الرئيسية » حضاريات » الهوية، المجال العام، التعددية: وجهة نظر في ولادة الفلسفة السياسية – د. محمد الوهيب / خاص للموقع
الهوية، المجال العام، التعددية: وجهة نظر في ولادة الفلسفة السياسية

الهوية، المجال العام، التعددية: وجهة نظر في ولادة الفلسفة السياسية – د. محمد الوهيب / خاص للموقع

جوهرا مطلقا واحدا تختزل فيه كل الأشياء مادية كانت أم لا مادية أو يختزل هو فيها. لقد آمن سبينوزا بأن هناك جوهر واحد هو "الله" أو "المطلق" وأن كل مظاهر هذا الكون إن هي إلا تجلياته، ولقد سمي هذا المذهب تاريخيا بإسم "وحدة الوجود". الموقف "التعددي" تجاه "جواهر" هذا العالم هو موقف يؤكد حقيقة وجود أشياء هذا العالم باستقلالية عن بعضها البعض. ولكن ليس ذلك الفهم للتعددية هو ما نبغي. التعددية في سياق الاجتماعي – السياسي تعني هذا الوضع الذي يوجد فيه أفراد مختلفون في مجتمع واحد (مجال عام)؛ وعلى الرغم من اختلافهم إلا أنهم قادرون على الاعتراف بمكانة كل فرد فيهم كمكانة مساوية لكل شخص آخر. ما يميز هذا الوضع الذي تنتجه التعددية هو هذا الاحترام السائد بين هؤلاء المختلفون (هوياتهم المختلفة: من هم)، وهو الاحترام المبني أساسا على رسوخ مبدأ المساواة بين الأفراد. لهذا الفهم الخاص بالمساواة والتعددية علاقة بتطور الفكر الليبرالي، ولكن فحص هذه العلاقة هو أمر يقع خارج نطاق هذا المقال.

 

الآن أنتقل لفحص محاولة التأريخ لميلاد الفلسفة السياسية وهو التأريخ الذي قد يختلف حوله الدارسون والمتخصصون. وفي هذا الصدد سنتبنى هذا التأريخ الذي قدمته الفيلسوفة "حنة أرندت" في مقال شهير نشر بعد وفاتهاتها بعنوان "الفلسفة والسياسة" وهو المقال الذي ألقته في شكل محاضرة عند زيارتها لجامعة نوتردام في 1954. تعتقد أرندت في هذا المقال أن الفلسفة قد انفصلت عن السياسة بمحاكمة وموت سقراط. لم هذا التاريخ تحديدا؟ تعتقد أرندت أنه قد اجتمع في سقراط شخصيتا المواطن والفيلسوف: كان سقراط المواطن يحمل عبئ وجوده على عاتقه، أي أنه يتحمل مسؤولية تطوير وبناء ذاته وذلك عن طريق فحصه المستمر لأفكاره وأفكار أقرانه من المواطنين. سقراط المواطن كان دائم الحوار- مع هؤلاء المواطنين الذين هم، في اعتقاده، بحاجة لأن "يلدغوا" أو "يولدوا" في الشارع لتظهر أفكارهم أمام الآخرين فيفكر هؤلاء فيها، أي أن يصيبهم هذا الماس الكهربائي الذي استخدمه سقراط لصعق محاوره. تفكير سقراط كان مرتبطا بالكلام، بالحوار مع الآخر ولذلك كان سياسيا بالدرجة الأولى. أما سقراط الفيلسوف فلم تكن مهمته تختلف كثيرا عن مهمته كمواطن حيث أنه قد وظف هذه الأدوات الفلسفية النقدية لا من أجل كتابة كتاب، فهو لم يكتب حرفا قط، أو تأسيس مدرسة فكرية، فهو يزعم دائما عدم امتلاكه لحقيقة أو يقين؛ لقد وظف سقراط أدواته الفلسفية في سبيل إنجاح قدرات المواطنين من أقرانه على تجاوز أخطائهم ومثالبهم التي يمتلكونها بشكل عادي من خلال "وجهات نظرهم" وبالتالي جعلهم "مواطنين" أفضل. بهذا المعنى لم تنفصل يد السياسة عن يد الفلسفة مع سقراط.

 

            انفصلت السياسة عن الفلسفة كما ترى حنة أرندت في فكر أول "فيلسوف" سياسي: أفلاطون. لقد رأى أفلاطون بأم عينه كيف هو حال المواطنين الذين قضى سقراط عمره من أجل جعلهم مواطنين أفضل: رأى أفلاطون بأم عينه كيف ساهم مواطني المدينة في الحكم بالإعدام على من حاول أن يدخل معهم في حوار حول جودة وسلامة أفكارهم دون أن يتعالى عليهم بزعم امتلاكه للحقيقة. لم يكن من السهل على المدينة أن تتخلى عن أصنامها ومن الأسهل عليها في هذا الشأن أن تضرب كل من يحاول تحطيم هذه الأصنام. ليس من الصعب علينا أن نتنبأ بالخلاصة التي خرج بها بعد مشاهدة هذا الفصل الدرامي لحياة سقراط وحياته: المدينة ليست مكانا آمنا للفلاسفة (تلك الكلمة سيقولها أرسطو بعد حين)؛ العامة لا يمكن لهم الارتقاء لتقرير ما هو أفضل للمدينة؛ لا يمكن لما يمتلكه العامة من "وجهات نظر" أن تقف أمام ما يمتلكه الفلاسفة من "حقيقة". فقط في مثل هذا السياق يمكننا قراءة ما كتبه في "الجمهورية" حول "الكهف":

 

الكهف يرمز للمدينة والمساجين المقيدون الذين لا يرون سوى الظلال هم مواطني هذه المدينة. لا يستطيع هؤلاء المساجين أن يحركوا رؤوسهم ليروا بعضهم بعضا ولذا فقد حصرت كل معارفهم في رؤية الظلال. ولكنهم وعلى الرغم من هذا باستطاعتهم "الكلام": الأداة السياسية بدرجة امتياز. وهكذا تظل المدينة جاهلة "للحقيقة". شخص واحد بإمكانه تحرير جسده من الأغلال والصعود حتى الوصول لفوهة الكهف ورؤية العالم الحقيقي. مشدوها بما رأى، مصابا بعمى مؤقت من شدة نور الحقيقة، يقرر العودة أدراجه ليخبر أشقاءه من المواطنين بما رأى فيطلب منه أحدهم أن يفك وثاقه مضمرا النية لقتل هذا الذي رأى الحقيقة فأصبح فيلسوفا، فالحقيقة إذن هي أن الناس لا تطيق سماع الحقيقة أو مشاهدتها.

 

            كان سقراط مخطأ إذن: لا يمكن البدء بإصلاح وعي الأفراد بل بتطبيق ماهو "حق"عليهم، الإصلاح يأتي من فوق فإن أصلحت الرأس صلح كل شيء. الناس يمتلكون رؤى مختلفة وينظرون للأمور من وجهات نظر مختلفة بل وتحركهم غرائزهم وشهواتهم ومثل هؤلاء لا ينبغي تقريبهم من السلطة أو إدارة الدولة. بإختصار، لا بد من إقحام ال- حقيقة في السياسة، وياله من خيار ذاك الذي ارتضاه صديقنا أفلاطون. إن النتيجة المباشرة لإدخال ال – حقيقة ميدان السياسة هي القضاء تلقائيا على هذا المجال العام والحر الذي تضمنه كل ديمقراطية جيدة ففي هذا المجال فقط بإمكان كل هوية فردية أن تعبر عن ذاتها، أن تتخارج في اتجاه نور المجال العام حيث تسمع أراؤها وتناقش وتترك هذا الظلام الذي يسود الذات عند غرقها في التفكير بينها- وبين- نفسها. كل الآراء التي ترد في المجال العام كما يرى أفلاطون تتساوى فكلها مخطئة أو هي بطبيعتها كذلك إذ لا يمكن مقارنتها بالحقيقة. للحقيقة منطق خاص، فهي من حيث هي كذلك، لا تقبل الحوار أو النقاش حولها فماذا عسى هذا الكلام أن يضيف إليها! الحقيقة إذن "يمليها" dictate  من يمتلكها على الآخرين، ومن يملي الحقيقة يصبح "دكتاتورا" بالتعريف.

 

            تصرح حنة أرندت بأن ما استخلصه أفلاطون من دروس سقراط كان أكثر الخلاصات تصريحا بلا سقراطيته. بالتأكيد لم يكن أفلاطون مخلصا لمعلمه في هذا السياق ومن يتأمل حياة سقراط وأقواله يدرك مدى صحة هذا القول. فكيف للشخص الذي لم يعلن في حياته يوما ما إمتلاكه لأي حقيقة أن يستجدي حقيقة ليقحمها في المجال العام؟ بل كيف لهذا الشخص أن يهدم هذا المجال العام الذي قد صال فيه وجال طوال حياته؟ إن ميزة الحوار السقراطي هي أنه قد أعطى نوعا من الاحترام لآراء الأفراد المختلفة الناجمة عن هوياتهم المختلفة أصلا. لم يرد سقراط في يوم ما أن يفرض قناعاته أو حقائقه الخاصة على الآخرين بقدر ما أراد أن يفتح المجال لهؤلاء الأفراد أن ينظروا في آرائهم وينتقدوها نقدا ذاتيا فيطوروها  أو يطرحوها جانبا؛ لم يرد سقراط أن يفرض ال – حقيقة بقدر ما أراد من كل فرد أن يجعل آرائه "أكثر حقيقة" more truthful  وذلك باتباع منهج قاس في البحث والتقصي والنقد. تخبرنا أرندت في استطراد لطيف بأن سقراط في هذا الصدد لا يمكن تمييزه عمن عرفوا بأعدائه التاريخيين: السفسطائيون، ولكن البحث في هذه المسألة يتجاوز حدود هذا المقال. ميزة مهمة أيضا نجدها في هذا الحوار السقراطي إذ أنه يعطي نوعا من القداسة للمجال العام، وهو المجال العملي الذي يقف الأفراد فيه جنبا إلى جنب حيث يتساوى كل فرد منهم مع الآخر مصرحين بأفكارهم بكل حرية. كل الأصوات تحترم في هذا المجال ولها قيمتها في ذاتها إذ أنها تخارج لذات لها خصوصية شديدة لا تتشارك فيها مع أحد على وجه هذه الكرة الأرضية. كان لهذا الاعتقاد السقراطي كبير الأثر على حنة أرندت والتي أعلنت في كتابها المهم "الحال الإنساني" أن "الفرد لا يسكن العالم بل الأفراد".

 

            بيد أن هذه القداسة للمجال العام والاحترام لآرائه وهوياته المختلفة التي تظهر فيه لم تكن لتنقذ سقراط من حكم الإعدام الذي أصدره هذا المجال العام عليه، بل إن سقراط نفسه الذي دافع عن حرية الآراء بدا في محاكمته عاجزا ليس فقط عن إقناع خصومه برأيه بل حتى أصدقائه. كيف لأفلاطون أن يدافع عن الآراء التي يحملها العامة عندما تقف أمام "رأي" سقراط وتتغلب عليه لا بمقارعة الحجة بالحجة بل بتصويت الأغلبية؛ كيف له بعد كل هذا أن يدافع عن الديمقراطية؟ باستطاعتنا الآن أن نفهم لم قرر أفلاطون الانقلاب على المجال العام والمدينة برمتها وخرج باستنتاجات لم يضعها سقراط في حسبانه. فبدلا من الانخراط في حوار مع المواطنين قرر الاحتكام لمبدأ أعلى أسماه المثل، يقع خارج هذا العالم الحسي المتغير؛ وبدلا من اللجوء للحوار والكلام لإقناع الآخرين برأيه ("لوغوس" كلمة كانت تعني التفكير والكلام في نفس الوقت لدى اليونانيين) لجأ لمنهج جديد أسماه "الديالكتيك" يقوم على التفكير والتجريد وهي العملية التي لا يحتاج الإنسان فيها للآخرين للقيام بها. وهكذا وبدلا من أن تكون المعرفة نسبية كما يعتقد مواطني المدينة تصبح مطلقة في مجال آخر هو المجال الفلسفي.

 

            يبدو أن ذلك هو السبب في رفض طرح أفلاطون لتساؤلات في جمهوريته حول هوية الإنسان، حول "من" هو، أي ذلك السؤال الذي يتجه نحو رؤاه الشخصية حول العالم، وفضل السؤال حول "ما" هو الإنسان، وهو السؤال الذي دفعه لاختراع طبقات اجتماعية تختلف فيما بينها بالنظر لطبيعتها. التساؤل حول الأفراد كأشخاص متفردين لهم وجودهم في المجال السياسي الديمقراطي أصبح تساؤلا مزعجا استعاض عنه بتساؤل حول الحقيقة فلم يعد بحاجة للاستماع لهم. مالم يفكر به أفلاطون هو أن هذه الحقيقة المفارقة للمدينة والسياسة والتي لا تظهر إلا في عقول الفلاسفة لا بد لها من أن تنزل لهذا العالم الواقعي، ومتى ما نزلت هذه الحقيقة للمدينة أصبحت رأيا مثل أي رأي آخر قابلا للتقييم والنقد من قبل أفراد لا يملكون سوى آراء.