الرئيسية » اكتشف روسيا! » الحياة العامة والحياة الخاصة (1) ـ ميشال مافيزولي ـ ترجمة: حسن أحجيج
anfasse2.jpeg

الحياة العامة والحياة الخاصة (1) ـ ميشال مافيزولي ـ ترجمة: حسن أحجيج

الحياة العامة 

يتعين التذكير أولا بأن النظام العام (الدولة، البيروقراطية، المنظمات، البنيات التقنية…) يقوم بوظيفة التخفيف من حدة المصالح الخاصة. فالدولة، من حيث هي مسير الحياة العامة، هي التي تحرس العالم الأخلاقي. هكذا تكون عبر هذه العلامات الكبرى المتمثلة في الإصلاح Réforme أولا والنزعة الديكارتية ثانيا، ثم ثورة 1789، هذا الكيان الذي يدعى الكيان "الاجتماعي" الذي ينزع إلى الحلول محل التضامن العضوي القديم. وانطلاقا من تلك اللحظة، ستظهر مراقبة نوعية يتعين فهمها بأكبر قدر من الموضوعية: إذ يتم دمج الوجود الاجتماعي برمته في عملية "عقلنة ممنهجة" (ماكس فيبر) تجعل كل حياة فردية اجتماعية تتحدد بواسطة عنصر خارجي مهني أو سياسي-اقتصادي.
يدخل كل شيء في النظام العام الذي سيتمظهر بواسطة مؤسسات وأنظمة ضبط منسقة وفعالة. ولذلك فإن الهيئة التشريعية، وآلية الحوافز، ومراقبة الاعتمادات بواسطة هيئات وطنية أو بواسطة مؤسسات نقدية دولية، وضبط التوزيع، وإقامة مراقبة وزارية لتنظيم العمل بواسطة الوسائل الملائمة، إن كل ذلك يمثل كلا مؤسساتيا يحدد جزءا كبيرا من نمو النشاط الاقتصادي. فضلا عن ذلك، فإن الهيئات الدولتية تضمن لنفسها سلطة إضافية ذات فعالية مهمة فيما يتعلق بالحياة الاجتماعية، لأنها تقوم بدور الحكم بين البيروقراطية الاقتصادية والبيروقراطية النقابية. زد على ذلك أن الدوران المتواتر والسريع القائم بين البيروقراطية الاقتصادية الخالصة والبيروقراطية النقابية يدعم آلية المراقبة. ولكي يكون بإمكان الموظف أن يطمح إلى منصب مهم في الديوان الوزاري يضمن له القيام بتأثير حقيقي، ينبغي عليه أن يمر عبر قطاعات مختلفة في العالم الاقتصادي والاجتماعي، شأنه في ذلك شأن رجل الدين الذي يجب عليه أن يقوم بعدة أعمال متكاملة جدا فيما بينها (الخورنية، المؤلفات، المؤسسات، الهيئة المركزية) قبل أن يصل إلى تقلد مسؤولية فعلية. يوضح هذا الدوران جيدا الأهمية التي تحظى بها "الهيئات" التي ستسير الحياة العامة. وبالفعل، يعود تحكم "المدراء" في الفضاء الاجتماعي برمته إلى كونهم أعضاء في جمعية حرفية. لن نكرر القول مرة أخرى بأن الاستمرارية هي التي تضمن لهم سلطتهم. إن هذه الاستمرارية المرتبطة بمراقبة الاعتمادات، وإعادة الإنتاج الذاتي هما اللتان تجعلان من الهيمنة البيروقراطية "استغلالا مهنيا" (ج.بيرنهام)، تقدم عنه التواريخ الإنسانية أمثلة متعددة.
إن لهذه الملاحظة أهمية كبيرة في إدراك أن المجال العمومي مرتبط بإقامة بيروقراطية متعددة الأشكال، أي هيئة تميل إلى تحديد "ما يتعين أن يكون عليه" مجتمع معين.
لقد تم الانتقال في البيروقراطيات العتيقة (كالبيروقراطيات الصينية التي درست بشكل جيد) من ملكية الإمبراطور "ابن الله" ومبلور السيادة الشعبية إلى الموظفين المتعلمين أو إلى خصومهم الإضافيين، أي المخصصين(*)؛ كذلك الشأن بالنسبة للبلدان الديمقراطية التي تقوم على الفردانية، حيث يتم الانتقال من البرلمان المنتخب إلى سلطة الموظفين الراسخين. ففي الولايات المتحدة نفسها، بلد المقاولة بامتياز والفردانية الكاملة، تسجل الخطة الجديدة
New deal، حسب بيرنهام، لحظة الانتقال من سيادة البرلمان إلى مكاتب الدولة، "هذا القطاع التنفيذي […] الذي لا يكف عن التوسع على حساب القطاع التشريعي والقانوني". إن السيادة البرلمانية التي تمثل التحقق الملموس للديموقراطية الفردية تفقد تدريجيا من اختصاصاتها الأساسية من جراء هذه المقاومة السلبية التي تجسدها السلطة التنفيذية، ومن خلالها سلطة الموظفين الذين أصبحوا، بفضل المجالس ولجن الدراسات والمكاتب التي تهتم بهذه المسألة أو تلك، يحتكرون المشاكل المستعصية تقنيا أو التي حولت عن قصد إلى مشاكل مستعصية.
إن ما يفسر هذه السيرورة هو النشاط المتمدد للدولة التي أصبحت مقاولا بالمعنى الواسع للكلمة؛ فلكي تخفي الدولة فوضى المبادرات الفردية، ستستأثر بمختلف الاحتكارات: النقل، الاتصال، التسلح، الكهرباء، المواد الأولية… وكثير من الميادين التي تعمل فيها الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر، وبالتالي تنقل السيادة من مكان إلى آخر. لم تعد الدولة هي ذلك المعدل الخير الذي ييسر توازن الجماعات المتناحرة؛ ولم تعد تقوم بتلك الوظيفة الرمزية الخالصة التي تحمي من خلالها التيارات التي توحد بين أفراد الشعب بغض النظر عن الاختلافات القائمة بينها؛ لقد أصبحت الممر الذي يتعين أن تنفذ عبره كل المبادرات الفردية التي سيتم بعد ذلك إنكارها بما هي كذلك. وستنزع منذئذ المؤسسة التمثيلية التي تبنتها الديموقراطية الفردية إلى الزوال حتى لا تقوم بوظيفة رمزية، بل بوظيفة فخرية، وظيفة النسيخ التي ستمكن الهيئات الدولتية من أن توسع بسهولة من رقعة تأثيراتها. في الحقيقة، لم نعد أمام ما يمكن أن يطلق عليه "البيروقراطيات السياسية"، أي أمام موظفي الجهاز الذين ظهروا في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، والذين كانوا يوجدون في كل أحزاب تلك المرحلة، وظلوا في آخر الأمر خاضعين ولو بشكل ضعيف جدا للتصويت الشعبي بفعل ارتباطهم بالأعيان المحليين. لقد ترك هؤلاء الموظفون مكانهم لتكنوقراطيين فعالين لا قدرة لهم على التخلص من هيمنة الشعب الذي يطمحون إلى تسييره ماداموا لا يستمدون سلطتهم من ذواتهم؛ وبما أن "المدراء" يتوفرون على حس معرفة ما يتعين أن تكونه سعادة الإنسان، من حيث أن هذا الحس هو نتيجة لإيديولوجيا الخدمة العامة، فإنهم يستطيعون بذلك أن ينفلتوا، وبكل حسن نية، من الضغط والتأثير الجمعيين المباشرين وغير المباشرين.
هكذا يتم بناء "الحياة العامة" التي تقوم على احتكار ما كان ينتمي إلى نظام الجوار أو القرابة. فقد توصلت هذه السيرورة التي يبدو أنه لا رجعة فيها إلى إقامة كل آليات المراقبة والتخطيط التي نعرفها. سيعمل الوجود الاجتماعي منذئذ تحت هيمنتها. لذلك فإن هذه الوضعية يلازمها استيطان مستمر لكل لحظات الحياة؛ وبالفعل، تتم تسوية الزمن كليا وتقسيمه إلى أجزاء، الشيء الذي يمكن من مراقبته بصورة دائمة. حيث يصبح وقت العمل والوقت "خارج العمل" خاضعين للتخطيط. لقد كان العامل في التنظيم الرأسمالي الخالص للمجتمع خلال النصف الثاني من القرن 19 مستغلا بشكل كبير، ولكن رغم قساوة هذا الاضطهاد وطول مدته، فإنه كان يسمح بظهور لحظات من الزمن تنفلت من إكراهات الفرض. وبالمقابل، إذا كان الاستغلال قد قل من ناحية الكم مع برقرطة الوجود، فإنه تقوى من ناحية الكيف: إذ أصبح الوقت الحر والحياة الجنسية واللغة والاستهلاك تخضع كلها للضوابط. إذ لم يعد يتعلق الأمر بتحقيق فوائد حسم فيها تماما على كل مستويات الحياة اليومية، بل أصبح يتعلق بدمج الأفراد وحياتهم في تنظيم مؤطر ومجرد قليلا.


 
المراجع:

E.BALAZS, La Buraucratie céleste, Ga, Paris, .
J.BURNHAM, L’Ere des organisateurs, Calmann – Lévy, Paris, 1947.
L.DUMONT, Homo hierarchicus, Gallimard, 1966.
L.DUMONT, Homo aequalis, Gallimard, 1977.
E.DURKHEIM, De la division sociale du travail, F.Alcan, Paris, 1926.
N.ELIAS, La Dynamique de l’Occident, Calmann-Lévy, 1975.
M.MAFFESOLI, L’Ombre de Dionysos, lib. Des Meridiens, Paris, 1982.
M.MAFFESOLI, La violence totalitaire, P.U.F, Paris, 1979.
G.SOREL, Les Illusions du progrès, Rivière, Paris, 1947.
G.SIMMEL, Sociologie et épistémologie, P.U.F, 1981.
A.SCHUTZ, Collected papers, vol.III, M. Nighoff, La Haye, 1966.
M.WEBER, L’Ethique protestante et l’esprit du capitalisme, Plon, Paris, 1964

 

أنفاس – الجمعة, 11 ديسمبر 2015