الرئيسية » سياسة واقتصاد » الحملات الصليبية، الجهاد والعولمة – ميخائيل ياكوشيف / خاص بالموقع 1
lhmlt_lslyby.jpg

الحملات الصليبية، الجهاد والعولمة – ميخائيل ياكوشيف / خاص بالموقع 1

تشكل الغايات السياسية الأنانية إحدى وسائل العولمة، وهي تهدف إلى تغطية النوايا الحقيقية بالكلام والذي يمكن أن يكون حسن الموقع من السمع، ولكنه لا ينقل المعنى الدقيق لما يريد أن يقوله المتحدث.

ليست عناصر العولمة والتهذيب السياسي جديدة. يمكن أن نجدها في تاريخ الحملات الصليبية، والتي، كما سوف نرى أدناه، لم تكتمل بعد بالنسبة لبعض البلدان والمناطق المعاصرة. في كل الأحوال السمات المميزة لهذه الحملات (العدوانية، القسوة والمعالجة الإيديولوجية الشاملة للرأي العام) يمكن أن نجدها في العمليات الحربية لأحدث الأزمنة. في عام 1095، بعد «الانقسام الكبير» لعام 1054 (لانقسام الكنيسة المسيحية الواحدة إلى غربية، لاتينية وشرقية، أرثوذكسية). من أجل حل مشكلاته الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية والدينية، أوجد البابا أوروبان الثاني في كليرمون شعاراً لائقاً تماماً «عولمياً مبكراً». يصلح لكل أوروبا الغربية: «تخليص مدفن الرب من البرابرة»، أي من العرب المسلمين المحليين.

كان النداء مسموعاً، ومئات آلاف الإقطاعيين من ذوي المراتب ولكنهم لا يملكون أراضي، الذين بوركوا «أوائل بين متساوين». بكلمات «هذه مشيئة الله» ارتدوا عدة الفرسان مع مطارف الصليب وتوجهوا إلى فلسطين المقدسة. حتى وهم ما زالوا في أوروبا أخذ حملة الصليب «يجلدون» السكان المحليين ويقيمون حملات إبادة لليهود.

لم يكن من السهل على الإمبراطور البيزنطي اليكس كومنين الأول أن يحمل الصليبيين على مغادرة العاصمة الشرقية للإمبراطور الرومانية، القسطنطينية، الغنية والمضيافة، ليستمروا في الطريق إلى الهدف الأبعد المنشود عبر البوسفور وآسيا إلى الأرض المقدسة. اختبارات ثقيلة وخسائر كانت من نصيب «الفرنجة» أو «الغرباء» كما سماهم «البرابرة» المحليون، الذين اعتبروا الضيوف غير المدعوين غزاة ومحتلين.

عندما وصل الفرنجة إلى هدفهم النهائي، القدس، اقتحموا المدينة اقتحاماً، حيث لم يبق فيها حتى ذلك الوقت سوى اليهود والمسلمون. وفق المصادر التي وصلت إلينا، كتبت من ذكريات المشاركين في الاقتحام، أشعل الجنود المندفعون في المدينة النار في الكنس اليهودية التي اختبأ فيها اليهود، أما من بقي على قيد الحياة من المسلمين من النساء والشيوخ والأطفال فقد رموهم من فوق أسوار المسجد الأقصى (الحرم الشريف)، ثالث مقدسات المسلمين. بقي الأمير المصري – والي المدينة حياً، وافتدى نفسه وحرسه عند الفرنجة ودفع ثمن خروجه الآمن منها. وقبل أن تتبرد جثت القتلى، أقام الصليبيون صلاة في المكان المقدس الرئيس عند المسيحيين – معبد مدفن الرب. وكانت بانتظار «المنشقين الشرقيين الأرثوذكس» الذين عادوا إلى القدس «المحررة»، أو الأرثوذكس العرب المحليين أول مفاجأة مزعجة: زعيمهم الروحي – البطريرك المقدسي وسائر فلسطين – طرد مع حاشيته البطريركية (تأسست عام 451) وعاش بعد ذلك تارة في قبرص ومرة في القسطنطينية. أملاكه الوقفية أصبحت ملكاً لفرسان الصليبيين، الذين نصبوا على رأس الكنيسة المقدسية المونسينيور – لاتينسكي بطريركاً للقدس. وقد جعل الصليبيون من المسجد الأقصى معبداً كاثوليكياً.

احتاج الأمر 88 سنة. حتى قام حاكم مصر، السلطان صلاح الدين، بتوحيد المسلمين بقبضة واحدة، تحت راية الجهاد الإسلامي، وحطم الصليبيين «ومملكتهم اللاتينية» وأعاد اعتبار القدس حتى عام 1099، بدلاً من الثأر القانوني للمعاملة الوحشية مع سكان القدس. سمح صلاح الدين للفرنجة الأسرى أن يفتدوا أنفسهم وأقرباءهم من العبودية. حظر السلطان على اللاهوت اللاتيني البقاء في الأرض المقدسة. عاد بطريرك القدس وسائر فلسطين الشهير من القسطنطينية وسمح لليهود من جديد أن يقيموا في القدس.؟ غير معقول ولكنها الحقيقة: للمرة الثانية على التوالي – بداية في عام 638. ومن ثم في عام 1187 – لم يعد الحاكم المسلم الاعتبار للقدس فحسب بل وسمح اليهود بالعودة إلى القدس المسيحية – المسلمة.

أطلق العرب على الحملات الصليبية الثمان اسم «الحروب الصليبية». وقد منيت كلها بفشل ذريع لأنها كانت تحمل طابعاً ظالماً واحتلالياً. ما ثمن الحملة الرابعة في عام 1204، عندما بدلاً من المسير إلى الأرض المقدسة آثر الصليبيون، ألا يرهقوا أنفسهم بالعبور وراء البوسفور إلى آسيا الصغرى، وأن يقتحموا عاصمة بيزنطة، القسطنطينية، حيث قتلوا سكانها الأرثوذكس. مقدسات مسيحية كثيرة وكنوز الإمبراطور نهبت ونقلت إلى الغرب، حيث تقبع حتى اليوم بصفة «غنائم». أصبحت هذه الحملة نذير سقوط الإمبراطورية الرومانية الشرقية العظمى في عام 1453. خروج الصليبيين من أرض سوريا وفلسطين المقدسة حول المسيحيين الشرقيين إلى موضع انتقام بسبب فظائع الفرنجة.

تم إيجاد الجواب عن احتلال الصليبيين ليس فوراً: «البرابرة» لم يتمكنوا لمدة طويلة من فهم، من هؤلاء الغرباء الجياع الممزقو الثياب الذين يضعون صلباناً على ثيابهم وما الذي يريدونه. من أجل الصراع الناجح ضد الفرنجة تم تفعيل مؤسسة الجهاد. ويعني فعل «جاهد» بالعربية «حاول الحصول على شيء ما» متحملاً الآلام باذلاً كل جهده». بالمناسبة يوجد في المسيحية ما يماثل الجهاد. مؤسسة النذور، عندما يقسم المؤمن قسماً عميقاً أو خفياً. في المفهوم الكلاسيكي قسم الجهاد إلى ثلاثة أنواع: قتال العدو الظاهر، مكافحة الشيطان، والصراع ضد النفس (الأمارة بالسوء).

كل حملة تالية للمسيحيين الغرباء عن الأرض على الأرض الإسلامية (دار الإسلام). حولت الأرض التي تواجدوا فيها إلى (دار الخراب). أرض الحرب، واعتبر توغلهم بمثابة «حملات صليبية». هكذا اعتبر العثمانيون والسلطات المحلية، مثلاً، حملة نابليون على مصر، وفلسطين وسوريا في عام 1799، إلا أنه بالتزامن مع الحملة الصليبية ظهر أمر شاذ واحد: إلى جانب «البرابرة» برئاسة والي عكا جزار – باشا قاتل الأسطول الإنكليزي، ولم يسمح للفرنجة الجدد بزعامة نابليون أن يحتلوا عكا من البر.

مفهوم أن غزو نابليون لروسيا عام 1812 ليس نادراً ما اعتبر في الأوساط الدينية والاجتماعية في الإمبراطورية الروسية بمثابة حملة صليبية دورية «للفرنجة».

في عام 1853 بدأت حرب القرم. أو الحرب الشرقية المعروفة في الشرق العربي أيضاً بصفة «حرب من أجل الأماكن المقدسة الفلسطينية». لقد جرت على أرض الإمبراطورية الروسية واعتبرت «حملة صليبية» دورية، أعلنها أسقف باريس المونسينيورأوفست سيبور على «المنشقين الشرقيين». وقد صنف هذه الحرب كحرب دينية أيضاً. وقد انحصرت خصوصيتها في كونها ضد روسيا، التي كانت تدافع عن الكنيسة المقدسية الأرثوذكسية والحفاظ على حقوق أفضليتها في القدس وبيت لحم. وقد شنتها «جوقة أوروبية» من «الفرنجة الجدد» على «البرابرة الجدد». وقد انضم إلى هذه الجوقة فرنسا، بريطانيا. الإمبراطورية العثمانية وسردينيا المجاورة لها. خسرت روسيا هذه الحرب، إلا أنه بفضل تدخلها في الجدل اليوناني – اللاتيني ضد إعادة تنظيم الملكية لأماكن فلسطين المقدسة. تمت المحافظة على حق أفضلية الكنيسة المقدسية الأرثوذكسية بشكلها الحالي في إطار النظام الذي جرى تثبيته، المعروف باسم الوضع الراهن (status quo abte).

نائب رئبس مركز المجد الوطني (روسيا)