة السلبية بالنسبة لحق إسرائيل في الوجود أصبحت هي رد الفعل الطبيعي على تشريد الشعب الفلسطيني وطرده وتهجيره من أراضيه التي نشأ وعاش عليها".

الأصولية والتطرف-مفهومان مختلفان

يرى السياسي الروسي في كتابه أن التطرف في الإسلام لم يأت كنتيجة لتطور أو نمو خط ما معين في الدين الإسلامي، وإنما ظهر نتيجة لنشاطات بضع جماعات إسلامية. في هذا السياق تحدث بريماكوف عن بدايات الوهابيين في السعودية، والإخوان المسلمين في مصر وسوريا. وكيف قام جمال عبدالناصر وحافظ الأسد بمواجهات دموية مع هذه الجماعة وغيرها، بينما نجحت السعودية في تعديل الكثير من أفكار الوهابيين القديمة التي ارتبطوا بها في المراحل الأولية لنشاطاتهم. وبدلا من الأفكار الجامدة التي نادى بها الوهابيون في البداية، لدرجة أن الكثيرين وصفوهم بـ "شيوعي الإسلام"، حل محلها شكل من أشكال الليبرالية الدينية، وأصبح الكثيرون منهم يمارسون البيزنس النفطي.

ومن جديد يعود بريماكوف إلى التطرف الإسلامي ليشخص بعض ملامحه بقوله: "إن التطرف الإسلامي المعاصر يوجه نشاطاته ليس إلى الجهاد بقدر ما يوجهها ضد حكومات الدول الإسلامية التي اختارت النموذج المدني، أو بالأحرى العلماني، طريقا للتطور". ورأى أن القوى المتطرفة التي تسعى إلى السلطة في مختلف الدول الإسلامية لا تتمتع بدعم المجتمع. إذ إنه من الملاحظ أن هناك مد في عملية تحديث المجتمع الإسلامي نفسه. وهذه العملية تجرى أيضا في المملكة العربية السعودية مهد الإسلام. والجيل الجديد من المسلمين أكثر نشاطا من الأجيال السابقة.. يطالب بالديمقراطية والتعددية وحرية التعبير. غير أن العولمة، بدون أدنى شك، سوف تقوم بتعزيز وتقوية عملية دمقرطة الإسلام. وأكبر دليل على ذلك هو أن أصبح الإنترنت وسيلة جبارة لتداول وانتشار نتاجات الإسلاميين الليبراليين ودعواتهم وأفكارهم.

وينتقل بريماكوف إلى علاقة العالم الإسلامي بالمجتمعات الغربية والعالم من حوله، فيرى أنه من أجل فهم العالم الإسلامي في المستقبل ، وتفهم علاقاته مع الجزء الآخر من البشرية، لابد من تحديد الفوارق بين الأصولية الإسلامية والتطرف الإسلامي. فالأولى مثل أية أصولية دينية أخرى تنحو باتجاه التربية الدينية، والحفاظ على التقاليد الدينية في الحياة. أما الثاني فيهدف، باستخدام القوة بما في ذلك على الدول الأخرى، إلى تطبيق نموذج الدولة الإسلامية، وإشاعة القواعد والسلوكيات الإسلامية في المجتمع والأسرة-كل ذلك تحديدا عن طريق العنف. وتوصل في نهاية الأمر إلى استنتاج مفاده "أن آفاق تطور المجتمع الإسلامي مرتبطة مباشرة بالعلاقة بين تيارين: الأصولية والتطرف. فالأصولية الإسلامية يمكنها وإلى الأبد إبعاد الاتجاه المتطرف عنها، ومن ثم التحول إلى الديمقراطية الإسلامية جنبا إلى جنب مع القيم والتقاليد الإسلامية. مثل هذه الديمقراطية ستكون بطبيعة الحال مختلفة عن مثيلتها الغربية".

القطبية والعولمة

في جزء آخر تناول بريماكوف العديد من القضايا العالمية الراهنة. بداية من آثار انهيار الاتحاد السوفياتي، والمشكلات القومية والإثنية والانفصالية، إلى التطرف والأصولية. ففى الفصل الخامس من كتابه "العالم بعد 11 سبتمبر" والذي جاء تحت عنوان رئيسي "مركز التأثير: واحد أم أكثر؟" تناول بريماكوف قضية "القطبية" في العالم المعاصر، وحلل الظروف الراهنة التي تحاول فيها الولايات المتحدة إقامة منظومة عالمية خاضعة لها تماما، والحفاظ على سيطرتها الكاملة على مقدرات ليس فقط أوروبا، بل وعلى الكرة الأرضية بمجملها.

نهاية عصر القوى العظمى:

في عصر "الحرب الباردة" تشكلت منظومتان متناقضتان على المستوى الأيديولوجي. ووقف على رأس كل منهما قوة عظمى-الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وكان الوضع الدولي هو الذي يحدد، بشكل فاصل، العلاقة بينهما. وكانت المجموعة الثالثة تتكون من الدول التي لم تدخل في إطار الأحلاف والتكتلات العسكرية، وشكَّلَت إطارا متبلورا بصورة معقولة-حركة عدم الانحياز. غير أن ذلك لم يكن يعيق الكثير منها إلى الميل نحو إحدى القوتين على الرغم من كثرة ظهور تناقضات كانت تدفع بها إلى اتخاذ مواقف مستقلة بصورة خاصة. هكذا تشكلت، على سبيل المثال، علاقات الاتحاد السوفيتي والصين.

لقدارتبطت نهاية "الحرب الباردة" بشكل عضوي بانهيار المنظومة العالمية ثنائية القطبية، إذ تلاشى من الوجود كل من المعسكر الاشتراكي، وحلف وارسو، والاتحاد السوفيتي. وقرر الكثيرون أنه لم يبق في العالم سوى قوة عظمى وحيدة-الولايات المتحدة. بيد أن هذا الإقرار لا يعكس أبدا الواقع. فنوعية "القوة العظمى" تتحدد بدرجة رئيسية ليس بالصفات الكمية، على الرغم من أن الدولتين اللتين قادتا المنظومتين في السابق كان من الضروري أن تكونا أكثر قوة من حيث الإمكانيات العسكرية. إلا أن هذا المعيار غير كاف: فالقوة العظمى وحدت من حولها خليط من الدول، وضمنت أمنها، وأملت عليها "قواعد اللعبة". وبنهاية "الحرب الباردة" لم يعد هذا التحديد النوعي لـ "القوة العظمى" ينطبق لا على روسيا ولا على الولايات المتحدة.

إن فهم ذلك أمر هام. وبالطبع فالولايات المتحدة في الوقت الراهن هي أقوى دولة في المجالين الاقتصادي والعسكري (نصيب الولايات المتحدة من النفقات العسكرية يبلغ تقريبا نصف إجمالي النفقات العسكرية في العالم كله، وحوالي ثلاثة أرباع ما ينفق في العالم على الأبحاث العلمية وتنفيذ التجارب والتصميمات)، وكذلك من حيث تأثيرها السياسي في العالم. ومع ذلك فهذا لا يعنى بالمرة أن الولايات المتحدة قد تحولت إلى القوة الوحيدة التي تحدد مسار التطور العالمي. كل ذلك يبرهن عليه كل ما جرى عقب انتهاء "الحرب الباردة" من تطورات على الساحة الدولية:

-إذ بدأت روسيا، وريثة الاتحاد السوفياتي، السير على طريق تنويع سياستها الخارجية، وهو ما قاد إلى إقامة علاقاتها الاستراتيجية مع عدد من الدول "مختلفة الأنظمة" على أساس الاتفاق في الكثير من المصالح القومية مع تلك الدول.

-عدم الاحتياج إلى "المظلة النووية" الأمريكية، جعل من أوروبا واليابان أقل اعتمادا على الولايات المتحدة، وبالتالي أكثر استقلالية بدرجات ملموسة.

-تغير الطبيعة السياسية-العسكرية في العالم كله، وهو ما تجلى في تحول آسيا من أحد "أقطاب المنافسة والصراع" الرئيسية إلى عنصر ديناميكي في العلاقات الدولية. إن ذلك لا يعني منظومة وحيدة، وآسيا لن تصبح "مركز القوة" الوحيد، ولكن الولايات المتحدة أيضا، مثلها مثل أية قوة أخرى، لا تملك السيطرة الكاملة ليس فقط على الصين (وهو ما كان موجودا أيضا قبل ذلك)، بل وأيضا على الدول النووية الجديدة في واقع الأمر-الهند وباكستان، وكذلك على الدول التي تخطت عتبة امتلاك التقنيات الصاروخية إيران والصين.

-أوروبا الغربية، التي تم توحيدها على أسس هامة مثل توحيد العملة، أصبحت بقوتها الاقتصادية مقابلا للولايات المتحدة.

-القوة الاقتصادية للصين تتزايد بسرعة كبيرة، وتتعزز قواتها المسلحة. وليس من المشكوك فيه كثيرا أن تتحول إلى أحد أقطاب المنظومة العالمية المعاصرة.

-اليابان تحافظ على أهميتها بصفتها مركزا مستقلا للقوة الاقتصادية، مع سعيها المتزايد أكثر فأكثر للمشاركة في الأمور العالمية.

-عمليات التكامل المتصاعدة في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، تحدد الحركة في اتجاه تشكيل أقطاب أخرى على الرغم من إنها في الوقت الحالي-بعكس أوروبا-لم تأخذ بعد أشكالا أكثر وضوحا ودقة، وليست بعد قوية جدا.

-الدول الرئيسية المصدر للنفط (ما عدا روسيا والمكسيك والنرويج)، والتي تلعب بينها دول الشرقين الأوسط والأدنى دورا رئيسيا، عملت على تقوية أوضاعها من خلال منظمة "أوبك" كمنظم لأسعار النفط العالمية (وعلى ذلك تعتمد أسعار النفط العالمية، ومصادر الطاقة الأخرى) إذ دفعت فعليا بالولايات المتحدة إلى الدور الثاني في هذا المجال. وبالتالي قامت الولايات المتحدة بلعبة جوابية في محاولة للتخلص من اعتمادها على استيراد النفط على دول "أوبك"، وذلك بالحصول عليه من الدول غير الأعضاء في تلك المنظمة. وعلى سبيل المثال، كانت المناورة الناجحة مع ليبيا التي بموافقتها على الالتزام بدفع تعويضات بشأن "قضية لوكربى"، فتحت بذلك أمام الولايات المتحدة إمكانية التعاون معها بصورة واسعة في مجال النفط. إضافة إلى إنه قد ظهرت على صفحات وسائل الإعلام الغربية توقعات بإزاحة ليبيا، والمملكة العربية السعودية كمصدر رئيسي للنفط، نظرا لأن السعودية في الفترة الأخيرة "خيَّبت آمال الولايات المتحدة". إلا أن تحقيق كل ذلك في المستقبل القريب أمر قليل الاحتمال، لأنه من الضروري الأخذ بعين الاعتبار دور الدول الأوروبية واليابان، والذي من المشكوك فيه أن تكون صاحبة مصلحة في عدم استقرار، ولو حتى بصورة مؤقتة، أسواق النفط العالمية.

-الدول الواقفة خارج نطاق "المليار الذهبي"، والمتخلفة جدا في نموها الاقتصادي، لا تتقبل بشكل آلي التوجيهات الأمريكية-والأقرب هو تنامي تأثير الدول الغربية عليها، إضافة إلى تأثير الصين والهند ودول أخرى.

-في الواقع، من الملاحظ في كل مكان تزايد عدم الرضا بشأن القرارات والتصرفات أحادية الجانب للولايات المتحدة.

كل تلك الاتجاهات والمؤشرات تبرهن على الحركة في اتجاه عالم ليس أحادى القطب، وإنما تحديدا متعدد الأقطاب.

تأثير العولمة

إن تفاوت التطور بين مختلف الدول، كما يرى بريماكوف، هو الميكانيزم الذي يدفع في اتجاه بناء هذا النظام العالمي تحديدا. في السابق كان هذا التفاوت يقود إلى إعادة تقسيم مناطق السيادة والتأثير في العالم عن طريق الحروب والصدامات المسلحة بين الدول. وبتقسيم العالم إلى منظومتين متضادتين، وبظهور أسلحة الدمار الشامل لدى اللاعبين الأساسيين على الساحة الدولية، استمرت المواجهة بين الدول على المستوى العالمي، ولكنها لم تؤد إلى كارثة عالمية. إلا أن هذا التفاوت في التطور بين الدول في حد ذاته لم يكن بوسعه أن يقود إلى القضاء على المنظومة ثنائية القطبين. مع العلم بأن عملية التفاوت هذه بالنسبة للدول التي تحررت بعد انتهاء "الحرب الباردة" من تأثير قيود المنظومة ثنائية القطبين قوَّت من نفوذها على إقامة المنظومة العالمية الجديدة. غير أن هذا العامل يؤثر ليس في صالح القطب الواحد الذي بدا وكأنه، بعد انهيار المنظومة الاشتراكية العالمية، يجب أن يقود الأحداث، وإنما على العكس في صالح تعدد قطبية العالم.

ولكن هل يتغير الوضع نتيجة لتلك العملية المتنامية، والتي يشار إليها بمصطلح "العولمة"؟ أو بكلمات أخرى، كما يتساءل السياسي الروسي، هل يتغير الوضع في ظل تزايد التبعية المتبادَلَة في العالم، والترابط المتبادَل أيضا لعناصر الاقتصاد العالمي، والسياسة العالمية، والعلاقات الدولية، التي تفرز في مجموعها متغيرات نوعية في تطور البشرية؟

العولمة-هي تلك العملية التاريخية طويلة المدى، والتي تمتلك في كل مرحلة من المراحل خصائصها المميزة. ففي الوقت الحاضر تعتبر قوتها المحركة الأساسية هي الاختراقات التقنية-العلمية في مجال طرق المواصلات، والاتصالات، والمعلوماتية، وهو الأمر الذي سمح بـ "عولمة" التيارات المالية، والتأثير الواسع على تقسيم العمل الدولي. وبنتيجة ذلك حصلت العولمة على سرعة خطيرة.

في المرحلة الحالية من العولمة تشغل الولايات المتحدة موقعا رياديا-هذا الأمر لا جدال فيه. ففي الأسواق العالمية لمنتجات القدرة العلمية يشكل نصيب الولايات المتحدة 20%، وهذا مؤشر هام للغاية. وفي الوقت نفسه فنصيب اليابان كبير جدا-30%، وألمانيا-16%. إن الولايات المتحدة تناضل بشراسة للحفاظ على مواقعها الريادية في المجال العلمي-التقني، وهو ما يؤكد في نهاية المطاف على دورها القيادي في عملية العولمة. غير أن كل ذلك أيضا لا يتطابق مع ما سوف يكون عليه النظام العالمي أحادي القطبية. أي باختصار، كل ذلك ليس جميع الشروط المطلوبة والتي يجب أن تتوافر لدى القوة التي تريد أن تقود العالم وحدها، ووحدها فقط.

التكامل-هو عملية إقليمية مستقلة أو ذاتية تمتلك منطقها الخاص للتطور. تلك العملية يمكن أن لا تتطابق في الوقت الراهن مع العولمة، بل وحتى تناقضها بشكل موضوعي. ونذكر هنا على سبيل المثال، حالة تعميم عملة "اليورو" على أراضي أوروبا المتكاملة. ومن الطبيعي أن مثل هذا النوع من التناقضات محدود، وبالتالي لا يحبذ الاتكال عليها-على هذه التناقضات-كما يحدث ذلك أحيانا على الرغم من إنها موجودة فعليا.

أما عبور القوميات (trans-nationalization)-فهي عملية مستقلة تمثل الاتجاه الرئيسي الذي تتطور من خلاله المشروعات والمؤسسات التجارية. ومن الممكن بكل الشواهد اعتبارها مرتبطة بعلاقة عضوية مع العولمة. ومع ذلك فهذا أيضا لا ينفي التناقض بينهما. فإذا كانت الولايات المتحدة تحتل موقعا رياديا في عملية العولمة، فهذا لا ينتقل آليا إلى عمليات "عبور القوميات"-إذ أن هذه العمليات لا تتطور وفقا لـ "كليشيهات" محددة ومعروفة مسبقا، حيث تساهم فيها رؤوس أموال ودول كثيرة، وليس دولة واحدة أو رأس مال واحد. ورؤوس الأموال في عملية عبور القوميات تكتسب طابع الأممية، وليس إطلاقا الطابع الأمريكى.

العولمة في حد ذاتها تقلص بشكل موضوعي أهمية الدول القومية. ومن الممكن أن ينشأ تصور وكأنها تعمل على إقامة مركز واحد في العالم يمكنه السير قدما وبدرجة أكبر في المجال العلمي-التقني. إلا إن استقرار السيادات القومية أكثر قوة ومكانة، والعالم لا يزال بعيدا جدا عن أن يحقق في الوقت الراهن نبوءة أحد أول "العولميين"-كانط، حول إقامة حكومة عالمية.

لا توجد أي أسس للاعتقاد بأن إدارة بوش الأصغر لا تحسب حساب هذه الحقيقة. كما لا توجد أي أسس أيضا للاعتقاد بأنها لا تسعى إلى التغلب على التوجه نحو تعدد القطبية، وتقوية الحركة في اتجاه منظومة عالمية أحادية القطب، وذلك من أجل الحفاظ على الوضع السيادي للولايات المتحدة في العالم.

ضد الحقيقة الموضوعية

في هذا الفصل يطرح بريماكوف جملة من التساؤلات الكونية الهامة. إذ يرى أن الولايات المتحدة راهنت على توسيع الناتو في أوروبا. فهل تتحقق، بتحقيق هذا الهدف، رغبة عدد من دول وسط وشرق أوروبا الالتحاق بحلف شمال الأطلسي؟

ويجيب هو نفسه بـ "نعم، وبلا أي شك. فمثل هذا السعي، نتيجة للكثير من الأسباب، يمتلك فرصة كبيرة. بل وترتكز الولايات المتحدة إليه في ممارساتها بصدد توسيع الناتو. ولكن الرئيسي بالنسبة لواشنطن هو تحقيق رغبة سواء دول حلف وارسو السابقة، أو دول البلطيق التي كانت ضمن إطار جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق". ومن الواضح أن الولايات المتحدة، بتوسيع الناتو، تقف بحسم وصلابة ضد تقوية "المركز الأوروبي" لحساب توسيع الاتحاد الأوروبي، وهذا الجانب من الموضوع لا يتم الكشف عنه بشكل كاف لأسباب كثيرة مفهومة. وإذا كانت كفة الولايات المتحدة ليست هي الراجحة إطلاقا في الاتحاد الأوروبي، فالصورة في الناتو على العكس تماما. وبالتالي فالدور القيادي لواشنطن في توسيع الناتو يقترن بخط الحفاظ على الوضع القيادي للولايات المتحدة في أوروبا مهما تعززت قوة الاتحاد الأوروبي أو زاد حجمه.

في المستقبل القريب، وعلى أية حال خلال السنوات العشر الحالية، سيظل الناتو القوة العسكرية الرئيسية في أوروبا، كما يؤكد بريماكوف. وفي الوقت نفسه، ستتزايد بوضوح المشاركة السياسية للناتو. وتأمل الولايات المتحدة أن تستخدم ذلك الأمر وتبقى أيضا على قمة القيادة السياسية في "أوروبا بدون روسيا، وخاصة في ظل ظروف انحسار تأثير منظمة الأمن والتعاون الأوروبي. ولذلك، ربما، أصبح موضوع التقليص الحاد للتواجد العسكري الأمريكى في أوروبا، والمعروف جيدا بعلاقته بالانتقادات الحادة التي وجهها بوش أثناء فترة حملته الانتخابية لسياسة كلينتون، لا يأتي على ألسنة القادة الأمريكيين الجدد بعد الانتخابات.

إلا إن رهان الولايات المتحدة على الحفاظ على وضعها القيادي في أوروبا قد أصبح يمثل إشكالية. وبالطبع لا توجد أسس لتوقع تزايد العداء بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة خلال الفترة القريبة القادمة. إن التناقض موجود، ولكنه لم يصل بعد إلى مرحلة العداء. فالاتحاد الأوروبي لا يسعى، ولن يسعى إلى أن ترحل الولايات المتحدة من أوروبا. فهذا في نهاية المطاف ليس في مصلحة روسيا التي لا تستطيع أن تبني سياستها على استثمار التناقضات بين أقطاب القوة والتأثير التي تتشكل في العالم، بل ولا يجب أن تبنيها على هذا الأساس. مثل هذه التوصيات أعلنت أيضا من خلف منصات المؤتمرات الحزبية آنذاك عندما كانت العلاقات الدولية في أعلى مراحل الأدلجة. واليوم يدور الحديث ليس عن إضعاف الدول المتعادية أيديولوجيا، وإنما عن توفير ظروف للاستقرار الدولي. ولكن الحفاظ على العلاقات العابرة للأطلنطية لا يسير بشكل مماثل أو مواز لسيطرة الولايات المتحدة على سياسة الاتحاد الأوروبي.

ولكن المسار الموضوعي للتطور الأوروبي، وبكل الشواهد، لن يؤدي إلى ذلك. فمن المميز أن الاتحاد الأوروبي يواصل امتلاكه "في بطئ، ولكن بثقة وبشكل صحيح" ليس فقط للعناصر الاقتصادية، بل وأيضا السياسية-العسكرية. هذه العملية تتطور بشكل ثابت ومن دون مواجهات شكلية مع الناتو. إضافة إلى ذلك، ففي الوثائق الخاصة بهذا الموضوع تم التشديد بطرق مختلفة على أن القوات المسلحة الأوروبية المزمع تشكيلها لا تدخل في منافسة أو صراع مع حلف شمال الأطلسي، وإنما تعتبر إضافة وإكمال لاتحاد حلف الناتو. غير أن عملية تشكيل القوات المسلحة الأوروبية بحد ذاتها تجرى بالرغم من الموقف السلبي المبدئي للولايات المتحدة، وهو الأمر الذي لا تصعب ملاحظته. وهو أيضا ما يشهد على نزعة السعي الدائب إلى إقامة عالم متعدد الأقطاب.

الأمر الآخر الهام هو ضرورة النظر إلى إقامة العامل السياسي-العسكري للاتحاد الأوروبي في إطار مسار التطور. فعندما بدأ تشكيل الاتحاد الأوروبي لم يتم حتى تصور أن الاتحاد سوف ينشغل بالقضايا العسكرية. وقد جرى الحديث بشكل دقيق ومحدد حول مهامه الاقتصادية الصرفة. بعد ذلك بدأ إعداد سياسة خارجية عامة، ومبادئ عامة لـ"ضمان الأمن بطرق غير عسكرية". كل ذلك جرى داخل الاتحاد الأوروبي الغربي، أي بدرجات ملموسة في أطر حلف شمال الأطلسي. غير أن هذه الأطر باتت ضيقة. وبالتالي فنقطة التحول يمكن أن نعتبرها الإعلان الفرنسي-البريطاني الذي تم اتخاذه في ديسمبر 1998، والذي أكد على أن "الاتحاد الأوروبي يجب أن يقوم بشكل كامل بدوره على الساحة الدولية <..> ومن أجل إجراء عمليات مستقلة، فالاتحاد في حاجة إلى قوات مسلحة موثوق بها، وميكانيزم لاتخاذ القرارات بشأن استخدامها". إلا إن الإشارة إلى أنه في حالة التوترات الدولية سوف يتم استخدام هذه القوات وفقا لالتزامات محددة تجاه حلف الناتو، لم تغير من جوهر ما يحدث.

لقد قامت الولايات المتحدة برد فعل حاد للغاية على الإعلان الفرنسي-البريطاني. وحذرت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك مادلين أولبرايت على صفحات "فاينينشيال تايمز" من مخاطر انشقاق الناتو، وتكرار وسائل الدفاع، والتمييز ضد دول الناتو التي ليست في الوقت نفسه أعضاء في الاتحاد الأوروبي. ومع كل ذلك فالاتحاد يواصل حركته في اتجاه تسليح نفسه. فخلال السنوات القليلة المنصرمة امتلك الاتحاد الأوروبي لجنة عسكرية خاصة، ومركزا لإعداد المعلومات الاستخباراتية والفضائية، واتخذ قرارا حول إقامة منظومته الملاحية الدولية الخاصة، وتشكيل أسطوله الخاص لطائرات النقل العسكرية.

إن رغبة الحفاظ على الوضع السيادي في العالم، كما يرى بريماكوف، تسيطر في الكثير من الجوانب على سياسة الولايات المتحدة، وخاصة في مشروع إقامة المنظومة القومية النووية المضادة للصواريخ. بل ويعرب السياسي الروسي عن اتفاقه مع الباحثين الروس الذين يكتبون بدقة حول هذا الموضوع: "إن أسباب إقامة الدرع القومي النووي الأمريكي المضاد للصواريخ اليوم تتلخص ليس فقط في الجوانب العسكرية-التقنية، أو محاولات إيجاد مخرج من (الحصار النووي)، أو الحماية من التهديدات المتمثلة في الصواريخ الافتراضية لدى كوريا الشمالية". وبالتالي يتصور السياسي الروسي أن أهم شيء بالنسبة للأمريكيين هو ضمان خصوصيتهم وتمايزهم في ظروف المشهد الاستراتيجي العالمي الجديد في مطلع القرن الحادي والعشرين. غير أن الباحثين ينظرون إلى عملية "الحفاظ على الخصوصية والتمايز"، بما في ذلك من خلال الفارق التقني في مجال الدفاع المضاد للصواريخ، كبديل يُخَدِّم على نظام تعدد الأقطاب في العالم.

بناء على ذلك، فمساعي الولايات المتحدة في إعاقة تطوير جميع العمليات المؤدية إلى منظومة عالمية متعددة الأقطاب، مترابطة مع بعضها البعض، وهو ما يتجلى بوضوح في عملية "تحديد"-تحجيم- دور الأمم المتحدة في العالم المعاصر، والتأكيد-الإمعان- على ممارسات استخدام القوة من جانب واحد. غير أن تطوير النزعة أو التوجه نحو بناء عالم متعدد الأقطاب أمر في صالح المجتمع الدولي كله، بما في ذلك-وإن كان يبدو أمرا متناقضا-الولايات المتحدة نفسها. إن هذا العالم تحديدا يوفر ظروفا أكثر ملائمة من أجل مواجهة التحديات الجديدة للأمن، وفي المقام الأول الإرهاب الدولي. ولا يجب نسيان أن النظام العالمي أحادى القطب هو البديل. وبكلمات أخرى، فالمركزية الأمريكية التي تتضمن بداخلها الشحنة، أو البذرة، أصبحت الآن أمر غير مقبول من جانب الغالبية العظمى من دول العالم.

وهناك أسس واقعية للقول بأنه في العالم أحادى القطبية المفترض سوف تقوى عملية المواجهات في العلاقات الدولية. ففي فترة "الحرب الباردة" تسبب القطبان الكبيران في الكثير من الأذى (والحديث لا يدور هنا عن حجم الأذى أو تحميل أحدهما مسؤولية أكثر أو أقل) للدول الأخرى. إلى جانب ذلك كان هناك "التوازن" الذي حدَّ من المظاهر السلبية في سياسة كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. أما العالم أحادى القطبية المفترض لن يتمكن أي شيء أو أي أحد من التحكم في توازنه. وإذا أصبح هذا العالم أمرا واقعا، فسوف يظهر التفاوت في التطور بين الدول، وعلى الأرجح في أشكال متعادية. ولنتصور للحظة ماذا يمكن أن يحدث في العالم الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة، مثلا، في حالة إذا ما قفزت الصين إلى موقع أحد الأقطاب العالمية، وبالتالي إلى مركز قوة. هذا المثال دلالة قوية على عدم وجود أي طريق إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب عبر "فترة انتقالية" يشغلها عالم أحادى القطب. وهناك وجهة نظر منتشرة بين بعض الباحثين في مجال العلاقات الدولية تقول بأنه من الممكن في الوقت الحالي أن يتشكل نظام دولي بمركز واحد-بالولايات المتحدة (وهو الأمر الذي يمكن أن يتم بمعزل عن إرادة الدول الأخرى)، ولكن في المستقبل يمكن لعدة دول ما أن تتأهل لدور مركز على الساحة الدولية. ولكن هذه التعاقبية المفترضة مشحونة بالمجازفات، وأولها عودة المجتمع الدولي إلى مواجهات عالمية قاسية.

إن المفكر السياسي الأميركي صامويل هنتنجتون وصف التركيبة أحادية القطب للعالم على النحو التالي: "قوة عظمى وحيدة، وبعض قوى أخرى قليلة، ودول أخرى صغيرة كثيرة". وبكلماته، فالقوة العظمى المسيطرة في مثل هذه المنظومة قادرة بفعالية على حل المشكلات الدولية بمفردها. ولن تكون هناك أي تجمعات لدول أخرى قادرة على منع أعمال هذه القوة العظمى. غير أن العالم الحالي ليس في حاجة إلى مثل تلك القوة العظمى المتسيدة والمسيطرة. بل وحتى القوة العظمى المتسيدة، وبكل الشواهد، لا تستطيع تاريخيا أن تؤسس منظومة عالمية وحيدة القطب.

كتاب "العالم بعد 11 سبتمبر" – الصادر في موسكو عام ٢٠٠٤ – جولة عامة بين القضايا الساخنة في العالم: الشرق الأوسط، الشيشان، تقسيم العالم، الهيمنة الأمريكية، وقضايا أخرى كثيرة مرتبطة بأسئلة عامة وشاملة تحدد مصير المنظومة العالمية الجديدة. وبريماكوف لا يقدم حلولا كاملة ونهائية بقدر ما يطرح تساؤلات وتصورات أمام القارئ العادي قبل المتخصص ورجل السياسة.