الرئيسية » حضاريات » الحقيقة بمفهوميها العلمي و الديني – سهيل فرح خاص للموقع / الجزء الاول
الحقيقة بمفهوميها العلمي و الديني

الحقيقة بمفهوميها العلمي و الديني – سهيل فرح خاص للموقع / الجزء الاول

وهذه التساؤلات التي نطرحها مشروعة في جوهرها لأنهاقد تساعدنا في توضيح التمييز بين الأشكال المتنوعة من الحقيقة، وعلى التمييز بين مايسميه بعضهم الحقيقة المطلقة أو الحقيقة النسبية، الحقيقة اليقينية والحقيقة الترجيحية أو الاحتمالية، الحقيقة المادية الملموسة والحقيقة الصورية والروحية،الحقيقة الذاتية والحقيقة الموضوعية. وكافة هذه المفاهيم يبقى النظر فيها مجردًا مالم يتم تحليلها بالمقارنة مع مصطلحات قريبة منها أو متداخلة معها، كالعلاقة بينالحقيقة والواقع، أو مع مصطلحات أخرى تدخل في الوعي الذاتي لدى هذا الطرف أو ذاكتحت اسم الخطأ أو الوهم أو الشك.

إن التصدي لهذه المعضلة يطرح مسألة اليقينيات أو الحقائق التي بناها بعضهم، من داخل الفكر العلمي أو من خارجه، على أخطاء تراكمتمع الزمن، وأضحت تمثل الحقائق اليقينية، ووصلت لدى بعضهم إلى درجة القداسة! وهذاالأمر يعقِّد المعضلة لأنه عندما يتم البحث في جوهر هذه اليقينيات ويجري الحفر فيجينيالوجياتها، وصولاً إلى بدايات تكونها، تكون المفاجأة الكبرى إذا تم التأكد منأن هذه اليقينيات مبنية على أوهام!

ولما لم يكن من مهمة البحث تكريس الانتباهإلى مسألة الحقيقة كموضوعة مستقلة فإن الأمر هنا يقتصر على علاقة المفهوم بالمسألةالعامة للأطروحة. من هنا، ومن أجل توخِّي الدقة، فإن البحث يستدعي الرؤية العقلانيةالنقدية لكلِّ وهم أو خطأ، والعمل علي الاقتراب من المفاهيم والحقائق الموجودة فيواقع حياة البشر، في أنماط تفكيرهم وسلوكياتهم، في عالم الوعي عندهم وعالم اللاوعي،وهذا في إطار التصور العقلاني للمحسوس والملموس. والحقيقة الكونية، بدورها، قد تكونحاضرة أو موجودة في إطار اللامحسوسواللاملموس، أي في إطار موجودات العقل الباطن،أو في إطار القوانين والأسرار الموجودة في الطبيعة والكون التي ما زالت عصية علىفهم العقل العلمي لها.

و لعل من الفائدة بمكان هنا القيام , لا بل الأستفادة , من جهد العقول الفلسفية التي تناولت موضوعة الحقيقة أنطلاقا من مقاربات وأجتهادات ووجهات نظر متنوعة.

فهناك رؤية تقليدية للحقيقة تمثلت في فلسفة كل من أفلاطون و أرسطو والتي ربطت مفهوم الحقيقة بالحكم  أو القضية . أي أن على الحقيقة أن تكون متطابقة و بشكل ميكانيكي مع المعرفة و موضوعاتها. وهذه المقاربة للحقيقة أكد عليها و صاغها بشكل آخر الفلاسفة المسيحيون و المسلمون في الفترة التي أطلق عليها عصر الأيمان بالدين التوحيدي.  والتي ترى بأن الحقيقة تكمن عندما يتطابق العقل البشري مع الشيء. و خير معبر عن هذا الأتجاه كان أبن سينا و توما الأكويني . فعلى حد قول هايدغر أن من بين الموضوعات الأساسية التي ميزت التفكير التقليدي للحقيقة هي: أن ماهية الحقيقة تقوم في تطابق adequation الحكم مع موضوعه"(1) . في حين يرى سبينوزا بأن " الحقيقة معيار لذاتها و معيار للخطأ " (2).

كان هيغل بدوره يطرح السؤال على نفسه: هل نحن قادرون على معرفة الحقيقة؟ يجيب بنفسه عليه " بأن الأنسان الكائن الشديد الصغر المنبعث من الأرض ليس بأمكانه معرفة الحقيقة" (3). أما بول ريكور فيقول بأن علاقة المفكر بالحقيقة " ليست علاقة تملك , و انما هي علاقة أمل و رجاء. هذا أولا" , وهي تعني ثانيا" أن الحقيقة ليست مجرد أفق أسعى أليه , لكنها فضاء أو مجال" (4). بهذا المعنى فأن ريكور و معه أيضا هايدغر و ياسبرس يقصدون بالحقيقة بأنها النور الذي يضاء بواسطته الوجود.

و نحن كبشر لا يمكننا الوصول الى جوهرها و مصدرها كحقيقة. و انما تعاملنا معها يتم بواسطة النور الذي ينبثق منها.

هناك تيار عريض من الفلاسفة يعتبر بأن مجرد طرح فكرة الحقيقة وتملكها التام يؤدي لا محالة الى الوهم. فكما يقول أدغارموران " أن فكرة الحقيقة هي المنبع الأكبر للخطأ . و الخطأ الأساسي يقوم في التملك الوحيد الجانب للحقيقة" (5). أما نيتشه و يقول في هذا السياق : " بأن الخطأ هو شرط المعرفة… و كل معرفة هي بدون شك مطلية بالخطأ" (6). و كارل بوبر يشير  بهذا الصدد الى أنه : " أذا ما أبعدنا القابلية للخطأ , فأننا نبعد الحقيقة ذاتها" (7) .

 وهناك انصار القول بأن الحائل الأساسي دون الوصول الى الحقيقة هو الخطاب المؤدلج. فالأيديولوجية على حد قول فرانسوا شاتليه هي: "عامل استلاب لأنها تفرض على الأنسان رؤية للواقع تجعله غريبا" عن ممارسته الأجتماعية للحقيقة" (8).

فيما يعتبر فوكو :" بأن الحقيقة هي من نتاج السلطة" (9). . ما يقصده فوكو هو أن المعرفة بالحقيقة لا

يمكن أن تتطور و أن تعيش ألا خارج دوائر السلطة و متطلباتها و مصالحها.

 واذا كنا نحن اميل الى حد ما الى الرؤية الأبيستومولوجية لمفهوم الحقيقة التي تأخذها كحالة لها وجود في المعارف الأنسانية مجتمعة . فأنها بهذا تخضع للتغير وفقا" لتغير المعارف و العلوم . بيد اننا نعترف , لا بل نقر, بأن هناك الكثير من الحقائق الكونية و الوجودية هي ليست حتما في متناول التأويل الأبيستمولوجي للحقائق و العلوم و المعارف. فلا أحد يدعي في هذا المنحى بأن رؤيته صحيحة تماما" .

و من يدعي الصحة التامة هو الذي يقول أو يحتكر لنفسه الحقيقة المطلقة. و فلسفة العلم أكدت نهاية المفاهيم المغلقة المطلقة حول الحقيقة و نهاية الأفكار التي كانت تجزم بالتطابق التام بين الأشياء و العقل.

أنطلاقا" من هذه التصورات و غيرها الكثير و التي لم نتركها تتوسع , لأن لا نهاية للأقوال و الأجتهادات حول مفهوم الحقيقة. فأننا نقر بأنه من الصعوبة الكبرى , لا بل من المستحيل, الوصول الى رؤية واحدة وشاملة حول الحقيقة. غير أن الشيء الوحيد الذي يمكن الأعتماد عليه, و من خلال القراءات المتنوعة  و التأملات للأراء الفلسفية العديدة, هو الأقرار بالطابع النسبي للحقيقة. و النظر اليها كشيء غير جاهز أو منجز, بل هي شيء متحول , بحاجة دائما" الى أنشائه و أكتشافه. و ما نظرتي أو نظرة غيري لهذه الحقيقة أو تلك, ألا نظرة منطلقة من مصادري و مصادره المعرفية التي هي بنت زمانها و مكانها. غير أن تلك النظرة لا تجعلني أخضع لقدرية التطور الميكانيكي الدائم و المتسارع للأشياء . بل تفرض علي الأستقرار على حقائق نسبية بين هذه المرحلة أو تلك من من التطور الحياتي و المعرفي و الكوني. و ذلك استدراكا" للوقوع في خطر الفوضى و اللاقرار في الركون الى الحقائق النسبية للوجود…

يتبع….