الرئيسية » حضاريات » الحضارة الإسلامية: تحدّيات العولمة – نور كيرابيف
kirabaev.jpg

الحضارة الإسلامية: تحدّيات العولمة – نور كيرابيف

لا مِراء في أنّ الحضارة الإسلامية قد أدّت دوراً كبيراً في تاريخ العالم، ولا تزال تُمارس تأثيراً ملموساً في مُختلف نواحي الحياة في بلدانٍ من شتّى أنحاء العالم. وثمة اليومَ أكثرُ من مليار مُسلمٍ في العالم، وأكثرُ من أربعين بلداً عُضواً في منظّمة المؤتمر الإسلامي، كما أنّ هناك جالياتٍ إسلاميةً كبيرة العدد في بلدان أوروبا (15 مليوناً) وفي الولايات المتحدة (6 ملايين).

وقد درجت العادةُ على اعتبار أنّ مفهوم الحضارة مُرتبطٌ ببلدٍ ما أو بقارّة مُعيّنة: أوروبا مثلاً، أو الصين، أو الهند… إلخ، غير أنّ الحضارة الإسلامية لا ترتبط بناحيةٍ جُغرافية معيّنة دون غيرها، ولكنها في الواقع، تشمل جميع قارّات العالم وشِبه قارّاته. وهكذا فإنّ الشعوب والبلدان التي تَـنسب نفسها إلى الحضارة الإسلامية، تتّحد جميعُها بوصفها جُزءاً من العالم الإسلامي، كما تُجمع على خصوصية ما يُسمّى بـ "الإسلام" أو "الحضارة الإسلامية".

وعلى الرغم من أنّ الحضارة الإسلامية تُوحّدُ شُعوباً تنتمي إلى أعراقٍ وثقافاتٍ ولُغاتٍ وتقاليدَ مختلفةٍ، من سوريا إلى ماليزيا، ومن تتارستان إلى جنوبي أفريقيا، فإنّ من الصعب الحديثَ عن مصيرٍ تاريخي مُشترك لهذه الشعوب؛ فالإسلام هو وحدةٌ في التنوُّع. لِذا، يتعيّن الحديثُ عن نوعٍ خاصٍّ من التضامن لا يستند إلى الإيمان بالله فحسب، بل إلى شعورٍ مُوحَّدٍ ورُؤيةٍ مُوحَّدةٍ للعالم كذلك. إلا أنّ هذا التضامن الحضاري ليس مُتجانساً ولا خالياً من النزاعات، كما أنه غيرُ موجود بشكلٍ معيّنٍ نقيّ، وإنما هو في أساسه نتيجةُ عملٍ مشتركٍ مُتعدّد الثقافات.

فمن المُمكن اعتبارُ الحضارة الإسلامية، بالمعنى الواسع للكلمة، ظاهرةً فوقيةً مُلحَقةً، بمعنى أنها نتيجةُ تأثيرٍ مُتبادَلٍ لثقافاتٍ مُتعدّدة من حضارات مختلفة، يُشكّل الاقترانُ الوثيق بالدين خُصوصيّـتها المُميّزة، حيث الدينُ نمطُ حياةٍ، ونظامُ قِيمٍ ومؤسّساتٍ اجتماعية-سياسية واقتصادية.

والواقعُ أنّ بالإمكان النظرَ إلى الإسلام بحسبانِه أحدَ أكثر الأديان العالمية قُدرةً على الحياة؛ إذ إنه يتلاءم بصورةٍ ديناميكية مع خُصوصيات تقاليد مُختلف الشعوب. من هنا، يُمكننا فهمُ أسباب تزايُد عدد المسلمين في العالم المعاصر، الذي يرتبط بدخول مُعتنقين جُدد، "مُعجَبين" بجاذبية الإسلام وبساطته.

لكنْ مع ذلك، فإنّ الإسلام، بالمعنى الواسع للكلمة، قد جلب إلى العالم المعاصر عدداً كبيراً من المشكلات على مستوى العلاقات بين الدول، وعلى مستوى العلاقات المُتبادلة مع الأديان الأخرى، كما على مستوى السياسة الدولية والحياة الاقتصادية. إذ بعد عام 1967 أخذ مُصطلح "العالم الإسلامي" يُستخدم بكثرةٍ في وسائل الإعلام الجماهيرية وفي أدبيات دوائر الأبحاث، وبعد الثورة الإيرانية في العام 1979 صار الإسلام يُربَط بتهديد النظام العالمي، كما أصبح مُقترناً –في المقام الأول- بشعور الخوف في البلدان الغربية تحديداً، وفي الثمانينات أضحى الإسلام يُربَط بالتطرُّف والإرهاب. وبعد نشر مقالة هانتنغتون الشهيرة "صدام الحضارات" في العام 1993 أصبحت الحضارة الإسلامية كلُّها تُعَـدُّ مصدراً كامناً للنزاعات في العالم كُلِّه.

على أنّ من الضروري مُلاحظة أنه عند تقويم الإسلام –على نحو ما يَظهر بوضوحٍ في هذه الأيام على وجه الخصوص- تُؤدّي ما تُسمّى بالأفكار الثابتة (النمطية) دوراً كبيراً، ويُمكن تحديدُ هذه الأفكار بأنها محاولةٌ لوصف حقائق العالم الإسلامي الواقعة بمصطلحات التقليد المسيحي، كما ترتبط بالأساس الأيديولوجي-المعرفي الخاص بما يُسمّى "المركزية الأوروبية" وبمنهجيته.

لقد اتفق الناس على اعتبار الحداثة هي اكتمال العيش، لكنّ التاريخ يُبيّن أنّ ذلك ليس صحيحاً تماماً؛ إذ إنّ دراسة وضع الثقافة الإسلامية تدلّ على أنّ المعرفة بها ليست ناقصةً فحسب، وإنما شكلُها مُشوَّهٌ إلى حدّ بعيدٍ كذلك. وفي سياق الحديث عن مُشكلات الأفكار الثابتة (النمطية)، من الضروري أن نُلاحظ أنه –حتى في أيامنا هذه- فيما يتعلّق بالنظرة إلى الحضارة الإسلامية في مختلف أنواع الدراسات، كما في وعي الجمهور العريض، تُهيمن أفكارٌ نمطية ثقافية-فلسفية وسياسية-أيديولوجية كاذبةٌ مُزيّفة. يكفي أن نشير إلى الاستخدام الواسع النطاق في وسائل الإعلام الجماهيرية لمصطلحٍ مثل "الأصولية الإسلامية"، الذي يُعَدُّ مضمونُه ويُفهم على نطاق واسعٍ بصورة عشوائية بوصفِه أقربَ إلى التطرُّف الديني. لذلك، لا بُدّ من التمييز بين "الأصولية الإسلامية" وبين "التطرُّف الإسلامي".

إنّ الأفكار الثابتة على وجه العُموم، تُكوَّن نتيجة معرفةٍ ناقصة، أو منهجيةٍ غير مُكافئة، أو أنها تتشكّل بما يتّفق مع الثوابت الأيديولوجية والاجتماعية-الثقافية للذات الساعية إلى المعرفة. ومن وجهة نظرنا، لا بُدّ من تحليلٍ مُتكامل للأفكار الثابتة السائدة في الدراسات الإسلامية الغربية حول الثقافة الإسلامية، وفي أثناء ذلك يجب أنْ نُوْلِيَ اهتماماً خاصّاً للتحليل النقدي للمنهجية المُتّبعَة في المُقاربة الأوروبية الحضارية، والتاريخية الروسية، والماركسية الشكلانية للمجتمع الإسلامي وثقافته.

على أنه باستعراض الأفكار الثابتة الثقافية العامة، يمكننا على سبيل المثال تمييزُ محاولة فهم الإسلام والثقافة الإسلامية بالاعتماد على مفاهيم التقليد المسيحي ومعاييره؛ إذ إنّ بعض الدارسين يبحثون في الإسلام –على غرار المسيحية- عن التعصُّب، وعن العمل الديني، وعن الأيديولوجيا الكنَسية… وما شابه ذلك، باعتبار ذلك قاعدةً عندهم، على حين أنّ هذه الظواهر بكلّ بساطةٍ غيرُ موجودةٍ في الثقافة الإسلامية. لكن على الرغم من ذلك، وعلى قاعدة هذه الأفكار النمطية، تَشكّل في التقليد البحثي لِما يُسمّى "المركزية الأوروبية"، تصوُّرٌ مُستقرٌّ مُفادُه أنّ الإسلام تعصُّبٌ ولاهوتٌ مُهيمنٌ في الفلسفة والثقافة الإسلاميّـتَين. إلاّ أنّ مُحاكمة الإسلام والثقافة الإسلامية مُحاكمةً مُجرّدةً ليست صحيحة، ولا يجوز إجراؤها من دون أنْ يُؤخذ بالحسبان أنّ الإسلام أو الثقافة الإسلامية في حِقَبٍ تاريخية مُختلفة، وفي بلدان عديدة، كانت تتمتّع بوجهها الخاص بها. ويجب أن نضيف إلى ذلك محاولات نفي الطابع الإنساني للثقافة الإسلامية، ومِثلُ ذلك اعتبارُ صوفية ابن عربي (1165-1240) الحالةَ الصوفيةَ الوحيدة الموجودة، عِلماً أنّ الصوفية ليست أقلّ تعدُّداً في تجلّياتها من الإسلام ذاتِه. والحالُ أنّ المقاربات الحضارية الأوروبية، والتاريخية الصوفية الروسية، والشكلانية الماركسية، التي تتناول المجتمع الإسلامي وثقافته بالدراسة، تشترك في أمورٍ كثيرة، لعلّ من أبرزها أنها تتّصف بما يُسمى بـِ "المقاربة التبشيرية" أو بمحاولة اعتبار رسالةِ الغرب وروسيا في الشرق الإسلامي رسالةً حضاريةً، وتقدُّميةً وتحريرية.

فالإسلام دينٌ عالمي كالمسيحية، وهو بالتالي بوصفِه ديناً عالميّاً، يحمل ثوابتَ لرؤيةٍ شاملة للعالم. لكنْ، من الواضح أنه منذ نشر مقالة صموئيل هانتنغتون "صدام الحضارات"، تتكرّس فكرة صدام الحضارتين الغربية والإسلامية، اللتين تَنزِعان كِلتاهُما في آنٍ معاً إلى الشمولية. إلاّ أنّ هذا الموقف ليس نزيهاً؛ ذلك أنّ الحضارتين الإسلامية والأوروبية الغربية قد تجاورتا على مدى قُرونٍ في إطار الحضارة المتوسطية الواحدة. وهكذا، فالظاهر أنّ الاختلاف الأساسي بين الإسلام والغرب يرتبط باختلاف أنظمة القيم وباختلاف المعايير؛ إذ إنّ لكُلٍّ منهما فهمه الخاصَّ للعالم؛ فإذا كانت الرؤيةُ الإسلامية للعالم تستند إلى مبادئَ دينيةٍ مُعيّنة، فإن الرؤية الأوروبية للعالم تتميّز بعَـلْمانيّـتها. ومن البَـيِّن أنه لا يمكن الحديث عن حوارٍ بين عقيدتين شاملتين إلا على هذا المُستوى فحسب، على أن يكون الاعتراف بالتعدُّدية الدينية والثقافية هو قاعدة هذا الحوار، بمعنى أنّ الحديث يمكن أن يجري حول البحث عن تفاعُلٍ ثقافي مُتعدّد الوجوه، ويشمل الأُسس المعنوية كذلك، وحول تكريس هذا التفاعل. وفي أثناء ذلك، من المهم أنْ يكون منّا على بالٍ أنّ تسييس العقائد الشمولية بالذات هو ما يُشكّل قاعدةً للنظر في أفكارٍ من مثل صدام أو نِزاع الحضارتين الإسلامية والغربية الأوروبية، بل إنه يُمثّل مُستنَداً لتأكيد مثل هذه الأفكار.

إنّ المُقاربة المُقترَحة حول حوار الإسلام مع الغرب في سياق الشرق-الغرب تنطلق من أنّ ثمة ضرورةً لأنْ يَعِي كُلٌّ من الغرب والشرق الإسلامي لذلك المشترك التاريخيّ بينهما، الذي يتمثّل في أنّ هاتين الحضارتين –الغربية والإسلامية- قد تشكّلتا وتطوّرتا كِلتاهُما في فضاء البحر المتوسط. فالقضية لا تكمن في أنّ الإسلام والمسيحية ينتميان إلى الملّة الإبراهيمية فحسب، بل إنها تكمن كذلك في أنّ الثقافة الأنتيكية واليونانية-الرومانية تُشكل جُزءاً مُكوّناً لتَينِك الحضارتين؛ إذ يجب أن نتذكر دائماً أنّ أرسطو كان بالنسبة إلى الشرق العربي هو "المُعلّم الأول".

أمّا فيما له مَساسٌ بالاختلافات الأساسية بين الحضارتين، الغربية والإسلامية، في تطوُّرهما التاريخي-الثقافي، لا سيما بعد عصر النهضة، فيبدو أنّ من الممكن أنْ نبحث عنه في ما يُسمى بـِ "العَـلمانية". فقد حافظت الثقافة الإسلامية الكلاسيكية على التوازن بين الديني والعلماني، وهذا التوازن بالذات هو ما حدّد المبادئ العقائدية والقيمية الأساسية، كما كان في أساس الفهم الإسلامي للشمولية حتى منتصف القرن الخامسَ عشرَ، لكنْ منذ القرن السادسَ عشرَ، أخذ المُكوِّن الديني بالتغلُّب. أما التقليد الأوروبي بعد عصر النهضة، فقد أكد الدور المُهيمن للبداية العلمانية في رؤية العالم. ولذلك، فإنّ كل محاولات العودة إلى الرؤية الدينية للنظام الاجتماعي والثقافي للعالم يُنظر إليها بحسبانها نُكوصاً تاريخيّاً، وتهديداً للحضارة الغربية الحديثة.

والواقع أنّ خصوصية الثقافة والحضارة الإسلاميّتين يجب أنْ يُنظر إليها، لا في سياق تضادّ "الشرق" و"الغرب"، والقديم والجديد، والماضي والحاضر، والأصالة والحداثة، والتقليدية والعقلانية، والتراث والتجديد، والديني والوطني… إلخ، بل على قاعدة تواصُلها. انطلاقاً من هذه الثابتة، نرى أنّ من المهم الإجابة عن سؤال: كيف نُقارن، أو كيف نُوفّق، في البعد الفلسفي-القيمي، بين الحضارة العربية الإسلامية الكلاسيكية، التي كانت مُنفتحةً على تبادُل التأثير مع بقية الثقافات، وبين الحضارة الإسلامية المعاصرة، التي إن لم تكن تُجابِه، فإنها على ما يبدو غيرُ مُستعدةٍ، وغير منفتحة على الحوار المعاصر بين الحضارات؟.

إنّ إحدى الإشكاليات الرئيسة المطروحة على الساحة الثقافة الإسلامية في زمننا الراهن هي تحديدُ تلك الثابتة التي يجب أن تبقى في حلّ مسألة المُواءمة، أو التوفيق بين الإسلام بوصفه ظاهرةً حضارية، وبين القومية بوصفها بُعداً وطنيّاً للدولة، وذلك في سياق انتقال مجتمعات الشرق الإسلامي إلى التطور الصناعي وما بعد الصناعي.

لا شك في أنّ الثقافة الإسلامية تُشكّل جُزءاً مُكوِّناً للثقافة العالمية، كما أنها أدّت دوراً ملموساً في تاريخ الحضارة الإنسانية، ولا تزال ذات تأثير كبيرٍ في مختلف نواحي الحياة في دُول شتّى في العالم. من هنا، فقد كان من الطبيعي أن يسعى الدارسون إلى تقديم مُقارباتٍ فلسفيةٍ للتقاليد الثقافية لشعوب الشرق الإسلامي.

وفي هذا الصدد، كان لدراسة الثقافة الإسلامية في روسيا أهمّيةٌ كبرى، لا أكاديمية فحسب، بل واجتماعية-سياسية كذلك، كان من أبرز أسبابها تجاوُر روسيا مع البلدان الإسلامية، بالإضافة إلى أنّ جُزءًا مُعيّناً من سُكان روسيا مُرتبطٌ تاريخيّاً بالفضاء التاريخي-الثقافي الإسلامي، ناهيك بأنّ علاقة روسيا بالإسلام وبالثقافة الإسلامية على امتداد تاريخها –كما يدُلُّ تحليل التقليد التاريخي-الفلسفي والثقافي الروسي- تُساعد إلى حدٍّ كبير على فهم خصوصية ما تُمثّلُه روسيا بعامة، والثقافةُ الروسية على جهة الخصوص. ولا يزال لذلك حُضور قويّ في النقاشات المعاصرة حول المشكلات الأُوراسية.

ثم إن إحدى أهم المسائل التي تقف أمام العلم الفلسفي هي دراسةُ كلّية التاريخ الكوني، لا من خلال استجلاء ملامح التشابه والتطابق بين شتّى الحضارات فحسب، (التنوُّع في الوحدة)، بل أيضاً من خلال إدراك أنّ كُلاًّ منها كان شكلاً خاصّاً لتطوُّر نواحٍ مُعيّنة في حياة الإنسان بوصفه كائناً ثقافيّاً-تاريخيّاً (الوحدة في التنوُّع)؛ ذلك أنه بهذه المقاربة يُمكن اكتشافُ دلائل الحضارة الإسلامية وإدراكُ دورها التاريخي الذي يُبيّن، بل ويُحدّد الترافق الاجتماعي-الثقافي بين كافة الحضارات من حيث بُعدُها الإنساني المشترك، ولا نِزاع في أنّ لذلك أهمّيةً كبرى. على أنّ هذا الدليل (البرهان) الروحي يتوضح بواسطة تحليل الظواهر الثقافية والأيديولوجية بكلّ تنوُّعاتها، وبالدرجة الأولى في تلك المرحلة التاريخية، التي قام فيها الدليل بصيغته النهائية نسبيّاً والثابتة. وعلى هذا النحو يكون فهمُ الحضارة والثقافة الإسلاميتَين على صلةٍ وثيقةٍ بالإجابة عن السؤال التالي: ما الذي حدّد رؤية العالم والإنسان (حسب مفهوم هايدغر) فيها؟؛ إلا أنّ إدراك هذا "الشيء المعاشي" يفرض مراجعةً تاريخيةً-فلسفية للظواهر الثقافية والأشكال الأيديولوجية لتلك الحقبة.

ومن الضروري لدى تحليل قيم الثقافة الإسلامية، أن نشير إلى مضمون التصوُّر المُعمَّم عن أنماط تاريخية-محدّدة من البشر حول أهداف سلوكهم ومعاييرها، والتي تُجسّد التجربة التاريخية لأعلامٍ رُوحيّين، يتقيّد بهم مُمثّـلو الحضارة الإنسانية، أفراداً ومجموعاتٍ اجتماعيةً، من حيث الأعمالُ ونمطُ الحياة.

إنّ قِيم الثقافة الإسلامية، كما هو الحال بالنسبة إلى ثقافة أي حضارةٍ أخرى، تتحدّد إلى درجةٍ كبيرة بما يُسمّى "قِيماً أساسية"، تُشكِّل بكُلّيتها قاعدة الوعي القِيمي. وقد تحدّدت القيم الأساسية "القاعدية" للثقافة الإسلامية إلى درجةٍ كبيرة بخصوصيات إقامة الخلافة العربية وتطوُّرها، كما أنّ خُصوصيات الثقافة الإسلامية الكلاسيكية، بوصفها شواهدَ الثقافة الإسلامية أو دلائلَها، تتحدّد عُموماً وإلى حدٍّ كبير بظروف كونها قد تشكّلت بحسبانها جُزءاً مُكوِّناً من الثقافة أو الحضارة المُتوسّطية الواحدة، وحافظت على تقاليد العصر الأنتيكي، الثقافية والعلمية والفلسفية، وأضافت إليها أضعافاً، كما طوّرت الطابع الإنساني للثقافة المُتوسطية (ولكنْ في ظروف تاريخيةٍ مختلفة). من ثَمّ لا يعود مُستغرَباً أنْ يُنظَر إلى الموروث الأنتيكي في الشرق العربي بوصفه مصدراً لثقافة العالم الإسلامي وجُزءاً لا يتجزّأ منها.

ولا شكّ في أنّ تطوُّر الحضارة الإسلامية وثيقُ الارتباط بولادة الإسلام والخلافة العربية، التي أصبح فضاؤها الواسع مركزاً جديداً للتأثير والإثراء المُتبادَلَينِ بين شتى التقاليد الدينية والثقافية، كما بترسُّخ شوكتهما. وقد امتدّ "العصر الذهبي" للحضارة الإسلامية من القرن التاسع إلى القرنِ الثانيَ عشرَ للميلاد، حينما غدتْ الثقافة الإسلامية هي التي تُحدّد مستوى الثقافة العالمية، الروحية والمادّية على حدّ سواء.

والواقع أنّ إحدى أهمّ الخصائص المُميّزة للثقافة الإسلامية الكلاسيكية هي أنّ العناصر الأساسية المُكوّنة لها لم تكن العلوم (كما في الفكر الأوروبي الغربي)، بقدر ما كانت التيارات القِـيمية-الأيديولوجية، التي تُحدّد طبيعة مُقاربة صورة العالم المعرفية والتصوُّر المقبول لها. ولهذه التيارات شاهدٌ مُشترك ينطوي في أساسه على جُملةٍ مُحدّدة من التقويمات والتصوُّرات، التي تعود إلى القواعد النهائية المتعلّقة بوجود الإنسان في العالم، وطبيعته الشخصية وعلاقته بالكون، والتي تعكسها العقيدة الإسلامية.

في ميدان المعرفة الإشكالي بالذات (المرتكز على مثال المعرفة في الإسلام) عالج مُفكّرُو القرون الوسطى المسلمون كلّ مشكلةٍ على حِدة، سواءٌ مسائلُ الثقافة، والسياسة، والأخلاق، والجمال، والفلسفة والقانون. كما لم تُقيّد التياراتُ الإسلامية الفلسفية والاجتماعية-السياسية الرئيسة، التي كانت سائدة في العصور الوسطى، نفسَها بموضوع واحدٍ، بل كانت تُقدّم في كلّ إشكاليةٍ نظريةً عامة؛ فقد كان للإشكاليات السياسية نظرياتٌ سياسية، وللفلسفية نظرياتٌ فلسفية، وللقانونية نظرياتٌ حقوقية، وللأخلاقية نظرياتٌ أخلاقية… وهكذا دواليك.

لقد حدّدت الشريعة خُصوصيات مثال المعرفة في الثقافة الإسلامية، التي تقضي بأنّ الإيمان والعقل يجب ألاّ يتناقضا، بل أن يتكاملا في حقل المعرفة الإشكالي. وعلى هذا النحو انطلقت الثقافة الإسلامية في العصور الوسطى، وتوجّهت نحو مثالٍ للمعرفة يمكن أن نَسِمَه بأنه واحدٌ ومتكامل ومركّب وفريدٌ من نوعه. فهذا كتاب مُفكّر العصور الوسطى المعروف بـ "الغزالي" (1058-1111) إحياء علوم الدين يمكن أن يُعَدّ كتاباً فلسفيّاً، وحقوقيّاً، ودينيّاً، ولغويّاً، وثقافيّاً منهجيّاً في الوقت نفسِه، أي مُتعدّد الموادّ في المفهوم الحديث.

ولعلّ ابن رشد (1126-1198) الفيلسوف ذا الشهرة الطائرة، ما قال عبثاً عن الغزالي إنه فيلسوفٌ بين الفلاسفة، وصُوفيٌّ بين الصوفية، ومُتكلّم بين المتكلّمين. كما أنّ كثيراً من علماء الكلام قد ألّفوا كُتباً لا حول المشكلات الدينية فحسب، بل في الفلسفة والعلوم الطبيعية كذلك. وليست القضية هنا قضية ضعفٍ في التمييز بين العلوم، وإنما مردُّ ذلك إلى النظرة الروحية الخاصة للثقافة الإسلامية، التي تستند إلى أثرٍ يُروى عن النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، يقول فيه: "اُطلُب العلم ولو في الصين".

وقد اكتسبت "المعرفة" في الحضارة العربية-الإسلامية في القرون الوسطى أهمّيةً لا نظير لها في سائر الحضارات، على نحو ما يُؤكّد المستشرق الأميركي، "ف. روزنتال" في كتابه انتصار المعرفة. و"المعرفة" التي نتحدّث عنها هنا هي معرفةٌ عَلمانيةٌ ودينية، إلا أنّ مكانتها المُهمة في نظام قيم المجتمع الإسلامي في العصور الوسطى، على الأقلّ، تدلُّ على كفاية عدد المتعلّمين في هذا المجتمع، ولا أدلّ على ذلك من الجزء اليسير المُتبقّي من المخطوطات الذي وصل إلينا، ويُعدّ بمئات الآلاف.

أمّا عن طبيعة التوجُّه القيمي للجزء المتعلّم من المجتمع الإسلامي في القرون الوسطى، فيمكن الحُكم على ذلك من خلال كتب الأدب، ونحن نتحدّث هنا عن الأدباء، الذين يُجسّدون في ذواتهم نموذج الإنسان المُثقّف المُتعلّم. على أنّ الأدب هو جملةُ معايير التعليم والتربية، وكان يفترض معرفة العلوم الدينية والعلمانية على حدّ سواء، لا سيما الفلك، والرياضيات… إلخ، كما كان يفرض نمطاً مُحدّداً من السلوك.

ولا جدال في أنّ إدراك الخصائص التي اختُص بها الإسلام، من مثل غياب المؤسّسة الكنسية، وبالتالي، الأيديولوجيا الكنسية، والإقرار بأنّ حقّ وضع الشرائع هو لله وحده، ومن ثَمّ غياب التعصُّب والهرطقة بالمعنى الذي تفهمهما به الكنيسة، وكذلك التعدّدية الدينية والقانونية في إطار العقيدة الإسلامية الواحدة… كلُّ ذلك ذو أهمّية غير يسيرة من أجل فهم الدلائل على وجود الثقافة الإسلامية.

على أنّ من المهم، لدى دراسة الثقافة أو الحضارة الإسلامية، أنْ نُميّز بالحدّ الأدنى مُكوِّنَيْنِ أساسيّين لهذه الثقافة: الإسلام والهلّينية. فقد تبدّت هذه الثقافة، وتتبدّى في تاريخها (وجهها) الغربي، بوصفها تشمل عناصر اليهودية، والمسيحية والهِلّينية، وكلما ابتعدت عن جوهر هذه المُكوِّنات تبدّت في وجهها "الشرقي". ويُتيح أخذُ الظرف الأخير بالحسبان فهم الطابع الإنساني للثقافة الإسلامية، المرتبط بمحاولة جعل الإنسان أكثرَ إنسانيةً والمُساهمة في تفتُّح عظمته. وبإمكاننا أن نتكلم على ثلاثة جوانب من الإنسانية في الثقافة الإسلامية خلال العصور الوسطى:

الإنساني الديني: الذي أعلن الإنسانَ أسمى مخلوقات الله.

الإنساني الأدبي: مثالُه الأدب المُتشكّل في القرن التاسع، الذي يُضارِعُ المثال الذي يُميّز أوروبا في القرن السادسَ عشر، أي مثال تطوُّر الإمكانات البدنية والأخلاقية والعقلية للإنسان، وذلك باسم الخير الشامل.

الإنساني الفلسفي: الأقرب إلى التعبير عن وجهة النظر، التي عبّر أبو حيان التوحيدي عن جوهرها باختصارٍ في كلمات: "الإنسان أصبح مشكلة الإنسان".

ويمكن في الآن عينِه، اعترافاً بفضل مبادئ الإنسانية وسماتها العامة ووجودها، أن نقول إنّ كل ثقافة أو حضارة، تعيش عصر الازدهار تُنتج نموذجها الإنساني الخاص بها. لكن ثمة حديثٌ كذلك عن أنه حتى في إطار الثقافة الإسلامية نُلاحظ الإنسانية في صيغٍ مُختلفة؛ إذ عُرفت هذه الظاهرةُ في الشرق لأول مرّة إبان حُكم كسرى أنو شروان ووصلت عبر بَرْزَوَيه وبولس الفارسيَّيْن. بعد ذلك تأتي الإنسانية التي تطورت بتأثير المعرفية الهِلّينية والامتناعية والأفلاطونية الجديدة، وتُعبّر عنها البحوثُ الإنسانية المتركزة حول موضوع "الإنسان الكامل" التي قدّمها كُتّاب من أمثال: الحلاّج (857-922) والسُّهْرَوَرْدي (1154-1191)، وابن عربي، وعبد الكريم الجيلي (1365-1417). وهناك أخيراً الإنسانيةُ التي لفتت الانتباه إلى عظمة العقل الإنساني (كما في الحديث الذي يُنسب إلى النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم ومُفادُه أنه: "من يعرف الله، يعرف نفسه"؛ ومثلُه حديث: "أولُ ما خلق اللهُ: العقل"، وهذا ما نُلاحظه في مؤلّفات محمد بن زكريا الرازي (850-925) الذي نفى الجبرية، وأكد استقلالية العقل الإنساني، على نحوٍ يُعبّر عن روحية النهضة الأوروبية.

إنّ ازدواجية الثقافة الإسلامية، المرتكزة على مبادئ الشريعة والوجود التاريخي للخلافة العربية، تفترض النظر فيها من منظور التوافُق بين الأرضي والطقوسي فيها وبين "مادة الوجود" ذات الطبيعة الظاهرية والباطنية. وإذا أولينا اهتماماً لدور الشريعة الضخم في الكون وتغلُّب الأسس الأرضية في سلوك الإنسان وفكره، من الضروري أنْ نلاحظ أنّ الثقافة الإسلامية حافظت، ولا تزال، على علاقةٍ ثابتة بين التصوُّرات عن الكون وبين الأخلاق. وهذا الظرف بالذات هو ما سمح عصرئذٍ أن يُعتبر "العلمُ الغريب" أي الفلسفة الموجّهة نحو التقليد الهِلّيني، جُزءاً لا يتجزّأ من الثقافة الإسلامية الخاصة، وهو ما يسمح اليوم كذلك بترك الباب مفتوحاً للعلم والثقافة الأوروبيَّين الحديثين.

وفي سياق الحديث عن التوافق بين الظاهري والباطني في سياق إشكالية العقل والإيمان، لا بدّ من أن نلاحظ طبيعة التكامل المتبادل بينهما؛ إذ إنّ تحليل المستوى الديني-الفلسفي لحلّ إشكالية التوفيق بين العقل والإيمان المُستقر، يُشير إلى أنه على الرغم من التباين القائم بين مواقف شتّى المُفكّرين، فإنّ ثمة ما يُوحّدُها، وهو أنها جميعها سلكت مسار التقليد الباطني، المرتبط بأفضلية العقل. وبذلك هيّأ هؤلاء المُفكّرون الأرضية للمعرفة الباطنية الصوفية ومحاولتها إيجاد الانسجام بين الشريعة والطريقة، باعتبار ذلك مُسوِّغاً لمقاربتها الخاصة للإشكالية الحالية.

لم يرَ الصوفية في إشكالية التوفيق بين العقل والإيمان "إشكاليةً قائمة بحدّ ذاتها"، بل ضمُّوها إلى المنظومة العامة لتوافُق أركان الإيمان، وطريقته وحقيقته (شريعة-طريقة-حقيقة). ومن الضروري في أثناء ذلك أن نلاحظ أنّ منظومة "شريعة-طريقة-حقيقة" نظمت "شكلاً منطقيّاً" لعمل الذات الساعية إلى المعرفة بحثاً عن مطلقها الخاص، وبذلك مهّدت السبيل لظهور جملة خياراتٍ، تُشكّل تعاليمُ الغزالي واحداً منها. وإذا كان منّا على بالٍ أنّ الصوفية ظاهرةٌ تاريخية ومتكاملة، فإننا نفترض أنّ من المهم دراستها، مع الأخذ بالحسبان الأنماطَ الأُولى القديمة للثقافة الصوفية بصورة خاصة.

بَيد أنّه ينبغي ألاّ يعزب عنّا أنّ التحليل الفلسفي للثقافة الإسلامية يجب أن يُميّز بين ما هو ثابتٌ وما هو متغيّر على مدى تطوُّرها التاريخي، ومن المهم أن نأخذ ذلك بالحسبان لدى تحليل وجهات النظر المتعلقة بما يُسمى "الإصلاح" أو التحديث الإسلامي؛ ذلك لأنّ المحاولات التي جرت حتى الآن لبناء نماذجَ غربيةٍ للتطور الإسلامي واجهت الإخفاق على العموم؛ ومردُّ ذلك إلى أنّ الأسس التقليدية التي تُكوّن روح الثقافة الإسلامية، جرى اعتبارُها شيئاً قد تمّ تجاوزُه تاريخيّاً.

على حين أنّ الحقائق الاجتماعية-التاريخية والسياسية تدلّ بالضرورة على أنّ فهم ماهية الأصيل والمعاصر وثيقُ الصلة بأسس الثقافة السياسية-القانونية للإسلام وللحركات الأيديولوجية-الثقافية السائدة في إطار الإسلام المتطوّر. ثم إنّ تحليل نظريات الدولة الكلاسيكية في الفكر السياسي الإسلامي، التي طرحها علماءُ من أمثال: الماوردي (تُوفّي في العام 1058)، والجُويني (توفي عام 1085)، والغزالي، تُبيّن بوضوحٍ أنّ مبادئ الشريعة لم تكن عائقاً أمام اعتبار الحقائق التاريخية للخلافة العربية، بل إنّ هذه المبادئ اعتَمدت إلى درجة كبيرة على السوابق التاريخية. والمُكوّن الثابت لهذه النظريات هو تعليمٌ ينصّ على أنّ الدولة مُجرّدُ مُنفّذٍ لمبادئ الشريعة. ولكن القضية برُمّتها تنحصر في: من يملك السلطة السياسية الفعلية؟، وكيف تُفهم السلطة والمرجعية؟، وما الذي يُشكل مرجعاً مُتّفقاً عليه والقاعدةَ الأخلاقية-الروحية للمجتمع الإسلامي؟.

إنّ فكرة وحدة الدين والدولة ترتكز لا على شعور التضامن الديني فحسب، بل أيضاً على الشعور بضرورة إدراك أنه يُنتظر من الإسلام تحقيقُ المساواة والعدل في العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ولا شكّ في أنّ الاعتراف بحقيقة أنّ الإسلام نمطُ حياةٍ ونموذجٌ محدّد لعقيدة معاصرة، يُتيح فهم فكرة الدولة الإسلامية بجوهرها ذاته.

الإسلام وإشكالية العلمانية :

تُعتبر العَلمانيةُ إحدى أهم المسائل المُلحّة في ميدان الفكر الفلسفي والسياسي؛ ذلك أنه في الظروف السائدة في المجتمع ما بعد الصناعي يضعف تأثيرُ الدين في المجتمع وفي المواطنين بشدّة. وعلى الرغم من أنّ هذا صحيحٌ إلى حدٍّ مُعيّن، فالواقع أنه لا يُقدّم صورةً واضحة ولا كاملةً بشكلٍ كاف؛ وذلك بسببٍ من أنّ الحلّ المتكامل لهذه المشكلة يصطدم دائماً بـ "مشكلة" الإسلام. ففي خلال العقود الأخيرة، ازداد نفوذُ الإسلام في بلدان الشرق الأدنى والأوسط ، ولم يتضاءل قطّ، وهذا ما لا يصبُّ في صالح العلمانية.

وبُغية فهم العلمانية بوصفها إشكاليةً في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، لا مندوحة لنا عن أنْ نتحدّث عن ولادتها وتطوُّرها في القرنين التاسعَ عشرَ والعشرين؛ إذ إنّ القرن العشرين يتّصف كذلك بأنّ تَنامي الحركات الإسلامية فيه قد أصبح ردّ فعلٍ على مختلف أشكال العلمانية. فقد أخذت هذه الحركات على عاتقها مهمّة التصدي لمظاهر النظام الاستعماري الفكرية والسياسية، التي كانت من وجهة نظرها، مُوجَّهةً ضد الإسلام والمسلمين، وأُوكلت إليها مهمةُ تغريب المسلمين وحرمانهم من وحدتهم الثقافية.

العِلمانيةُ في العربية (من العِلم) أو (من العالم) على أن تكون بفتح العين "العَلمانية"، ويمكن التعبير عنها بصورةٍ أكثر دقّةً بكلمة "الدنيوية"، أو الأرضية، أو العِلمية أو التنويرية. وقد وَلجت العَلمانيةُ، بالمفهوم الأوروبي للكلمة، الحياة الروحية للعالم الإسلامي إلى جانب مفاهيم: المُعاصرة، والتغريب، والحداثة… إلخ،  في خلال الحِقْبة الاستعمارية.

ويُنظر إلى العلمانية بوصفها تحريراً للسياسة من التبعية للسلطة الدينية وتأثيرها، ويُعتبر ذلك قاعدة. وقد اسُعملت الكلمة بمعناها الواسع، في سياقاتٍ مختلفة لوصف العملية المُوجّهة نحو تهميش الإسلام في عملية التطوُّر الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي لدول الشرق الإسلامي في الحِقبة الاستعمارية، وبعد نيل الاستقلال. كما اعتُبرت في الشرق الأدنى والأوسط تخلّياً عن التقاليد الثقافية للمجتمع الإسلامي.

ومن المعلوم أنّ العلمانية، بوصفها حركةَ احتجاجٍ، ونظريةً مُحدّدة وأيديولوجيا، ظهرتْ ونمت في إطار أوروبا المسيحية، وتكرّست مضموناً وممارَسةً عمليةً في زمن ظهور الحركات الإصلاحية المسيحية في أوروبا. ويرتبط مصطلح العلمانية في معناه الراديكالي بالمقابل الفرنسي له  (laicism)، الذي هو عبارةٌ عن تعليمٍ يتمحور حول ضرورة تحرُّر المجتمع بالكامل من الدين؛ إذ يجب –حسب هذا التعليم- أن تنتقل المهمات التي كانت تضطلع بها مؤسسات الكهنوت إلى أناسٍ عَلمانيّين، لا سيما في مجال التعليم والقضاء. فعلى سبيل المثال، في عام 1882 استُبدلت الدروس الدينية في المدارس الحكومية الفرنسية بموادَّ من مِثل الأخلاق العامة وغيرها… أمّا مؤسس الجمهورية التركية "مصطفى كمال أتاتورك"، فقد اعتبر العلمانية الراديكالية شرطاً ضروريّاً لبناء المؤسسات السياسية للجمهورية.

وفي القرن التاسع عشر قادت العلمانية في أثناء تطوُّرها إلى الإلحاد بصفة عامة، وقد أصبحت حركةً قوية وديناميكية بشكل كبير بعد ارتباطها بالاتجاهات المُضادّة للدين، وأدتْ من خلال جهود نيتشه، وفرويد، وماركس إلى فهمٍ جديد لمكانة الإنسان في العالم. لكن على الرغم من ذلك، ما زال حتى اليوم في هذه العقيدة المادّية الإلحادية عناصرُ مُعيّنةٌ من الموروث الديني، على نحو ما أشار فوكوياما في مقالته التي نشرت في 13 آذار/مارس 2005 في جريدة نيويورك تايمز بعنوان "إعلان كالفن بالنسبة إلى عصر العولمة"، إذ قال: "في الوقت ذاته، لا بدّ من الاعتراف من دون مواربة، أنّ الدين والمشاعر الدينية لم تمُت، لا بسبب قتالية الإسلاميين فحسب، وإنما أيضاً لأنّ الحركة البروتستانتية-الإنجيلية تتطور، والتي أصبحت تُشكّل من حيث عددُ الأنصار مُنافِسةً للإسلام الأصولي، بحسبانه مصدراً فعليّاً للتديُّن… كلُّ ذلك يوحي بأن العلمانية والعقلانية لا تخدمان بالضرورة الحداثة".

والواقع أنّ النقد الإسلامي للعلمانية يستند بشكلٍ عام إلى فكرةٍ مُؤدّاها أنّ هذه العملية في أوروبا الغربية مقترنةٌ بطبيعة المسيحية، كما يستند من جهةٍ ثانية، إلى أنّ الفصل بين مجال نفوذ الدولة ومجال نفوذ الكنيسة، وَفْق الفكرة المعروفة التي تنصُّ على أنّ "ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، يُعَدُّ مبدأً مُهمّاً في المسيحية، ناهيك بأنّ المؤسّسة الكهنوتية تُعتبر وسيطاً بين الله والإنسان في المسيحية؛ إذ إنّ هذه المؤسسة تُؤدّي في نشاطها دور رسول الله، وبذلك تُقيِّد الحقوق الأساسية للجماعة الدينية، وعلى هذا النحو، يُنظر إلى الإكليروس المسيحي بحسبانه عقبةً أساسية في طريق التقدُّم؛ لذلك من المبرَّر تماماً أن يتمّ تقييدُ نفوذ الكنيسة من خلال عملية العَلْمنة. أمّا في العالم الإسلامي، فليس ثمة مُؤسّسةٌ كنسية ذاتُ مهمّات مُماثلة، ثم إنّ فكرة الوسيط بين الله والإنسان لا وجود لها في الإسلام؛ ذلك أنه لا يحقّ لأحدٍ أبداً في الإسلام سوى النبي محمّد أن يتكلّم باسم الله. والحقيقة أنه حتى بداية القرن التاسعَ عشرَ- قبل ظهور العلمانية في العالم الإسلامي- لم يعرف الشرقُ العربي تقسيماً وَفْق مبدأ "ما لله لله، وما لقيصر لقيصر".

إنّ المُجادلات حول مسألة العلمانية في الشرق العربي سارت في اتجاهين: بين مراجع المعرفة الدينية وبين المسيحيين العرب. أمّا المراجعُ الإسلاميُّون، فقد رأوا أنّه يجب أن يجري التحديث والتقدُّم على قاعدة مُنجزات الحضارة الإسلامية، وأوردوا مثالاً على ذلك الإنجازات العلمية التي شهدها "العصر الذهبي" من تطوُّر الخلافة العربية.

أولُ مَنْ راح يؤكّد أنّ بإمكاننا أن نأخذ عن الحضارة الغربية تلك العناصر، التي لا تتعارض مع قيم الشريعة ولا مع مبادئها، هو رفاعة الطهطاوي (1801-1873)، الذي حاول أنْ يُثبت أنّ المبادئ الديمقراطية لتطوُّر المجتمع قابلةٌ تماماً لأنْ تُضمّ إلى قوانين الإسلام؛ وذلك لأنّ في الإسلام تعدُّديةً دينيةً وقانونية في النظرية والتطبيق.

كما رأى إصلاحيُّون إسلاميُّون آخرون من القرن التاسع عشر، من مِثل خير الدين التونسي (1820-1889)، وجمال الدين الأفغاني (1838-1897)، والكواكبي (1854-1902)، ومحمد عبده (1849-1905)، أنّ بالإمكان أنْ نجد في تاريخ الخلافة العربية ما يُماثل أفكار التطوُّر العَلْماني الأوروبية للمجتمع، مثل مبادئ العدالة، ورفاهية الشعب، وانتخاب الحكومة، وفكرة كمال الإنسان في المجتمع… إلخ.

فقد دعا جمال الدين الأفغاني إلى اتّباع قواعد الإسلام، وانتقد الذين يستنسخون النموذج الأوروبي بشكلٍ أعمى، واتهمهم بأنهم يُمثّلون تهديداً لاستقلال الأمّة. كما اعتبر أنّ السبب الرئيس في انحدار الحضارة الإسلامية مُتّصلٌ بغياب العدالة والشورى، وبمخالفة مسؤولي الدولة والبيروقراطية للدستور. وانتقد خير الدين التونسي بدوره الاستبداد بشدّة، وربط أزمة الحضارة الإسلامية بالسلطة المطلقة، التي رأى أنها تُضيّق على الشعب، وفي نهاية المطاف تُدمّر الحضارة. فيما اعتبر الكواكبي أن الإسلام ليس مسؤولاً عن الحكم الاستبدادي، على حين أنّ الإصلاحي المعروف، محمد عبده، كان من أنصار النظام البرلماني، كما دعا إلى حماية التعدُّدية، وساوى بين مفهوم الشورى والديمقراطية، مُعتبراً أنّ سلطة الحاكم والقاضي مدنيةٌ بالإجماع.

أمّا المسيحيّون العرب، فقد غلب عليهم التوجُّه المسيحي، وهم الذين تلقَّوا تعليمهم في المعهد السوري البروتستانتي، واستقرُّوا بعد ذلك في مصر. وقد كان من أبرز الشخصيات العربية-المسيحية، التي شاركت في المناقشات الدائرة حول إشكالية العلمانية: شِبلي شميّل (1850-1917)، وفرح أنطون (1874-1922)، وجرجي زيدان (1861-1914)، ويعقوب صرُّوف (1952-1927)، وسلامة موسى (1887-1958) ونقولا حدّاد (1878-1954)… إلخ.

والواقع أنّ هؤلاء توجّهوا عُموماً إلى الأفكار الليبرالية لفرنسا وإنكلترا في القرنين الثامنَ عشرَ والتاسعَ عشر، واعتبروا أنّ العقل بالذات هو الذي يجب أن يضع المبادئ الأساسية للسلوك. كما أكّدوا أنّ المقبول من التقاليد الدينية هو فقط ما يوافق إجراء التحديث. أمّا فرح أنطون وشبلي شميل، فقد كانا يرَيانِ أنّ مُهمّتهما تكمُن في بناء دولةٍ علمانية تكون فيها مساواةٌ تامة بين المسيحيين والمسلمين، مُعتبرَين أنّ تطوُّر العلم والتقنية هو ما يُشكّل قاعدة قَبول الآخر، التي تسمح بمنع التعصب الديني الأعمى. كما شدّد سلامة موسى على فكرة ضرورة الفصل بين مجالَي الدين والعلم، واعتبر أن المجتمع لن يسير في طريق التقدُّم إلاّ بتقييد دور الدين فيه. وهكذا، فقد رأى هؤلاء على العموم، ومن دون التفريق بصورةٍ واضحة بين العلمانية والحداثة، أنّ التغريب (تقليد الغرب) هو الوسيلة الوحيدة للتحديث.

وقد تعرّض أنصار العلمانية العربية للنقد بسبب دعواهُم أنّ الإسلام لا يتوافق مع الحداثة. وكان مُنتقدُوهم يرون أنّ العلمانية تُمثّل إعلان حربٍ على الإسلام، وقيمِه، ومبادئه الرامية إلى تحرير البشرية، وإقامة العدل والمساواة، مُؤكدين أنّ الإسلام بطبيعته يضمن حُرّية الفكر والاعتقاد. على أنّ كثيراً من المُفكّرين المسلمين المعاصرين، شأنُهم في ذلك شأنُ المُفكّرين الإصلاحيّين المسلمين في القرن التاسع عشر، يتمسّكون بوجهة نظرٍ تقضي بأنّ إنجازات الحضارة الغربية المعاصرة، العلمية والتقنية، يمكن أن تؤول إلى قيمٍ –من مثل المعرفة والممارسة- يمكن أن يدرُسها المسلمون ولا تضرُّ بوحدتهم الدينية-القومية.

الإسلام ومشكلة العمل المشترك (التعاون) بين الحضارات :

إننا نتصوّر أنّ الإسلام أكثرُ من مجرّد دين، إذ إنه على الرغم من أنه ليس دين الدولة في بلدان كثيرة، فإنه يُمارس تأثيراً ضخماً في المؤسّسات السياسية والاجتماعية، وفي نمط حياة أولئك الذين يعتبرون أنفسهم مُنتمين إلى الجماعة الإسلامية. ويمكن القول إنّ القيم الإسلامية الأساسية ومؤسّسات الإسلام هي التي تُشكّل قاعدة هذا التضامن؛ ذلك أنّ قدرة هذه الحضارة على الحياة ترتبط بمرونة مختلف طرائق التوافق الداخلي بين مكوّناتها وبديناميّتها ولُيونتها، بما في ذلك مقدرتُها على أعمق أنواع التجديد. وبالطبع، يتعلّق قَبول هذا التجديد أو ذاك بمدى قُدرته على دعم استقرار حياة الحضارة الإسلامية بالكامل وتطوير هذا الاستقرار.

ولا نِزاع في أنّ الحضارة الإسلامية تمتلك ذاكرةً تاريخية عميقةً، أتاحت لها أن تعتبر نفسها على مدى قرونٍ كثيرة قادرةً على الحوار مع بقية الحضارات، وهي بهذا المعنى تُعَدُّ منفتحةً على العمل المشترك مع بقية الحضارات. لكنْ مع ذلك، فقد وجّه القرن العشرون –لا سيما النصف الثاني منه- إهاناتٍ كبرى للمسلمين؛ إذ كان عليهم إدراكُ أنّ الحضارة الغربية –ومن حذا حذوها- قد سبقتهم بأشواط كثيرة، بل أكثر من ذلك، كان عليهم وعيُ حقيقة أنّ الغرب قد تغلغل في كل نواحي حياة المسلم، وأثار –وما يزال يثير- انعكاساتٍ مَرَضيةً إلى درجةٍ كبيرة. وعلى الرغم من أنّ الإصلاحيين-الحداثيين المسلمين حاولوا الجمع بين إنجازات العلم الغربي والتكنولوجيا وبين مؤسّسات الإسلام وقِيمه الأساسية، فقد كانت النتائج الحاصلة مُخيّبةً للآمال إلى حدٍّ كبير. من ثَمّ، أُعدّت بحوثٌ كثيرة عن الطريق الخاص للتطوُّر؛ ما يُثير بدوره خوفاً كبيراً في بلدان الغرب. لذلك، فإنّ على جدول أعمال اليوم مسألةً مُهمّة تتمثّل لا في التغلُّب على اختلال التوازن بين العالمَين الغربي والإسلامي فحسب، بل وتحديد سُبل عملهما المشترك والمنسجم المُحتمل كذلك. وفي أثناء ذلك، من المهم أن تحاول هاتان الحضارتان أن تفهم إحداهما الأخرى، وألاّ ترى إحداهما في الأخرى ما تريد أن تراه فقط.

لعلّ من غير الضروري أنْ نشرح أنّ الإسلام لا يمكن أن يقتصر على كونِه مُجرّدَ تعليمٍ ديني فحسب؛ فالإسلامُ نظامٌ متكامل يضع ويوصف نمط الحياة والسلوك، كما يضع ويوصف منظومة القيم الأخلاقية، والثوابت والمفاهيم النفسية. لذلك، فإنّ المفكّرين المسلمين ينظرون بتلك الريبة المرَضية إلى عمليات العولمة المعاصرة، التي يرون فيها مرحلةً جديدة من مراحل تغريب البلدان الإسلامية.

لقد وصلتْ الإنسانية، بكلّ تنوُّعها، في عصر العولمة الحديث إلى حدٍّ من تبادُل التأثير لا رجعة عنه في نواحي الحياة كافةً، الاقتصادية، والسياسية، والثقافية والروحية. فالعولمة، بوصفها عملية تكامُل مختلف مكوِّنات البشرية –بعكس عملية تبايُن البشرية- تُولّد في مسيرة تطوُّرها فهماً نوعيّاً مُغايراً للبشرية، بمعنى أنّ البشرية تتمثّل فيها بشكل تشارُكيةٍ شاملة.

إنّ تحليل المؤلّفات الكثيرة حول مشكلة العولمة يدلّ على أنّ الرؤية الشاملة لتطوُّر العالم المعاصر تُبيّن أنّ ثمة عمليةَ صياغةٍ جديدة للعالم، يمكن تمثيلُ قطبَي هذه العملية على الشكل التالي:

فمن جهة، العولمةُ حتميةٌ، ولا مفرّ منها، ومُقدّرةٌ سابقاً، وهي تُعمَّمُ وتُزيل كلّ الفوارق –بدءاً بالفوارق الاقتصادية، وصولاً إلى الفوارق الثقافية- كما أنها تُكافئ "التغريب" أو "الأمْرَكة"، ولا بديل عنها، وهي تقضي على مفهوم الدولة المستقلّة.

ومن جهة أخرى، العولمةُ ليست حتمية، بل هي قابلةٌ للرجوع عنها، وهناك بديلٌ لها، هو على شكل وحداتٍ دينيةٍ وقومية مُفترضة ضدّ التغريب والأمركة، التي تُعمّق التفاوت بين الدول الغنيّة والفقيرة، و"تُشرعِنُ" هيمنة الرأسمالية الاحتكارية العالمية.

لسنا نهدف من وراء ذلك إلى أنْ نُعطي تحليلاً شاملاً لمفهوم العولمة ولا لعمليّـتها الإشكاليَّين، وإنما نريد فقط أن نبحث في العولمة بوصفها توجُّهاً نحو بناء حضارةٍ عالميةٍ وثقافةٍ من نوعٍ ما؛ ذلك أنه كقاعدة، لا يُنظر إلى العولمة في النظريّات المُتعدّدة والهيكليات السياسية بوصفها استمراراً للثقافة أو للحضارة الجديدة، بل يرون أنها يجب أنْ تُبنى إمّا على هيمنة قيمٍ واحدة، وإما على تجاوُز المقاربة القيمية وإحالة مشكلة التساوي إلى فكرة إعلامية-ثقافية.

لقد كانت كلُّ مرحلةٍ من مراحل العولمة مرتبطةً مباشرةً بإنجازات العلم والتِقْنية وبالاستبدال التقدّمي للأنماط الاجتماعية السائدة؛ حيث إنّ كل إنجازٍ من إنجازات التقنية الراشدة (من الآلة الأولى إلى تكنولوجيا المعلومات المعاصرة) كان يفتح صفحةً جديدة في تاريخ العولمة. ولم يكن تأثيرُ هذه الاكتشافات في دينامية العمليات العالمية الشاملة مُمكناً إلاّ في حال كون المجتمع مُحتاجاً إليها.

ثم إنّ التحديث المتواصل للغرب وتغيُّر البنية الاجتماعية فيه قد مَكّناهُ من توسيع دائرة تأثيره، بالمعنى الواسع للكلمة، في سائر أنحاء العالم. بينما كانت خُصوصية البنية الاجتماعية للشرق الإسلامي، التي يمكن اعتبارُها مُحافِظة، بدءاً من القرن السابعَ عشر تُعيق التوسُّع النشيط للغرب، السياسي والثقافي على حدّ سواء، وذلك على الرغم من أنّها لم تكن تملك طاقةً خاصةً من أجل التحديث. لذلك، فقد توجّهت عمليات العولمة من "المركز" إلى "الأطراف". وهكذا، يكون مفهوم العولمة في الواقع هو مفهوم "التغريب"، وهذا ما يُؤكدُه حقيقةُ أنه مِن بين 188 بلداً عضواً في هيئة الأمم المتحدة، 36 منها تُمثّل القارّة الأوروبية، 125 بلداً كانت في وقت من الأوقات واقعةً تحت سيطرة الاستعمار الغربي.

من الجليّ أنه يجب ألاّ تكون الحقيقةُ التاريخية ضحيةً للغايات السياسية غير النزيهة، بمعنى أنّ بإمكاننا أن نقول: إن العولمة في تطوُّرها التاريخي وصولاً إلى زمننا الحاضر، هي عبارةٌ عن عملية تكريس الهيمنة الأوروبية على العالم (أمّا الولايات المتحدة، وكندا، وأوستراليا ونيوزيلندا، فإنها تُعتبر "فروعاً جانبية للغرب")، وإذا تحدّثنا عن أنّ عملية العولمة تجري اليوم وَفْق "سيناريو الولايات المتحدة"، فإنّ ذلك لا يُغيّر مبدئيّاً شيئاً من واقع الأمر؛ لأنّ دُروس العولمة التاريخية في السنوات السبعين الأخيرة تدلُّ على أنّه قد كان من خصائصها تشكُّل ثقافةٍ اجتماعية واقتصادية جديدة في مناطقَ مُستقلّةٍ من العالم. وقد مهّدتْ هذه العمليةُ، بشكلٍ أو بآخر، السبيل للتطوُّر المُتسارع للشعوب القاطنة في هذه المناطق.

إلاّ أنّنا لا نميل إلى الاعتقاد أنّ الاستعمار الأوروبي كان خيراً مُطلقاً لبلدان العالم الثالث؛ إذ ما زال الاستعمارُ وآثاره إشكاليةً جدلية في التاريخ العالمي. على أنّنا، من دون الدخول في جدل حول هذه المسألة، نودُّ الإشارة إلى أنّ بالإمكان النظر إلى تأثير عمليات العولمة في تطوُّر بلدان العالم الثالث، بما فيها البلدان الإسلامية، من وِجهتين على الأقل:

أولاً: إذا اعتبرنا أنّ الهدف الرئيس للثقافة يتمثّل في أنها وسيلةٌ للتعبير عن الوحدة الإنسانية في الصورة الاجتماعية، فيمكن القول آنئذٍ إنّ الأسس الروحية-القِـيمية للحياة الاجتماعية لبلدان الشرق الإسلامي مرتبطةٌ بصورةٍ وثيقة بالوسط الاجتماعي.

 ثانياً: لكنّ تاريخ تطوُّر الثقافة الإسلامية يدلُّ على أنّ إنجازاتِها الرائدة ليست نتيجةً مباشرة للكِيان الاجتماعي؛ إذ يمكن اعتبارُ الكيان الاجتماعي شيئاً مُشتقّاً (بمعنى أنه يأتي تالياً)، أمّا الدينُ –أو الفهم الديني للشخصية- فهو أساسُ بداية المجتمع الإسلامي. على أنّ ذلك يُناقض مُسلَّمةً بدَهيةً معروفة، مُفادُها أنّ الإسلام هو: "دِين الجماعة". ولا شكّ في أنّ من الصعب الكلام اليوم عن مفهوم ما، ذي دَلالةٍ وحيدة لتأثير عمليات العولمة في تطوُّر الحضارة الإسلامية؛ ومردُّ ذلك إلى أنّ العالم الإسلامي ليس متجانساً إلى حدٍّ بعيد، ومُشتّتٌ في مختلف نواحي الحياة الروحية للشعوب التي تعُدُّ نفسها تنتمي إلى الحضارة الإسلامية. والواقع أنّ هذه المسألة تحتاج إلى دراسةٍ مُتأنّية وجِدّية بصورةٍ كافية.

وإنّنا لَنعتقدُ أنّ من المهم أنْ نُجيب عُموماً عن سُؤال: ما الذي تحمله العولمة معها: ازديادُ تجانُسٍ، أم ازدياد تبايُنٍ وفُرقةٍ بين البشر؟.

لا ريب في أنّ الجواب الفلسفي: "هذا وذاك، في آنٍ معاً"، مُغرٍ كثيراً، مع أنّ التوجُّه نحو التباين لا يُؤدّي بصورةٍ آليةٍ إلى انحلال الوحدة؛ لأنّ آلياتِ تناسُب أجزاء الوحدة العولمية ومبادئَها تُوضع باستمرار. لكن، من البدَهي أنّ هذا الجواب ليس مقبولاً؛ وذلك بسبب عُموميّـته القُصوى وتجريديّـته، وما يزال الجواب أو الأجوبة أمامنا.

لقد كانت الحضارة الإسلامية على مدى ستة قُرونٍ تقريباً، من القرن السابع إلى القرن الثالثَ عشرَ للميلاد، مثالَ الانفتاح على الحوار مع بقية الثقافات والحضارات؛ فقد ساهمت رُوح قَبول الآخر الدينيةُ والثقافيةُ إلى حدٍّ كبير في بناء الخلافة العربية ذاتها من الهند إلى جبل طارق. وهكذا غدتْ الحِكمةُ الفارسية والعقلُ اليوناني مُكوِّنَيْن مُهمَّين لروحية الثقافة الإسلامية؛ إذ في ظروف التعدُّدية الاقتصادية-الحقوقية والدينية في إطار الإسلام، لم يكن العرب وحدهم مُبدِعي الثقافة العربية-الإسلامية، بل كان إلى جانبهم مُمثّـلو عشرة شعوبٍ أخرى.

وعلى الرغم من شتّى أشكال الصدامات والحروب بين العالم العربي-الإسلامي وبين أوروبا القرون الوسطى، وعلى الرغم من مختلف أنواع الفتن ضمن الخلافة ذاتها، فقد أصبحت بغداد، ودمشق، والقاهرة، وقرطبة مراكزَ ثقافيةً تُحدّد مسيرة العمل المشترك مع بقية الحضارات. ثمّ إنّ الانفتاح على الحوار بالذات هو ما أتاح لأوروبا القرون الوسطى أن تَعتبر، لا موروثَ الثقافة الأنتيكية الذي حافظ عليه العرب ونقلوه إلى غيرهم فحسب، بل وإنجازات الفلسفة والعلم والثقافة العربية الإسلامية كذلك، أجزاءً مُكوِّنةً لثقافتها الخاصة. ولعلّ من المثير أنْ نلاحظ أنه في مناطق تماسّ العمل المشترك بين الحضارات، تشكّلت وتطوّرت ثقافاتٌ مستقلّة كانت تنتمي إلى الحضارة الإسلامية والأوروبية في آنٍ معاً.

ومن الأهمّية بمكانٍ أن نلاحظ أنّ الانفتاح على الحوار وإثمار العمل المشترك للثقافتين الإسلامية والأوروبية قد تَحدّدا بظرف أنّ الثقافتين كِلتيهما تشكّلتا وتطوّرتا في فضاء الحضارة المُتوسّطية الواحدة؛ فقد كان استقرار عمل الثقافات المشترك في إطار الحضارة المتوسطية مُرتبطاً بالمبادئ الأساسية للطريقة الواحدة في رؤية العالم على قاعدة الثقافة الأنتيكية والملّة الإبراهيمية.

وفي تقديرنا، فإنّ الأساس المتين للعالم الإسلامي في القرون الوسطى، الذي تشكّل بالحد الأدنى من ثلاث خِلافات (الخلافة البغدادية، والفاطمية والقُرطبية) ومن كثيرٍ من الإمارات المختلفة، هذا الأساس هو التعدُّدية وقبول الآخر. وهكذا، أنجبتْ الثقافة العربية الإسلامية ابنَ رشد العظيم، الذي حدّدت أفكارُه الأساسية مسار تطوُّر أوروبا القرون الوسطى، وذلك من خلال تعاليم المُرشدين اللاتينيين عن "ثمائية الحقيقة"، ولكن مع الأسف، لم تعرف الثقافة الإسلامية نفسُها الرُّشدية (منهج ابن رشد).

لقد كان القرنُ الخامسَ عشرَ موضع الانعطاف في تاريخ العالم الإسلامي، الذي وجد نفسه أمام بديلٍ حضاري يتهدّده؛ إذْ باحتلال بيزنطة في عام 1453 وتطوُّر الإمبراطورية العثمانية، لم تعُد التعدُّدية، وقَبولُ الآخر، والانفتاحُ على الحوار مع الحضارات الأخرى هي الأُسس التي يقوم عليها العالم الإسلامي، بل أصبحت الهيمنة الدينية المُحافظة الحادّة هي السائدة، كما لم يكن الحوار هو الخيار التاريخي الحضاري، بل مجابهة الخلافة العثمانية مع الحضارة الأوروبية. وهذا ما أدّى إلى أنْ يرى العالمُ الإسلامي أوروبا ويسمعها بالشكل الذي يُريد أن يسمعها ويراها به؛ ذلك أنّ كثيراً من إنجازات الحضارة الأوروبية، من القرن الخامسَ عشر وحتى القرن التاسعَ عشر تقريباً، أصبح يُنظر إليها بوصفها شيئاً يُهدّد الثقافة الروحية للعالم الإسلامي ويُفسدها. ولا شكّ في أنّ موقف الانغلاق المبدئي على الحوار قد ولّد توجُّهاً نحو ظُهور حركاتٍ اجتماعية-سياسية راديكالية وتَـناميها.

والواقع أنّ الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية قد كانت على شيءٍ من التطوُّر، ولكنّه الآن أصبح على هامش الإمبراطورية العثمانية؛ فلا القاهرةُ، ولا دمشق، ولا بغداد، وإنما اسطنبول بالذات هي التي غدتْ واجهة العالم الإسلامي. وهكذا، فقد كان تاريخُ تطوُّر الخلافة العثمانية كُلُّه تاريخاً لانحدار الثقافة الإسلامية الكلاسيكية، وتاريخاً لنضال المناطق البعيدة في سبيل نيل الاستقلال. والظاهر أنّ ثقافة العُثمانيين لم تصبح قاعدةً جامعةً لكلّ مُكوّنات الحضارة الإسلامية الموحّدة، كما لم تتمكن الخلافة التركية من رؤية إنجازات العلم والثقافة والفلسفة الأوروبية، ولا من الانتقال إلى مرحلة التطوُّر الصناعي، وبالتالي لم تقبلها.

بَيد أنه في نهاية القرن التاسعَ عشر وبداية القرن العشرين، وعلى هامش الخلافة العثمانية، ولا سيما في مصر، برزت أفكارٌ جديدة، أظهرت أنّ مرحلة خيارٍ حضاري جديد قد بدأت، وذلك من خلال أفكار جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي عن القومية والحداثة، والتي ساهمت بصورة كبيرة في تفكُّك الإمبراطورية العثمانية؛ فقد أدّى مكرُ العقل في التاريخ سُخريته الجديدة، وذلك عندما انبرى "أتاتورك" ليُعلن في عام 1921 قيام دولة تركيا العلمانية. وهكذا، وفي مركز هذه الإمبراطورية، انتصرت أفكار القومية التي نشأت على أطرافها؛ إذ لم تتمكّن الإمبراطورية العثمانية من أن تكون قاعدةً جامعة للعالم الإسلامي، بل ولم تعُد راغبةً في ذلك، بل أكثر من ذلك، أصبحت هي التي أفسدت العالم الإسلامي، حينما أعلنتْ أنها جُزءٌ مُكوِّن من أوروبا، وقبِلتْ الغرب "بوُروده وأشواكه". على أنّ الخيار الحضاري في بداية القرن العشرين أدّى إلى ظُهور اثنتَينِ وعشرين دولةً عربية مُستقلّة، بالإضافة إلى فلسطين، وقد كافحت هذه الدول ونالت استقلالها على امتداد النصف الأول من القرن العشرين.

إنّ الخيار الحضاري اليوم يتحدّد بدرجةٍ كبيرة من خلال ثلاث إشكاليات مترابطة، على الأقل يجب أن يُمكّن حلُّها العالمَ الإسلامي، الذي كان يوماً موحّداً، من أن يرتقي إلى مستوى الانفتاح على الحوار مع الحضارات الأخرى، ونعني بذلك محاولة التوفيق أو المُلاءمة بين الإسلام، والقومية والحداثة: أمّا الإسلام، فيُنظر إليه بوصفه الأساس الحضاري، وأمّا القوميةُ فبوصفها مُكوِّناً ثقافيّاً رسميّاً، وأمّا الحداثة فبوصفها سياقاً عامّاً يجب أن يُمكّن العالم الإسلامي من الاستجابة لتحدّيات العولمة. في زمننا الراهن، يمكن القول إنّ عملية تشكُّل الوحدة القومية-الرسمية للبلدان الإسلامية لم تكتمل بعد، إذ تُزلزل هذه العمليةَ تغيُّراتٌ اجتماعية-سياسية راديكالية، لا تسمح عُموماً بالحديث عن استعداد العالم الإسلامي للحوار مع بقية الثقافات والحضارات. وعلى الرغم من أنّه يجب علينا –للإنصاف- أنْ نلاحظ أنّ ثمة اختراقاً على مستوى عدة دُولٍ عربية منفردة، فإنّ هذا الحوار ليس ثقافيّاً بقدر ما هو تكنولوجي.

وإذا أخذنا في الحسبان أنّ الإسلام هو ميزةٌ حضارية، فلا بُدّ من أنْ نُلاحظ أنه يضُم في ذاته ثقافات شعوبٍ كثيرة لم يشترك الجزءُ الأكبر منها في المصير التاريخي. ولذلك فإنّ دراسة إشكالية الإسلام في سياق حوار الشرق-الغرب يجب أن تأخذ بعين الاعتبار التأثيرَ المتبادل بين الثقافات المتلاقحة داخل الحضارة الإسلامية نفسِها. ومن وجهة نظرنا، فإنّ قاعدة الحوار بالمعنى الواسع للكلمة، يمكن أن تكون هي التعدُّدية الثقافية، نظريةً، وممارسةً وسياسةً؛ إذ يمكن النظر إلى التعدّدية الثقافية بوصفها طريقةً وُسطى لإنشاء فضاءاتٍ حضارية حُرّة، من دون إفساد الحياة التقليدية للأعراق التي تشكّلت عبر تاريخ الحضارات المحلّية المحدودة. غير أنّه سينجُم عن تقاطُع الثقافات مجموعةٌ من المشكلات، ولتجنُّبها من الضروري:

أولاً: حلّ مسألة الحدود.

ثانياً: تحديد الميدان الاجتماعي الذي يمكن البحث فيه عن التوافق.

ثالثاً: إقامة النقاش المدعُو إلى تحقيق مثل هذا التوافق.

والواقع أنه إذا نظرنا إلى التاريخ من منظور التعدّدية الثقافية، يمكن افتراض أنّ نظرية العولمة بتوجُّهها إلى الفهم الخطّي المتصاعد للتطور العالمي، تحتاج إلى تغييراتٍ وتصحيحات. وعلى نحوٍ خاص، إذا أخذنا بالاعتبار تميُّز الحضارة الإسلامية بشكلٍ عام، والثقافات الكثيرة داخل الحضارة الإسلامية، فمن الممكن النظرُ إلى التطوُّر لا بوصفه مُتصاعداً خطّياً فحسب، بل ودوريّاً (اهتزازيّاً) وحلزونيّاً كذلك. والظاهر أنّ مفهوم عدم التوافق التاريخي يجب أن يأخذ مكانه أيضاً.

 

نور كيرابيف (نائب رئيس جامعة الصداقة بين الشعوب – روسيا)