الرئيسية » حضاريات » الهويّة وتحوّلاتها في السرد: مقاربة في روايّة (يحدُث في بغداد) – د. عامر عبد زيد الوائلي – العراق / خصيصاً للموقع
lhwyw.jpg

الهويّة وتحوّلاتها في السرد: مقاربة في روايّة (يحدُث في بغداد) – د. عامر عبد زيد الوائلي – العراق / خصيصاً للموقع

 

 

فالذات هي حصيلة تفاعل بين الإنسان الفاعل المتكلم بملازمة الإنسان الأخلاقي، وعلى هذا الأساس؛ فالإنسان هو تفاعل بين الواقع والتخيل وهو ما جعل أرسطو طاليس يميز من قبل بين الجدل والتخيل؛ فالتخيل هو مقاربة جماليّةلها آلياتها في اصطناع الجمال؛ لكنّه يحتوي علىخطابات ومفاهيم صراعيّة تصطبغ بالحبكة التي يجدها المؤلِّف في تعبيره عن موضوع  السرد وآفاقه الجماليّةوالموضوعيّة.؛ فالهويّات في الواقع الاجتماعي مثلما هي في السرد، فعلى الرغم من مقارباته التخيليّة؛ إلّا أن الذات تبقى متغيرة متطورة فهي ليست معطى جاهزاً ونهائياً، بلهي تصير وتتطوّر؛ أمّا في اتجاه الانكماش وإمّا في اتجاه الانتشار. 

وعلى العموم، تتحرك الهويّة في هكذا مقام، على ثلاث دوائر متداخلة ذات مركز واحد؛ فالفرد داخل الجماعة الواحدة، والثانيّة الجماعات داخل الأمّة لكُل منها ما يميزها داخل الهويّة الثقافيّة المشتركة، والثالثة الأمّة الواحدة بإزاء الأمم الأخرى().

أذا ما نظرنا إلى الذات المتشكِّلة في ظل الحبكة الروايّةوسردها، فهي تعبِر عن واقع على الرغم من أنّها علاقات متخيّلة افتراضيّة إلّا أنه يقارب العنف الضاري الذي ينتاب الذات وما تلاقيه من عنف مادي أو رمزي وكيف يترك آثاراً عميقة في تكوين الذات وتشكيلها في حالة الصراعات التي تغدو فيها الهويّة مشوشة أو تغدو فيها الضغوط عنيفة ؛فتدفع الذات إلى العنف أو تميل إلى المحافظة وتقوم بالدفاع.

فأي عمل فني سردي يتعامل مع بيئة ثقافيّة واجتماعيّةيحاول التفاعل مع ما فيها من رهانات ضاغطة تشكِّل تحدياً فلا بدّ من أن يترك آثاره في الواقع والسرد معاً،بالآتي في تمثيل الذات؛ سردياً ؛بحسب تعريف ريكورللسرد : "هو بمثابة فهم سردي ينبع من الخيال الخلاق" ، ولعل هذا –يرجعنا- إلى مفهوم آخر "للخيال الخلّاق" عند هنري كوربان في التعبير عن التجربة الصوفيّة والعرفانيّةبوصفها :"مرحلةً وسطى تقع بين الإدراك التعقلي والكون المدرَك بالحواس، يوجد عالَم وسط عالَم الأفكار والصور والتمثيلات… ذلكم هو العالَم الذي تشكِّل المخيلة الفعالة عضوه، إنه موطن التجليّات"()، إنّه الخيال الخلّاق؛ لأنّه في الجوهر خيال فعّال، لأنه خيالاً شهوديًا().

بالمقابل، هناك ثنائيّة أخرى من الممكن أن تقارب الأعمال الروائيّة بوصفها أفعالاً إبداعيّة من دون أن تكون مفارقةًللواقع الذي تعالجه سردياً بمستوىً تخيلي، فهذه الثنائيّةيذكرها بول ريكور وقوامها المبتكر an novation، والراسب sedimentation. وقوله: "إننا لنعزو للراسب النماذج التي تشكِّل أنماطاً لبناء الحبكة التي تسمح لنا من أن ننظم تأريخ الأنواع الأدبيّة،… فإنّ اكتمال تحديد هويّة العمل لا يستنفذ باستنفاذ النماذج التي ترسبت قبله؛ بل لا بدّ من إدخال ظاهرة الابتكار المقابلة في الاعتبار" ().

انطلاقاً من هذا الخلفيّة، من الممكن النظر إلى روايّة(يحدُث في بغداد) للمؤلف الدكتور رسول محمد رسول()؛ فالعمل في مجمله يحاول مناقشة قضيّة واحدة هي التحوّلات التي حدثت وما تزال تحدث في العراق؛ فالعمل يقارب الأحداث بترميز يقسم من خلاله الأحداث الحياتيّةاليوميّة في مقاربة تخيليّة تجمع بين النقد الاجتماعي والسياسي والمقاربة التخيليّة الجماليّة انطلاقاً من الآن بأن يقارب زمن الماضي عبر الرجوع له تعريفاً وشرحاً تفسيراً ؛لفهم حدثٍ ما بحاجة إلى الرجوع لتفكيك شفرات الماضي أو بالانفتاح على المستقبل انطلاقاً من ما يعيشه المجتمع الآن من أزمات. 

وكما تناولنا في التقديم، فإن التاريخ يبقى بالأساس سرداًويتمركز حول حبكة توظف الذاكرة وتطوعها في الحبكة؛ فكُل المرويات وعلى تنوعها بكُل ما لها من انحيازات تخضع إلى مركزيّة الحبكة التي يريدها المؤلف، ولكن يبقى للقارئ أن يعيد رسم أبعاد اللامفكَّر به في توجّهات المؤلِف فهو هنا يقدم توصيفاً ويفتح مجال التأويل داخل النص، أي إن الكاتب يمارس السرد ويمارس تفكيك وشرح وتأويل وأحياناً يوصف السرد في تعريّة ما يعاني الراهن من تأزم وجودي؛ إذ نجد السرد يحاول تناول حياة الناس وما يعيشونه من مصاعب وموت وحرب لا هوادة فيها ومبهمة في الوقتنفسهِ. إذ تدور حول الهويّة التي استيقظت بعد أن هرمت كُل الخطابات الشموليّة، والقوميّة، والماركسيّة التي يبدو أنها شاخت وطُردت من الاهتمام وتمّ إحياء أخرى جعلت من الناس يبحثون عن تشخيص من يحيطون بهم؛ من هم؟ ومن نحن؟ وأخذت تشرذم الأجساد والوجوه وهي تتطاير أشلاءَ متناثرةٍ مع كُل مفخخة يبرر القاتل بها فعله المشؤوم بأنه يقاتل من أجل الحور العين.

وسط كُل هذا الهول، كانت بغداد تستيقظ على هول جديد؛ فالكُل مرهونون الى الجنون الجديد للهويات وأسلحتها الدمويّة، وكان "مرهون الشاكر" شفرة تسهم في الدخول الى هذه العوالم المميتة التي جعلت من الناس مرهونين الى عنفِ لا هوادةَ  فيه، وقد استيقظ هذا الهول والعنف الدموي، وهو مركز الحبكة في الروايّة، في شخصيّة "مرهون" الذي مع كُل ما يعانيه من راهن مميت إلّا أنه كان "شاكرا"، ولذلك أطلق عليه المؤلَّف بـ "مرهون الشاكر”.

محور الرغبة 

مرهون رمز المثقف العراقي التسعيني الذي يعيش الاستلاب بين حالة سابقة بكُل أطيافها، وحالة جديدة بكُل انكساراتها ممثلةً لديه بفجرين؛ الأوّل تمثله زوجته الأولى "فاطمة البصري" التي "استشهدت في أحداث حرب عام 1991 م بقصف صاروخي هدّم منزل أهلها شرق العاصمة بغداد، وقتل كُل أفراد أسرتها بعد أن لاذت بوهم أمانه ؛خوفاً من القصف الصاروخي الأمريكي الأرعن على أحياء العاصمة في حينها" (ص 9).

فيما الثانيّة تمثله زوجته الثانيّة "نُهى" وهي مرحلة الاحتلال بكل أطيافها والتي استطاعت من أن تقضي عليه؛ لأنه لم يستطع أن يواصل نقده فانهار جسدياً ومات، وجاء من جديد بطيف صديقه "سعيد الدّهان" الذي قام بدور الشارح والمفسِّر وهو يعد امتداداً إلى النوعيّة نفسها من المثقف الجمالي غير المتفاعل مع الأحداث مكتفياً بتفسيرها، دافعاً المتلقي إلى التفاعل بتفكيك شفرات الروايّة التي اعتمدت على وجود قارئ متفاعل منتج يقرأ ؛لأجل أن يكتشف إمكانياته القرائيّة في التأمل والمشاركة الإبداعيّةالفعالة.

عبر ما يعرف بقراءة ما بعد الحداثة، وهذا ما يظهر في هذه الروايّة التي توظف "طريقة التناوب السردي بين قصتين الأولى إطاريّة هي الروايّة الأصل التي تنقل بلسان السارد "سعيد الدّهان"، والثانيّة ضمنيّة هي الروايّة المخطوطة التي تنقل بلسان "مرهون الشاكر"، ويقوم السارد المركزي سعيد بحصرها بين قوسين وبخط غامق كهذا المقطع)()، لكنعلى الرغم من هذا، يبدو لي أنّ المؤلف اعتمد على هذه التقنيّة من أجل إيصال معلوم في السرد عبر تفكيك العلامات؛ فهو لا يهدف الى استعراض معلومات نقديّة بقدر ما وظفها من أجل إكمال السرد، وتوصيل الرسالة؛ فالشرح قد أسهم في خدمة السرد أولاً، والأمر الثاني يبدو لي هو نوع من النقد الداخلي لبنيَة المثقف ، الذي لا يميل إلى الفعل من أجل تغيير العالم من حوله؛ بل هو رهين عالمه المتخيل وهمومه الفردانيّة. وكلا الأمرين خلق عائق هو أنّالكاتب لم يخلق أمام القارئ المتلقي للعمل حريّة في التأويل؛ أي أن المؤلف لم يكن فعلاً يمنح القارئ إمكانيّةالتأويل؛ لأنه ضيّقَ الأفق على القارئ؛ إذ مارس الوصايّةعلى المتلقي.

ولو رجعنا إلى محور الرغبة في الرواية نجدها مقسومةًعلى طرفين: أحدهما يعاون البطل ويشد من أزره وهمازوجته الأولى هنا "فاطمة"، وأمّه، وصديقة "سعيد"، وزوجته "مريم"، والآخرين الذين يشاركونهم القناعة. أمّا المعارضون فهم زوجة مرهون  الثانيّة "نُهى" و"الارهابي وجماعته"، و"الشرطي" ومن ينتمي إليهم.

ونستطيع أن نقارب محور الرغبة من زاويّة تصنيفيّة نجدها تسهم بإضاءة الروايّة؛ إذ اعتمد المؤلف على تصنيفالشخصيات على مستوى ذكوري ومؤنس؛ إذ هناك ثلاث إناث ورجلان، الإناث الثلاث كحالات الجدل الهيجلي؛ النفي، ونفي النفي، والطباق:

الزوجة الأولى :"فاطمة" ترمز إلى المرحلة السابقة للاحتلال، وكيف أسقط عليها السارد ملامح متعالية أخلاقياً وذوقياً، وقد استعملها كترميز للمرحلة السابقة بكُل سماتها المدنيّةالبغداديّة .

المرأة الثانية: "نُهى" نفي الحالة الأولى، مختلفة معها في كُل شيء، هي حالة من الاستلاب التي تعرّض لها العراق من الحصار والاحتلال والإرهاب؛ فهي الجسد القادم من الريف وقد أوحى الكاتب إليه من خلال توصيفاته، ثم من خلال الاسم الكامل لها الذي رصد تحول المدن الى قرى بقيمها وذائقتها الجماليّة  وهو ما حدث مع النظام السابق، وما جاء به من تحوّلات إلى العاصمة.

وهذا ما يمكن أن نستشفه من خلال "نُهى"؛ فهي الزوجة الثانيّة لمرهون الشاكر، ووجه "العدم الأكبر، فهي صورة الوطن المسروق، وقد جاء قناعها على لسان الكاتب "نُهى" بدلاً من "سهى" تعبِّر عن رغبته بانتهائها وهي التي ذكرها المؤلف في الروايّة الداخليّة "ما كان فجري الأنثوي الثاني يعوضني خساراتي التي سببها موت فجري الأنثوي الأول" (ص 69)؛ في روايّة سعيد للقصّة، وسمّاها مرهون الشاكر في روايته التي يتحدّث فيها عن وجعه وخيانة زوجته له سماها "سهى". لذلك، كان لا بدّ أن تنتهي "نُهى" في الواقع – في واقع مرهون الشاكر – وهي من أدّت دور الشر في محور الرغبة، وحاولت في البداية سرقة الفصلين اللذين يتحدَّث فيهما "مرهون" عنها في روايته الداخليّة "ينحني الصابر للوجع". واتّضح أنها قامت بحرقهما كما تخبرنا أمها بعد خبر انتحار ابنتها "نُهى" في عمليّة إرهابيّة. 

الحالة الثالثة : "مريم" وهي "الطباق" وإن كانت تحتوي على ملامح المرأة المثقّفة الأولى زوجة "مرهون" في( الثقافة والشفافيّة والمدنيّة)، عبر التعليم الجامعي والرهان الثقافي، وهي من سوف تكتب مقدِّمة الروايّة"ينحني الصابر للوجع" بعد نشرها ناقصةً لفصلين.

مع ذلك ننوِه بأنّ "مريم" تشبه الزوجة الثانيَة، إنها جاءت من مكان خارج بغداد من وسط العراق "الحلة"؛ على الرغممن أنّ الكاتب لم يبين لنا من أين جاءت "نهى" تحديداً؟ لكنّه ألمح إلى ذلك  عبر الاسم بأنها تضم حالة ثالثة مختلفة عن الأولى والثانيّة، وإن كانت تحوي على صفات محدّدة لكنها حالة ثالثة تحتوي على شيء مختلف عنهما. وبها يكتمل الجدل بإنتاج حالة ثالثة من حالات المجتمع وهو يقاوم الإرهاب وينتج الثقافة والحياة والولادة الجديدة. 

لكن تبقى "مريم أو مريوم" امرأة شفافة، محبّة، طيّبة، مثقّفة، مخلصة، نقيّة النفس، منسجمة مع زوجها، وهي صفات مناقضة لسلوك "نُهى"، وبالآتي هي تعبر عن الحياة الطيبة؛ "لذلك فهي التي تدلّ على الوجود الممتلئ والشفاف والنقي والطاهر، هي صورة العراق قبل أن تطأه الخونة وتتطاول عليه الدسائس من كُل جانب"().

أمّا الرموز الذكوريّة فهي، البطل القاص "مرهون" وهو يمثل صوت سارد ذاتي ثانوي، والبطل الشارح "سعيد الدّهان" وهي صفه أخرى لمرهون أكثر من صديقه، كبطل مركزي يتولّى السرد بضمير الأنا: "قبل وفاته بأيام كان مرهون قد طلب مني أن أكون قريباً من والدته في حال اشتداد سقمه ومرضه عليه". تتلخص مهمّة السارد البطل في إعداد مخطوطة رواية للطبع كان قد كتبها صديقه الأديب مرهون الشاكر قبل وفاته؛ فهو القارئ الضمني الذي يحاول البحث – بلغة الناقد – ليكمل هدف الكاتب، ويحاول من إيصال مغزى الرواية التي نعرفها من العنوان وما يخفيه من تناصّات، وبالآتي من رسائل يريد الإخبار بها، سواء بلغة الراوي أم القارئ الضمني الذي يعيد قلب العنوان من أجل أن يفك شفرته، وقد علل بلغة العارف بصاحبه بقوله: "مرهون يعشق التناص هكذا يقول النقّاد عنه خصوصاً أولئك الذين درسوا أغلب سردياته القصيرة والطويلة" (ص 33). 

والرجل المعوّق، وهو من جنود الجيش السابق، الذي تحوّل الى مراقب ينقل بشفافيّة الأحداث. ثم رمز نقد البنيّةالكاملة للنظام ممثّلةً في رمزي الإرهاب "الجماعة" و"الشرطي" فكليهما يمارس الاستلاب على "نُهى" بلغة نقديّة تنفي وتعمِّق النفي من قبل الكاتب للنظام السياسي وخصومه معاً.

في مقاربة الرواية التي تتمركز الآن في بغداد أو الآن؛ إذيعيش المؤلف كما يلمح لهذا في استعاراته وجمله الألفاظ الخليجيّة فهي تحيل إلى الآن ؛لكنّها منفتحة على الراسب الماضي بكُل سماته الجميلة التي هي بمثابة "شحنة القديم المضمرة فيه.. وشحنة المكان تلك التي تمدنا بالتصوّر الآني، الأولى تسند النص بروح الماضي، والثانيّة تنمّي النص بروح العلاقة، والثالثة تغني النص بروح المعاصرة"()، لكن مع إشكاليّة السرد ما بعد الحداثة، فإن المكان لم يعد مجرّد توقف للزمان من خلال الوصف المكاني؛ بل أصبحنا نرى أن الزمان لا وجود له من دون مكان، وإنّ الزمان حادث بسبب الحركة في المكان، وفي الأشياء"() عبر الحوار بين الواقع والفهم، فالتغير في الفهم السردي يُسهم، إلى حدٍّ كبير، في أحداث مغايرة كما يصفها بول ريكور بقوله: "إنّالقصص تُروى، ولكنّها أيضاً تعاش على نحو متخيّل"(). وهذا ما وجدناه في هذه الرواية (يحدُث في بغداد) التي تسهم في مقاربة المكان بغداد والزمان – الآن – في هذه المقاربة استرجاع للماضي من أجل فهم ما يحدُث، والانفتاح صوب المستقبل مستثمراً أيضاً شحنة المكان بكل قفلها المعنوي؛ إذ هناك انصهار آفاق في الأزمنة مثلما تداخل في الزمان والمكان على مستوى القص لأنّ التغير في الواقع، وبكُل عنفه الضاري، يؤدّي إلى تغير في الرؤيَة والعكس.

د. عامر عبد زيد الوائلي – العراق

في الختام يتقدم موقع "روسيا- العالم الإسلامي بكلمات الشكر والتقدير إلى الكاتب العراقي صديق موقعنا الدكتور الوائلي