الرئيسية » حضاريات » الحضارة الإسلامية: تحدّيات العولمة – نور كيرابيف – خاص بالموقع / الجزء الاول
الحضارة الإسلامية: تحدّيات العولمة

الحضارة الإسلامية: تحدّيات العولمة – نور كيرابيف – خاص بالموقع / الجزء الاول

وقد درجت العادةُ على اعتبار أنّ مفهوم الحضارة مُرتبطٌ ببلدٍ ما أو بقارّة مُعيّنة: أوروبا مثلاً، أو الصين، أو الهند… إلخ، غير أنّ الحضارة الإسلامية لا ترتبط بناحيةٍ جُغرافية معيّنة دون غيرها، ولكنها في الواقع، تشمل جميع قارّات العالم وشِبه قارّاته. وهكذا فإنّ الشعوب والبلدان التي تَـنسب نفسها إلى الحضارة الإسلامية، تتّحد جميعُها بوصفها جُزءاً من العالم الإسلامي، كما تُجمع على خصوصية ما يُسمّى بـ "الإسلام" أو "الحضارة الإسلامية".

وعلى الرغم من أنّ الحضارة الإسلامية تُوحّدُ شُعوباً تنتمي إلى أعراقٍ وثقافاتٍ ولُغاتٍ وتقاليدَ مختلفةٍ، من سوريا إلى ماليزيا، ومن تتارستان إلى جنوبي أفريقيا، فإنّ من الصعب الحديثَ عن مصيرٍ تاريخي مُشترك لهذه الشعوب؛ فالإسلام هو وحدةٌ في التنوُّع. لِذا، يتعيّن الحديثُ عن نوعٍ خاصٍّ من التضامن لا يستند إلى الإيمان بالله فحسب، بل إلى شعورٍ مُوحَّدٍ ورُؤيةٍ مُوحَّدةٍ للعالم كذلك. إلا أنّ هذا التضامن الحضاري ليس مُتجانساً ولا خالياً من النزاعات، كما أنه غيرُ موجود بشكلٍ معيّنٍ نقيّ، وإنما هو في أساسه نتيجةُ عملٍ مشتركٍ مُتعدّد الثقافات.

فمن المُمكن اعتبارُ الحضارة الإسلامية، بالمعنى الواسع للكلمة، ظاهرةً فوقيةً مُلحَقةً، بمعنى أنها نتيجةُ تأثيرٍ مُتبادَلٍ لثقافاتٍ مُتعدّدة من حضارات مختلفة، يُشكّل الاقترانُ الوثيق بالدين خُصوصيّـتها المُميّزة، حيث الدينُ نمطُ حياةٍ، ونظامُ قِيمٍ ومؤسّساتٍ اجتماعية-سياسية واقتصادية.

والواقعُ أنّ بالإمكان النظرَ إلى الإسلام بحسبانِه أحدَ أكثر الأديان العالمية قُدرةً على الحياة؛ إذ إنه يتلاءم بصورةٍ ديناميكية مع خُصوصيات تقاليد مُختلف الشعوب. من هنا، يُمكننا فهمُ أسباب تزايُد عدد المسلمين في العالم المعاصر، الذي يرتبط بدخول مُعتنقين جُدد، "مُعجَبين" بجاذبية الإسلام وبساطته.

لكنْ مع ذلك، فإنّ الإسلام، بالمعنى الواسع للكلمة، قد جلب إلى العالم المعاصر عدداً كبيراً من المشكلات على مستوى العلاقات بين الدول، وعلى مستوى العلاقات المُتبادلة مع الأديان الأخرى، كما على مستوى السياسة الدولية والحياة الاقتصادية. إذ بعد عام 1967 أخذ مُصطلح "العالم الإسلامي" يُستخدم بكثرةٍ في وسائل الإعلام الجماهيرية وفي أدبيات دوائر الأبحاث، وبعد الثورة الإيرانية في العام 1979 صار الإسلام يُربَط بتهديد النظام العالمي، كما أصبح مُقترناً -في المقام الأول- بشعور الخوف في البلدان الغربية تحديداً، وفي الثمانينات أضحى الإسلام يُربَط بالتطرُّف والإرهاب. وبعد نشر مقالة هانتنغتون الشهيرة "صدام الحضارات" في العام 1993 أصبحت الحضارة الإسلامية كلُّها تُعَـدُّ مصدراً كامناً للنزاعات في العالم كُلِّه.

على أنّ من الضروري مُلاحظة أنه عند تقويم الإسلام –على نحو ما يَظهر بوضوحٍ في هذه الأيام على وجه الخصوص- تُؤدّي ما تُسمّى بالأفكار الثابتة (النمطية) دوراً كبيراً، ويُمكن تحديدُ هذه الأفكار بأنها محاولةٌ لوصف حقائق العالم الإسلامي الواقعة بمصطلحات التقليد المسيحي، كما ترتبط بالأساس الأيديولوجي-المعرفي الخاص بما يُسمّى "المركزية الأوروبية" وبمنهجيته.

لقد اتفق الناس على اعتبار الحداثة هي اكتمال العيش، لكنّ التاريخ يُبيّن أنّ ذلك ليس صحيحاً تماماً؛ إذ إنّ دراسة وضع الثقافة الإسلامية تدلّ على أنّ المعرفة بها ليست ناقصةً فحسب، وإنما شكلُها مُشوَّهٌ إلى حدّ بعيدٍ كذلك. وفي سياق الحديث عن مُشكلات الأفكار الثابتة (النمطية)، من الضروري أن نُلاحظ أنه -حتى في أيامنا هذه- فيما يتعلّق بالنظرة إلى الحضارة الإسلامية في مختلف أنواع الدراسات، كما في وعي الجمهور العريض، تُهيمن أفكارٌ نمطية ثقافية-فلسفية وسياسية-أيديولوجية كاذبةٌ مُزيّفة. يكفي أن نشير إلى الاستخدام الواسع النطاق في وسائل الإعلام الجماهيرية لمصطلحٍ مثل "الأصولية الإسلامية"، الذي يُعَدُّ مضمونُه ويُفهم على نطاق واسعٍ بصورة عشوائية بوصفِه أقربَ إلى التطرُّف الديني. لذلك، لا بُدّ من التمييز بين "الأصولية الإسلامية" وبين "التطرُّف الإسلامي".

إنّ الأفكار الثابتة على وجه العُموم، تُكوَّن نتيجة معرفةٍ ناقصة، أو منهجيةٍ غير مُكافئة، أو أنها تتشكّل بما يتّفق مع الثوابت الأيديولوجية والاجتماعية-الثقافية للذات الساعية إلى المعرفة. ومن وجهة نظرنا، لا بُدّ من تحليلٍ مُتكامل للأفكار الثابتة السائدة في الدراسات الإسلامية الغربية حول الثقافة الإسلامية، وفي أثناء ذلك يجب أنْ نُوْلِيَ اهتماماً خاصّاً للتحليل النقدي للمنهجية المُتّبعَة في المُقاربة الأوروبية الحضارية، والتاريخية الروسية، والماركسية الشكلانية للمجتمع الإسلامي وثقافته.

على أنه باستعراض الأفكار الثابتة الثقافية العامة، يمكننا على سبيل المثال تمييزُ محاولة فهم الإسلام والثقافة الإسلامية بالاعتماد على مفاهيم التقليد المسيحي ومعاييره؛ إذ إنّ بعض الدارسين يبحثون في الإسلام -على غرار المسيحية- عن التعصُّب، وعن العمل الديني، وعن الأيديولوجيا الكنَسية… وما شابه ذلك، باعتبار ذلك قاعدةً عندهم، على حين أنّ هذه الظواهر بكلّ بساطةٍ غيرُ موجودةٍ في الثقافة الإسلامية. لكن على الرغم من ذلك، وعلى قاعدة هذه الأفكار النمطية، تَشكّل في التقليد البحثي لِما يُسمّى "المركزية الأوروبية"، تصوُّرٌ مُستقرٌّ مُفادُه أنّ الإسلام تعصُّبٌ ولاهوتٌ مُهيمنٌ في الفلسفة والثقافة الإسلاميّـتَين. إلاّ أنّ مُحاكمة الإسلام والثقافة الإسلامية مُحاكمةً مُجرّدةً ليست صحيحة، ولا يجوز إجراؤها من دون أنْ يُؤخذ بالحسبان أنّ الإسلام أو الثقافة الإسلامية في حِقَبٍ تاريخية مُختلفة، وفي بلدان عديدة، كانت تتمتّع بوجهها الخاص بها. ويجب أن نضيف إلى ذلك محاولات نفي الطابع الإنساني للثقافة الإسلامية، ومِثلُ ذلك اعتبارُ صوفية ابن عربي (11651240) الحالةَ الصوفيةَ الوحيدة الموجودة، عِلماً أنّ الصوفية ليست أقلّ تعدُّداً في تجلّياتها من الإسلام ذاتِه. والحالُ أنّ المقاربات الحضارية الأوروبية، والتاريخية الصوفية الروسية، والشكلانية الماركسية، التي تتناول المجتمع الإسلامي وثقافته بالدراسة، تشترك في أمورٍ كثيرة، لعلّ من أبرزها أنها تتّصف بما يُسمى بـِ "المقاربة التبشيرية" أو بمحاولة اعتبار رسالةِ الغرب وروسيا في الشرق الإسلامي رسالةً حضاريةً، وتقدُّميةً وتحريرية.

فالإسلام دينٌ عالمي كالمسيحية، وهو بالتالي بوصفِه ديناً عالميّاً، يحمل ثوابتَ لرؤيةٍ شاملة للعالم. لكنْ، من الواضح أنه منذ نشر مقالة صموئيل هانتنغتون "صدام الحضارات"، تتكرّس فكرة صدام الحضارتين الغربية والإسلامية، اللتين تَنزِعان كِلتاهُما في آنٍ معاً إلى الشمولية. إلاّ أنّ هذا الموقف ليس نزيهاً؛ ذلك أنّ الحضارتين الإسلامية والأوروبية الغربية قد تجاورتا على مدى قُرونٍ في إطار الحضارة المتوسطية الواحدة. وهكذا، فالظاهر أنّ الاختلاف الأساسي بين الإسلام والغرب يرتبط باختلاف أنظمة القيم وباختلاف المعايير؛ إذ إنّ لكُلٍّ منهما فهمه الخاصَّ للعالم؛ فإذا كانت الرؤيةُ الإسلامية للعالم تستند إلى مبادئَ دينيةٍ مُعيّنة، فإن الرؤية الأوروبية للعالم تتميّز بعَـلْمانيّـتها. ومن البَـيِّن أنه لا يمكن الحديث عن حوارٍ بين عقيدتين شاملتين إلا على هذا المُستوى فحسب، على أن يكون الاعتراف بالتعدُّدية الدينية والثقافية هو قاعدة هذا الحوار، بمعنى أنّ الحديث يمكن أن يجري حول البحث عن تفاعُلٍ ثقافي مُتعدّد الوجوه، ويشمل الأُسس المعنوية كذلك، وحول تكريس هذا التفاعل. وفي أثناء ذلك، من المهم أنْ يكون منّا على بالٍ أنّ تسييس العقائد الشمولية بالذات هو ما يُشكّل قاعدةً للنظر في أفكارٍ من مثل صدام أو نِزاع الحضارتين الإسلامية والغربية الأوروبية، بل إنه يُمثّل مُستنَداً لتأكيد مثل هذه الأفكار.

 

 

نور كيرابيف –  نائب رئيس جامعة الصداقة بين الشعوب (روسيا)