الرئيسية » كلمة أسرة التحرير » الإسلام في رحاب القيم الإنسانية والسماوية المشتركة: إكمال الدين أوغلو عالم كبير من مناراته! – كلمة رئيس التحرير: سهيل فرح.
kml_wglw.jpg

الإسلام في رحاب القيم الإنسانية والسماوية المشتركة: إكمال الدين أوغلو عالم كبير من مناراته! – كلمة رئيس التحرير: سهيل فرح.

يأتي صوت العقل والحكمة والعلم ليشير إلى البوصلة المنيرة السراطَ المستقيم. ولا أبالغفي الكلام إذا قلتإن أحد أبرز حاملي راية الحكمة هذه هو العالم الكبير الطالع من قلب العالم الإسلامي والناشط طوال عقود من الزمن على مستوى التفكير والممارسة من أجل أن يقدم صورة إنسانية وسماوية عن الإسلام الحنيف، تساعده ليكون منسجما مع قيم الحضارة الإنسانية المضمون والأبعاد. أعني به البروفسور إكمال الدين إحسان أوغلو، هذا العالم الكبير والمثقف الإسلامي المتنور وأمين عام منظمة العالم الإسلامي منذ 2005، المنظمة التي تشغل المرتبة الثانية بعد منظمة هيئة الأمم المتحدة من حيث الحجم وتمثيل الدول.

ما حفزني للكتابة عن هذا الصوت الإسلامي الحكيم والذي آمل أن يتحول إلى ظاهرة في كل المدى الإسلامي، هو إصدار كتاب ترجم له إلى اللغة الروسية عام 2016 عبر المجموعة الاستراتيجية روسيا والعالم الإسلامي، ويحمل عنوان "الإسلاموفوبيا: من المواجهة إلى الشراكة والمهام المطروحة".

الكتاب الذي يتضمن 378 من الصفحات الدسمة المضمون، وبه سبعة فصول مرفقة بسبعة ملحقات ، كان قد كتب مقدمة قيّمة له سعادة السفير بنيامين بوبوف. والكتاب الذي طرح مهام معرفية وتثقيفية وعملياتية، يهدف إلى تحرير الفكر الغربي والإسلامي معا من الأفكار المنمطة، لا بل الجاهلة عن الإسلام. وقد سعى المؤلف مدعما بكمية هائلة من الوقائع والحجج والوثائق المنطلقة من الأحداث الشديدة الاضطراب بين الشرق والغرب والمستندة إلى  شرعة حقوق الإنسان، إلى تصويب العقل باتجاه إدراك أكثر قبولا ورحابة للإسلام كدين وثقافة، كدين سلام وتعارف في ما بين الناس للوصول إلى "كلمة سواء"، دين يهدف إلى تحرير الخطاب الإسلاموفوبي الغربي من تطرفه العنصري والاستعلائي والمتمركز على ذاتويته الحضارية.

من جهة أخرى، ولكون الكاتب متحدرا من بيئة فتحت عيونها على صوت الأذان وتربت منذ نعومة أظافرها على ثقافة أمة "اقرأ"، فإنه حرص على تركيز انفتاحه الإسلامي ودينه الحنيف على مجمل خارطة الأديان والثقافات والمعارف التي تنشط فوق هذه المعمورة. ومن ظواهر وبواطن سطور كتابه نشعر بومضات قلق وحذر شديدين من موجات الجهل والتطرف والتكفير والعنف التي تسكن، لا بل يضج بها مجمل خطابات وسلوكيات كل متفرعات الإسلام السياسي.

فهذا المفكر والدبلوماسي، ومن موقعه كأمين عام لمنظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 بلدا، يقدم خطابا متزنا هادئا، إلا أنه قوي النبرة في قرع ناقوس الخطر المتأتي عن المواقف اللامسؤولة، لا بل الخطرة التي بحجة حرية الرأي وحقوق الإنسان والديمقراطية تسمح لنفسها بتقديم صورة قاتمة وتعمل على شيطنة الإسلام والمسلمين.

وهذا ما نراه جليا في أعمال بعض المستشرقين المؤثرين في صنّاع القرار في الدول الغربية النافذة، وما نراه حاضرا حتى في بعض الدساتير الأوروبية المناهضة للقيم الثقافية والدينية للحضارات التي تستقي من الإسلام أو المسيحية أو اليهودية مرجعا أخلاقيا وروحيا لها.

ولقد وصلت العبثية والاستهتار بمنظومة القيم إلى حد أن سمح للبعض من الفنانين الكاريكاتوريين في النرويج وفرنسا وغيرها بإنتاج أفلام تلفزيونية وسينمائية تجرح مشاعر حوالي مليار ونصف مليار مسلم موزعين على كل قارات كوكبنا.

عمل البروفسور إحسان أوغلوعلى كل الجبهات، وتواصل عن قرب مع مجمل المؤسسات الأوروبية والغربية، واحتك بمعظم قادة البلدان التي تنطلق منها شرارة التمييز والكراهية ضد المسلمين. وبعد كفاح طويل توصل بحكمته وحنكته الدبلوماسية إلى أن يقنع المشرفين على الهيئات التي تعنىبسياسة حقوق الإنسان في مجمل المحافل الدولية أن يأخذوا بخارطة أفكاره التي لخصها بثمانية مبادئ.

 ولأهمية النقاط الثماني التي قدمها الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، البروفسور إكمال الدين إحسان أوغلو، أمام لجنة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم المتحدة في آذار (مارس) 2011، والتي نالت تأييد كل ممثلي الدول في هذه اللجنة، نرى من الفائدة بمكان تقديمها للقارئ كما جاءت في ورقته وكما نشرها في كتابه (ص- 107-108).

الأولى: الإسهام في تأسيس شبكة معلوماتية مهنية للتعاون والشراكة، بهدف توطيد التفاهم وتأصيل ثقافة الحوار والتفعيل المبرمج من أجل الوصول إلى أهداف سياسية مشتركة والوصول إلى تحقيق النتائج الملموسة والمرجوة.

الثانية: تأسيس آليات مماثلة لدى الحكومات بهدف تخفيف حدة نقاط التوتر بين أعضاء المجموعات الدينية المتنوعة، ومد يد العون لمنع النزاعات الدينية والسعي لإيجاد الحلول الناجعة.

الثالثة: المساهمة في تأمين الكوادر الحكومية العاملة على تجديد الاستراتيجية الدعائية الفعالة.

الرابعة: توحيد مواقع جهود الزعماء الناشطين لدى جماعاتهم من الداخل من أجل مناقشة الأسباب المؤدية للفرقة والتمييز، ورسم الاستراتيجية الهادفة لإيجاد الحلول.

الخامسة: إطلاق التصريحات الواضحة ضد إقصاء الآخر، بما في ذلك الدعاية الدينية المحرضة على الكراهية، تلك التي تشكل التربة المؤدية للتمييز والعدوانية والعنف.

السادسة: إجراء الخطوات العملية المناهضة للقانون، والمحرضة على العنف بالاستناد إلى المرجعيات الدينية ومعتقداتها.

 السابعة: الإقرار بضرورة النضال ضد التصاريح الكاذبة، المهينة للكرامة الإنسانية والمكونة للأفكار المنمطة الدينية السلبية بين البشر، والسعي الحثيث لمنع انتشار مناخ الكراهية الدينية عن طريق رسم استراتيجية شاملة متناغمة مع البرامج التعليمية الهادفة إلى إيقاظ وتنوير المجتمعات.

الثامنة: السعي،عبر النقاش الفعال، وبالاستناد إلى الاحترام المتبادل، من أجل تنشيط حوار الأديان والثقافات على أرض الواقع، وتعميم ذلك على المستوى الوطني العالمي.هذا الذي عبره يمكن أن يتم لعب دور إيجابي في الكفاح ضد الكراهية الدينية وضد كل أنواع الاستفزاز.

من خلال هذه المبادئ الثمانية، أراد البروفسور أن يوصل إلى رَوع أتباع الديانات المتنوعة وأصحاب الخطابات السياسية والفكرية المختلفة، أن مبادئ حقوق الإنسان ينبغي أن تنطبق على جميع بني الإنسان.

وإن منابع التطرف والجهل والعنف المسلح باستخدام أحدث التقنيات، والعنف الآخر في الضفة الأخرى الذي يرتدي طابعا همجيا بدائيا، لا تكمن في دين معين ولا في جنبات ثقافة محددة. إن مصدره في الطاقة الغضبية العدوانية عند حملة العقائد المتصلبة وحاملي راية السلطة والمال والقوة لدى الفئات النافذة في غرب الكرة الأرضية وشرقها.

فالبروفسور أوغلو عندما ترشح للرئاسة في الانتخابات التركية الأخيرة، ضد منافسه الأقوى رجب طيب أردوغان، حاولتالشعبوية الدينية الممتدة سيطرتهاعلى معظم الساحات التركية التي تغطي الخارطة الانتخابية في كل البقاع التركية،أن تشكك بانتمائه الإسلامي وتعيب عليه ما أسموه إسلامه المنقوص أو الرخو، ودائما ما كان هذا الحكيم يجيبهم: "لكم دينكم ولي ديني".

وكأني به يقول على لسان أب المتصوفين الكبار ابن عربي: الحب، حب كل البشر، هو ديني وإيماني.

في مجمل خطابه الموجه للمسلمين وغير المسلمين أراد أوغلو أن يوجه رسالة إنسانية عامة مناهضة لكل أنواع الفوبيا وليس فقط ضد المسلمين، بل أيضا ضد المسيحيين واليهود وغيرهم. أراد ويريد أن يجتمع البشر ويتفاعلوا ويتعايشوا ويتناغموا حول القيم الإنسانية والسماوية المشتركة.

وهذه القيم أسمح لنفسي بأن أفرزها إلى ثلاث ثلاثيات.

الثلاثية الأولى، سماوية مرتكزة على المثلث المقدس: الرجاء، السلام ، المحبة.

الثلاثية الثانية: إنسانية المعنى والمضامين مرتكزة على مثلث يتوجب أن يكون مقدسا لدى جميع بني البشر وهو: الإخاء، العدل والمساواة.

الثلاثية الثالثة: وهي الجامعة أو المتناغمُفيها البشري والسماوي والمرتكزة إلى مثلث القيم: الحقيقة، الخير ، الجمال.

الثلاثية الأولى هي تلك التي تستقي نورها من عقل الخالق الواحد والتي تجمع خلق الله على الأرض على التوق الدائم إلى فكرة الرجاء عند المسلمين واليهود أو الخلاص عند المسيحيين، وإلى تنشق عبق أوكسجين السلام الداخلي والخارجي ، وإلى المحبة كل المحبة لكل بني البشر بصرف النظر عن انتماءاتهم الإثنية والثقافية والدينية.

أما الثلاثية الثانية المنبثقة من الإرادة الإنسانية والمستنيرة بحكمة العقل المتماهية مع الحكمة الكونية للمشيئة الإلهية، فهي بهذا النور البشري والسماوي لا يمكنها إلا أن تكون ساكنة وحاملة دائما لرسالة الإخاء والعدل والمساواة لبني البشر أجمعين، الذين يعيشون على كوكب واحد ويستظلون شمساً واحدة.

الثلاثية الثالثة المنبثقة من حكمة العقل العلمي الطامح دائماً للاقتراب من الحقيقة على اختلاف مفرداتها وأبعادها والساعية لتمثيل قيم الخير عبر منظومات الأخلاق السامية الدينية والعلمانية معا، والطامحة لتعميم رسالة الجمال عبر فهم دوستويفسكي لهذا المصطلح والهادفة إلى تبني كل قيم الثقافة العالمية الراقية على مستوى القول والفعل.

بهذه الثلاثيات، يمكن للإسلام ومعه المسيحية واليهودية والبوذية وكل ذات بشرية مسالمة متنورة إيجابية، أن تجعلهم يتحلقون ويتكاتفون بمحبة وسلام حول القيم الإنسانية والسماوية المشتركة.  وبهذا المعنى اجتمع في صوت العقل ودفء القلب مع البروفسور إكمال الدين إحسان أوغلو حول المائدة الروحية، لواحد من كبار حكماء المسلمين وهو جلال الدين الرومي حين قال: كن في الحب كالشمس، وفي الصداقة والأخوة كالنهر. كن في ستر العيوب كالليل. كن في التواضع كالتراب، ارتقِ بمستوى حديثك لا بمستوى صوتك… إنه المطر ينمي  الأزهار وليس الرعد.قد تجد الحب في كل الأديان، ولكن الحب نفسه لا دين له. وعلى المحبة لقاؤنا الدافئ الدائم الحضور مع البروفسور إكمال الدين إحسان أوغلو.