الرئيسية » حضاريات » الحضارة الإسلامية والمؤشرات الروحية لروسيا في القرن الحادي والعشرين – رمضان عبد اللطيبوف
abdulatipov_2.jpg

الحضارة الإسلامية والمؤشرات الروحية لروسيا في القرن الحادي والعشرين – رمضان عبد اللطيبوف

قد يسمع المرء ويقرأ عددا كبيراً للغاية من النقاشات اللاحضارية عن الحضارات بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر المأسوية في الولايات المتحدة، ويصل البعض من ذلك إلى فكرة غير معقولة بالكامل، أي اعتبار شعوب وثقافات وأديان بالكامل لا حضارية، علماً بأن مثل هذه المواقف لا تتوافق مع أية وثيقة تعرف النظام العالمي المعاصر. وبدلاً من التوبة والمصالحة والتعاطف والرحمة والتضامن في مكافحة الشر، نرى أن الضغينة تتضاعف وتزداد انتشاراً. إن الإرهاب، وكذا ما يثيـره من جهل رداً عليه، يبعث الغضب عند ملايين النفوس، وعند الله إذن. أنا لم أعتبر، ولا أعتبر، نفسي مؤمناً متزمّتاً، ولكنني أدرس كل الأديان وأحاول أن أدرك كنهها. إننا نجد فيها كلها الطريق إلى إله واحد، ومعنى طاعته باسم طهارة الروح وسموها. الإيمان هو روحانية الإنسان ومقدرته على إدراك ثقافته ودينه، وكذلك قرن هذا الفهم والحب بأعظم الاحترام لثقافات وديانات الشعوب الأخرى. ذلكم هو الموقف الحضاري من هذه المسائل المعقدة. إنـها لنعمة عظيمة أن نولد بشراً، ولكن المسؤولية عظيمة في أن نصبح ونبقى بشراً على الرغم من آلاف التناقضات في الحياة ذاتـها. لقد تجاوز الإسلام في سياق تطوره المحدودية الإثنية – الثقافية. وإذ غدا ديناً عالمياً أوجد بذلك الظروف الروحية لحوار الثقافات والشعوب على نطاق العالم.

والكفار عند الإسلام هم بالدرجة الأولى الوثنيون لا المسيحيون ولا اليهود.

 والجهاد أساساً يهدف إلى إصلاح النفس والتطهر والكفاح ضد الكفر، وضد الشيطانن "من رأى منكم منكراً فليغيره بيديه، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه " ذلكم ما جاء في الحديث الشريف. إن الدور الحضاري للإسلام أمر لا شك فيه، وذلك بالنسبة للعديد من الشعوب، والعرب في المقام الأول. لقد غدا العرب أمة عالمية بفضل عوامل منها الإسلام. وكما يقول أ. المودودي: " يلاحظ في حياة العديد من الشعوب انقلاب جذري في حياتـها الاجتماعية وعاداتـها وتقاليدها. لقد حدثت في ثقافة وحضارة هؤلاء البشر ثورة لم تغير اتجاه تطور تاريخهم، بل ومسار تاريخ العالم بأسره ". ويجري عملياً بناء نمط إسلامي جديد للحضارة على قاعدة الإسلام. ونحن نتحدث عن الإسلام لا كدين وحسب، بل وكفلسفة وخبرة وممارسة إنسانية. والإسلام، في ظل ذلك، يطمح أكثر من أي دين آخر للإحاطة بكل جوانب نشاط الإنسان الحيوية، ويقدم إليه إرشادات لظروف حياته كافة.

والله عند الإسلام ليس فكرة مجردة، بل إنه العقل الأسمى، وهو يقدم للناس الإرشادات فيما يخص عيشهم، ويقرر مصير الإنسان، ولكنه لا يحرمه المسؤولية عما يقوم به من أعمال سيحاسب عليها. والإسلام لا ينفي المعرفة والعلم، بل إن لفظة " المعرفة " ترد في القرآن الكريم بعدد من المرات لا يفوقه إلا عدد المرات التي يذكر فيها اسم الله سبحانه وتعالى. والإنسان المؤمن هو إنسان عارف، وليس متزمتاً. إن الإسلام إذ يخلق بذلك إمكانات ضخمة لا للإيمان فقط بل وللعلم والتعليم والحوار بين الحضارات إنـما يساعد في التقدم والحضارة.

 وكما أشار في هذا الصدد أحد أشـهر المختصين الروس في الشؤون الإسلامية (ل.ر.سيوكيانيـن) فإن "الإسلام يقيم حداً واضحاً بين أصحاب المعرفة وأولئك الذين لا يمتلكونـها، ويقر لأصحاب المعرفة بامتيازات خاصة لا سيما في إدارة الدولة". وهذه التوجهات القاعدية في الحضارة الإسلامية تحمل طابعاً تقدمياً. والإسلام لا شيء يجمعه بالتحريمات المتزمتة في مجال العلم والتعليم والثقافة طالما أن هذه المناشط تمنح الإنسان المعرفة والروحانية. بيد أن هذا لا يعني أن الإسلام يؤكد أنه استثناء مقارنةً بالديانات الأخرى.

ومما يدعو للأسف أن الثقافة الأوروبية المعاصرة (التي تشربت، بالمناسبة، بقيم الحضارة الإسلامية) تسود فيها تصورات مشوهة، بدائية غالباً، عن الحضارة الإسلامية. ومن الأمثلة على ذلك قول أحدهم: "إن الإسلام كذب، وتشويه للحقيقة، ودين العنف والسيف، وتغاضٍ عن أهواء أتباعه. أما النبي محمد فيكاد يكون المسيح الدجال الرئيسي". وبمثل هذا التوصيف تقريباً بحق اليهود والمسيحيين ينطق جهلة المسلمين. غير أن المسلمين والمسيحيين وفي سياق الحياة المشتركة في العديد من البلدان والمناطق يتكيفون أحدهم مع الآخر.

إن الهم الرئيسي عند المسلمين والبشرية المتحضرة يتلخص في أن كان الجوهر الروحي والسعي نحو الخير والمعرفة قد امتلكا البشر أم لا؟ وهذا ما يرشد إليه الإسلام. وبسبب الإعداد الفلسفي واللاهوتي المتدني تُقصَرُ تعاليمُ الإسلام أحياناً على حفظ سور القرآن الكريم. وهذا أيضاً أمر مهم، ولكن تغليب حرفية النص القرآني، لا روح القرآن الكريم، يؤدي إلى تزايد الفرقة داخل الإسلام ذاته. وها أنا اليوم، في مطلع القرن الحادي والعشرين، أتفحص قائمة العلوم التي درسها الإمام (شامل) في مدرسة بجبال القوقاز في مطلع القرن التاسع عشر، فأجد أن العلوم التي كانت تُدرَس آنذاك أكثر بكثير من العلوم التي تُدرس الآن في المدارس والجامعات الإسلامية المعاصرة في روسيا. أما جدي الحاج مراد فقد درس بجدّ كتب الفارابي وابن سينا وكثيرين غيرهما، ومن خلال ذلك اطلع على الشعر الشرقي وفلسفة أفلاطون وأرسطو. هذا في حين نرى أن المسلمين يجري توجيهـهم من كل الجوانب للقتال أكثر من توجيههم للانكباب على العلم ونور المعرفـة، ويجري إبعـادهم عن المنـابع الروحية وجوهر الإسلام. وعند بعض " الإسلاميين “ الراديكاليين المتزمتين فإن الكلاشينكوف أقرب إليهم من النبي محمد.

لقد غدا الحوار اليوم، لا مع الإسلام فقط، بل وداخل المجتمع الإسلامي، أكثر صعوبة نتيجة عوامل منها غياب الوفاق عند قادة المسلمين الروحيين، وهذه ظاهرة منتشرة في العالم العربي وروسيا سواء بسواء، وهذه الصعاب  كافة لا تنتقل إلى العلاقات بين الناس وحسب، بل إلى العلاقات بين الدول أيضاً، إذ إن الإسلام يضبط، كما لا تضبط أية ديانة أخرى، جميع جوانب العلاقات في حياة المسلم المؤمن، أي العلاقات الشخصية والاجتماعية وعلى مستوى الدولة. وفضلاً عن ذلك يقدم الإسلام مجموعة منهاجية من القوانين الإسلامية، أي الشريعة التي لا تقتصر على كونـها مجال حقوق، بل تلقي الضوء على القضايا الدنيوية والدينية. إن عالمنا المعاصر ينقسم بقدر كافٍ من الدقة إلى ديني ودنيوي.

والإسلام لا يعترف دائماً بـهذا التقسيم ويتطلع إلى أن يذوب فيه الديني والدنيوي، وهو يكتشف الدنيوي عبر الديني، ولكنه يترك حيزاً كبيراً للغاية لحرية التصرف والمسلم المسؤول. وعدا ذلك فإن مفهوم " الدنيوي “ غالباً ما يُضمّن فهماً " غربياً الأمر الذي لا يبدو مبرراً جداً. ولم يترسخ بالقدر التام بعد مفهوم شرقي، ولا نقول إسلامياً، عن "الدنيوي" .

إن التناقضات في الحوار بين الإسلام والمسيحية، وكذلك بين الدنيوي والديني، تثير عدوانية المنظمات والفرق المدعية بالإسلام، وتزيد نفوذها في الحياة الاجتماعية – السياسية في بلدانـها. ولم يتمكن الفلاسفة وعلماء اللاهوت والساسة حتى الآن من تقديم نموذج متكامل للتفاعل المعقد بين هذه المشاكل في مجموعها، اللهم إلا الآراء العامة.وفي ذلك كله لا تؤخذ بالاعتبار وقائع التاريخ، أي أن الشرق، والإسلام، والمسلمين، كانوا على مدى بضعة قرون – وخصوصاً في القرنين التاسع عشر والعشرين – في وضع إذلال وتمييز وضَعَهم فيه الغرب.

 والمسألة هنا لا تكمن في عدوانية الإسلام، وإنما في حالة هذا الوسط الذي تعرض للتدمير والإذلال, واعتبر متوحشاً لا حضارياً. ولابد أن نلاحظ أيضاً أن أكثر من 95% من المسلمين في العالم أضحوا عملياً في مطلع القرن العشرين مستعمَرين تابعين للبلدان الغربية تحديداً, وأية محاولة للتحرر كانت توصف بـ “ الإرهاب الإسلامي" و"التطرف الإسلامي" ومن هنا تكاثرت حول الإسلام العديد من التيارات الراديكالية. ولسبب ما فإن قلة من الذين ينتقدون الوهابية بلا انقطاع يقولون إن الوهابية ظهرت في صراع العرب ضد النير التركي في العربية السعودية. وهذه الأخيرة ظهرت كدولة نتيجة لهذا الصراع, ولعمليات مركزة دولة السعوديين التي جرت آنذاك. ولأسباب اجتماعية – سياسية موضوعية كان التدخل الخارجي تحديداً ما جعل الإسلام يرجع إلى القرون الوسطى والتأويل الحرفي. ولكن بعض القوى المعادية للإسلام، ودون أن تلقي بالاً لجملة هذه الأسباب التاريخية الواقعية، تجد من مصلحتها تأكيد مقولة مقولبة قديـمة جاهلة تزعم أن "العالم الإسلامي يشكل تـهديداً للحضارات الأخرى، وعاجز عن التطور بالطريق الديمقراطي". ومثل هذه الاستنتاجات تتضاعف في الظروف المعاصرة، علماً بأنـها غير منصفة ولا تقدم شيئاً إيجابياً، بل تثير مظاهر العدوانية إزاء الإسلام وتحفز الراديكالية والتطرف في الوسط الإسلامي. ومما يؤسف له أن روسيا في الآونة الأخيرة تشهد مثل هذا، علماً أن الإسلام لم يهدد روسيا قط. كانت روسيا، والاتحاد السوفييتي بخاصة، يبحثان تاريخياً في الدول الإسلامية، وقد وجدا فيها احتياطياً كبيراً لتوسيع مجال التعاون والنفوذ.

وفي روسيا اليوم ما يربو على (15) مليون مواطن مسلم. وقد مر الإسلام والمسيحية في روسيا بمراحل معقدة من التأقلم أحدهما مع الآخر. وثمة الآن من المشاكل ما يكفي ويزيد. وفي السنوات الأخيرة تزايد تدخل المنظمات الدينية الراديكالية في شؤون روسيا الداخلية. ويغدو الإسلام الراديكالي موضة رائجة بين قسم من المسلمين، ويتسيّس أكثر فأكثر. وحتى الآن لا تزال مكانة الإسلام في روسيا وتمثيل المسلمين في أجهزة السلطة وفي بنى المجتمع بعيدين عن أن يعكسا الوضع الكمي أو النوعي لمسلمي روسيا. يتكشف في روسيا المعاصرة اتجاهان لتطور الإسلام، أحدهما يعتبر الدين الإسلامي منظومة أيديولوجية تامة على مستوى مجتمعات القرون الوسطى غير قابلة لأي إصلاح أو تكييف مع المجتمع المعاصر. والاتجاه الآخر يفهم الإسلام كجزء لا يتجزأ من التطور الروحي الحالي والمستقبلي للعديد من البلدان والشعوب، ويسير في المجرى العام لتطور الحضارة والثقافة والفلسفة الإنسانية ويتكيف مع هذه أو تلك من الثقافات والمجتمعات حسب الحالة العيانية، ويغنيها، أي أنه يشغل المكانة اللائقة التي يستحقها في الدولة والمجتمع وحياة الإنسان.

إن "الانبعاث الإسلامي" في بلادنا توجبه جملة من الأسباب، فقد استحثته بالدرجة الأولى حرية لم يسبق لها مثيل، وإمكانات حرية المعتقد. ولكن هذه الحرية توضعت على أزمة اجتماعية – اقتصادية وأزمة أخلاقية – سياسية في قيم الدولة والمجتمع بعد انـهيار الاتحاد السوفييتي، ففي الوقت ذاته راحت تنقل إلى التربة الروسية تقييمات الغرب للإسلام كدين خطير بشكل رئيسي على الديمقراطية، وكدين التطرف والتعصب. وهذا يؤدي إلى أن يُستخدم الإسلام الراديكالي لأغراض معادية لروسيا داخل البلد وعلى النطاق الدولي، من ضمنها غرض تثبيت حالة الأزمة في الاقتصاد والسياسة والأخلاق، علماً بأن بـمقدوره في واقع الأمر تقديم العون لفتح آفاق رحبة للخروج من الأزمة لكونه طريقة للبحث عن الحقيقة والمعرفة عند كثرة من المسلمين.

ومما يساعد في تـهميش الوسط الإسلامي المستوى المتدني لإعداد الكوادر من رجال الدين، الذي جرى هذه السنوات في دول أخرى بشكل أساسي، حيث النظام السياسي مختلف عما في روسيا، وكذلك ظروف الحياة والثقافة، وحتى الوسط الإسلامي نفسه.

ولذا لا بد من الحديث لا عن النزاع مع الإسلام كدين، وإنما عن النزاع مع الإسلام السياسي، إسلام نظام سياسي مختلف، إسلام بعيد ما فيه الكفاية عن جوهر الإسلام الحقيقي التنويري الروحي.

من المألوف منذ زمن بعـيد إقامة البـرهان من جانب واحد على أن الغرب يعني التقدم والقيم الإنسانية المشتركة والحضارة، أما الشرق فهو " الركود والتحجر إن هذه التقييمات الباطلة للشرق تُسحب بصورة آلية على الإسـلام. وإذا كانت روسيا ستأخذ بتوصيات(هاتنغتون) وغيره من المؤدلجين وتتوجه توجهاً وحيد الجانب نحو الغرب، وصولاً إلى الانضمام لحلف (الناتو)، فإنـها ستصطدم أكثر وأكثر مع الشرق حيث العديد من جذور روحها وبنيتها. وعندئذ لن تصطدم مع العالم الإسلامي وحده، بل ومع الصين وبلدان جنوب شرق آسيا. أما إذا اتجهت نحو الشرق فقط – أي التعاون مع الصين والدول الإسلامية – فإن علاقاتـها مع الغرب قد تصبح عدائية مرة أخرى. إنـها لمعادلة تاريخية عمرها قرون عديدة. وهنا لا بد من خط وسط، فالتوجه نحو الغرب، نحو الديمقراطية الليبرالية أمر هام بالنسبة لروسيا من جهة، ومن جهة ثانية يلزمها توجهات روحية أخلاقية أكثر ملموسية نحو الشرق وذلك حفاظاً على نفسها وعلى هويتها. وهنا أود أن أؤكد بشكل خاص أن روسيا، إذ تقع بين الشرق والغرب، في مجالها " الأورو – آسيوي " يمكن أن تتحول مرة أخرى إلى جسر بين الشرق والغرب، وأن تستفيد لما فيه خيرها من قيم وإمكانات الشرق والغرب على حد سواء.

ينبغي أن تصبح روسيا أكثر حكمة، وأن تمتلك ذاتيتها، إذ " ليس من الكرامة أن تسير مقطورة خلف أوروبا " كما قال (ألكسندر هرتسن) في حينه. بالنسبة لي لا فرق أين يقع الشرق وأين يقع الغرب، بل المهم عندي صحة روسيا وأبناء بلدي. وبـهذا السياق فقط أتقبل وأثني على " الأورو – آسيوية " وليس كتجريد لم يعد بالفائدة على روسيا أبداً حتى الآن. وعلى روسيا في الحين ذاته أن تصوب طموحاتـها ومطالبها، وألا تعيش بمقاييس حركات اجتماعية – تاريخية غريبة عنها وتسعى لضبط سيرها تارة مع الغرب وأخرى مع الشرق منحرفة بـهذا الاتجاه مرة وبذاك أخرى.. بل عليها أن تمتلك حركتها الخاصة بها باتجاه الوفاق والأمن. وفي هذه الحال فقط تكون روسيا قادرة أن تطرح أمامها مهمات واضحة، وأن تحقق هدفها الأسمى، جامعة كل تنوعها في هوية واحدة، وبذلك تكون قادرة على تعبئة إرادة شعب روسيا الفدرالية متعدد القوميات. وفي هذه الحال سيطل على روسيا "زمنها المتميز". وفضلاً عن ذلك من المهم أن ندرك أن جوهر مفهوم  "الغرب" و"الشرق" قد تغير في ظروف العولمة، خصوصاً أن روسيا من العسير عليها أن تحدد أين ينتهي الشرق وأين يبدأ الغرب.

يجري في الغرب، والآن في روسيا، تبرير مكافحة الإسلام بذريعة حركات راديكالية تنتحل الصفة الإسلامية من نمط “ طالبان " وتحاول إثبات أن " القرآن دستور، والنبي نـجم اهتداء، والموت في سبيل الله أعظم طموح عند كل المسلمين "، علماً بأن القرآن الكريم والحديث الشريف يؤكدان أن الطموح الرئيسي عند المسلم هو الحياة لا الموت، والجهاد من أجل الحقيقة والبحث عن المعارف. وقد ظهر إلى الوجود أيضاً مسلمون جاهزون لاستبدال النبي نفسه ومعنى القرآن مانحين أنفسهم حق التحدث باسم الله, وتحديد معايـير الضمير والشريعـة و" المسلم الحقيقي" و"المسلم المزيف". إن مثل هذه المواقف, ومثل هذا السلوك، تتناقض مع القرآن الكريم. ويطلق على ذلك كله تسميات من نوع" الحركة الإسلامية" و"المد الإسلامي" و"اليقظة الإسلامية" في حين أن ذلك في جوهر الأمر تدخل فظ ينتحل الإسلام في حياة الدولة الاجتماعية- السياسية وتسييسه وصبغه بالتطرف وتشويه جوهره الروحي.

يقول المفكر الإسلامي محمد سعيد العشماوي إن جمع السياسة مع الدين أي تسييس الدين, يفرق بين المسلمين ويحولهم إلى دمية في أيدي الشخصيات الدينية السياسية. والذي يسيس الإسلام يربطه بالتطرف والعنف والإرهاب. ويمكن للمرء كما أعتقد أن يوافق على مثل مواقف العشماوي، فتسييس الإسلام المفرط يفصله بالفعل عن حقيقته الروحية – الأخلاقية ويحوله حصراً إلى أداة للصراع لا للإصلاح الروحي.

ومع ذلك فإنه لمن الواضح أن الإسلام لا يمكن أن يكون بمعزل عن المجتمع وعن المجريات الاجتماعية والسياسية. ولذا فإن مهمة رجال الدين والعلماء والساسة وفقاً لما جاء في القرآن الكريم تكمن في إيجاد تلك المكانة العقلانية للإسلام التي من شأنـها أن تجعل تأثير السياسة في المجتمع تأثيراً منسجماً وملهماً، كذلك تربية الناس والمجتمع بروح المعرفة والتسامح والتنوير وأن تقوي من جهة أخرى رسالة السياسة الروحية الأخلاقية.

تؤدي مجموعة العوامل الاجتماعية- الاقتصادية إلى " أن عملية الانبعاث الدين، وتحت تأثير جملة كاملة من الظروف، تتسيس بسرعة وتتخذ أكثر الأشكال راديكالية على الأخص تتنامى بحدة شعبية التيارات الدينية الأصولية التي تحمل أفكاراً مجردة عن المساواة والأخوة والتآزر بين المؤمنين. والدعاية لهذه الأفكار لا يهدف إلى خير البشرية، بل تبرز كوسيلة للصراع السياسي. إن نضال القوى الراديكالية السياسي من أجل السلطة يجري دائماً تحت شعارات شعبوية من نوع "خلق فرص متكافئة لذوي القدرات المتكافئة وإلغاء كل الامتيازات المأخوذة بغير استحقاق". ويجري استخدام الإسلام إيديولوجياً لهذا الغرض إذ إنه يحمل الكثير من أفكار العدالة والمساواة والحرية. ولكن القرآن الكريم يطرح طريقاً تطورياً (طريق التطور الهادئ) نحو التقدم وتحقيق المساواة والعدالة والرخاء، دونما ثورات أو حروب، أي بالصبر والتثقيف والامتثال للقانون. ثمة فرصة روحية كبيرة لجمع اليهودية والمسيحية والإسلام لأغراض خلاقة، فهذه الديانات مدعوة في أساسها لتوجيه البشر في سعيهم نحو الحقيقة, ورغبة العيش في سلام وحسن الجوار أحدهم مع الآخر. وعلى أوروبا والغرب والمسيحيين الكف عن الحديث بغرور عن تفوق الثقافة الغربية على الثقافة الشرقية، وتفوق المسيحية على الإسلام. وعلى المسلمين بدورهم أن يكفوا بدورهم عن الحديث حول تفوق قيمهم على قيم المجتمعات الغربية المعاصرة، وقيم المسيحية. لقد جاءنا المسيح ومحمد أيضاً بكلمة الله و لطاعة العلي القدير، وتطويع استكبار الإنسان، وإصلاح نفسه.

 إن التسامح بين الجماعتين المسيحية والإسلامية في الظروف الراهنة متدنٍّ جداً متدنٍّ إلى حد يثير الخجل. وفي مطلع القرن الحادي والعشرين يقوم أناس يسمون أنفسهم مؤمنين بتدمير معابد بعضهم البعض على أرض الأنبياء مباشرة. إن العالم المعاصر بحاجة إلى برامج كونية لتفادي النزاع بين الحضارات الدينية قبل غيرها.

ولا يجوز الخلط بين النضال لكسب عقول وقلوب الناس والنضال لقطع الرؤوس وتحطيم القلوب. من اللازم توافر  مستوى نوعي جديد للحوار بين الأديان، وللإبداع الروحي المشترك. لا حاجة لصراع الواحد ضد الآخر، وإنـما ينبغي أن يتسابق الواحد مع الآخر في أعمال الخير، كما تفيد آيات القرآن الكريم. يتوجب فرض حظر على كل المقاصد الشريرة, وكل كلمة ضد الدين, لأن ذلك تجديف وخروج على الدين.

عندما يجري الحديث عن الأصولية، في السنوات الأخيـرة، سرعان ما تضـاف كلمة “ الإسلامي " ولكن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن الأولية قد تظهر لا في الدين، بل في أية أيديولوجيا إذا تحولت إلى أداة للتزمت والتعصب. يشير الباحث الروسي أ. مالاشينكو بحق إلى أن "النزعات الأصولية تسم كل الأديان العالمية". ومن المميز لكل أصولية الإملاء العدواني على الآخرين لأفكارها الخاصة ومعايير حياة جماعتها، طائفتها، طبقتها، بما في ذلك الفرض بالقوة. وهناك حيث يكف الدين عن ممارسة تأثيره روحياً، ويحاول استخدام القوة، يكف عن أن يكون عقيدة إيمان ويغدو سياسة. وهذا ليس ديناً في جوهر الأمر وإنما طائفة مغلقة. علماً بأن الدين والطائفة المغلقة ظاهرتان مختلفتان تماماً. إن مالاشينكو على حق عندما يؤكد أن "مماهاة الإسلام مع التطرف أسوأ من الخطأ- إنه جريمة بتعبير تاليران". يجب وضع حاجز على طريق مثل هذه الجرائم من المهم غاية الأهمية بالنسبة لروسيا أن تواصل اتجاهاتـها التاريخية في تكيف الإسلام والمسيحية الأرثوذكسية أحدهما مع الآخر, والتعاون المتبادل لتطهيرها وتطهير عالمها الروحي العريق من التطرف.

إن التوفيق التاريخي الذي تحقق في روسيا بين القيم الروحية الغربية والشرقية يشكل أهمية هائلة للبشرية عامة فيما يتعلق بالتطور الثابت والآمن للحضارة العالمية. وينبغي الاستفادة من تجربة روسيا التاريخية بأتم قدر من أجل التطور لروحي – التنويري المثابر،  الآمن والوطيد, ولتجاوز النزاعات, في روسيا ذاتـها قبل غيرها, وفي البلدان الأخرى. إن رسالة أية ديانة منزلة من عند الله هي أن تمنح البشر الإيمان والمعرفة والخير والرحمة والنور. ويقال عن النبي محمد انه كان يحب أن يردد في صلواته دعاءه".. اللهم انقلني من الظلمات إلى النور.." تلكم هي رسالة الإسلام كأي دين آخر، بالمعنى الروحي الحقيقي للإيمان والحضارة.

 

 

رمضان عبد اللطيبوف (رئيس جمهورية داغستان)

كلمات مفتاحية: رمضان عبد اللطيبوف، مفكر، رئيس داغستان، حضارة إسلامية، روحانيتها، أديان، ثقافات، علوم، آيات، سلام