الرئيسية » حضاريات » الإبداع يزكيه التاريخ – وليد الرجيب
لإبداع يزكيه التاريخ

الإبداع يزكيه التاريخ – وليد الرجيب

ومن دون الخروج عن سياق الواقعية، نستطيع القول بأن البشرية لو اكتفت بالآداب الكلاسيكية العظيمة، ستكتفي وتغتني روحياً، وأفهم أن هذا الكلام ليس حقيقة وغير منطقي، ولست بصدد إطلاق أحكام مطلقة، فالأدب لا ينتج مرة واحدة، وإنما هو عملية مرتبطة بوجود الإنسان.

ما قصدته أن الأعمال الكلاسيكية العظيمة لدوستيفسكي وتولستوي وتشيخوف وبوشكين وهمنجواي، التي قرأها البشر على مر العقود، لم تفقد بريقها الإبداعي ولن تنتهي، وستظل خالدة في وعي ووجدان البشر على مر العصور، بينما ظهرت إلى جانبها أعمال، خبت وتلاشت ولم يزكها الواقع والتاريخ، حتى تلك التي جرى الاهتمام بها، أو حصلت على جوائز.

وككل عصر نشهد الآن كماً هائلاً من النتاجات الأدبية، بعضها سلطت عليها الأضواء، وتم الاحتفاء بها، لكن العقل البشري الانتقائي والنقدي، لم يحتفظ بقيمتها الأولى وبذكراها، فمهما كانت قوة التسليط الإعلامي عليها، فلا يمكن إجبار المتلقي على بقائها في وجدانه، وتمر في التاريخ مرور الموضة.

والأعمال العظيمة والخالدة ليست مرتبطة بالواقع فقط، لكنها مرتبطة بالمبدع ذاته، فالموضوعات ملقاة على قارعة الطريق كما يقال، المهم هو طريقة التناول وتطور الأداة الفنية وزاوية النظر.

وفي أحيان كثيرة يكتشف الإنسان أعمالاً ذات قيمة أدبية، بعد رحيل كاتبها، كما لا يرتبط كم إنتاج الأديب بالقيمة الأدبية، فكما هو معروف هناك أدباء كتبوا عملاً واحداً، ولكن العمل ظل خالداً على مر العصور، كما لا يرتبط الإبداع ببلدان أو قارات معينة، رغم اختلاف الواقع والثقافات، فقد نكتشف مبدعاً في بلد متخلف أو جزيرة نائية، كما لا يرتبط الإبداع بمعاناة الفقر أو فحش الغنى، فبعض الارستقراطيين كتبوا أعمالاً خالدة، مثل تولستوي وبوشكين وغيرهما.

كثير من أسماء الكتاب تمر علينا ولا نحفظها، خاصة مع تقدم العمر وضعف الذاكرة، بينما لا ننسى الإبداع والمبدعين، الذين عاشوا في عقود أو قرون ماضية، فليس كل مَنْ كتب رواية أو قصة يعتبر مبدعاً.

 

المصدر : الرأي الكويتية