الرئيسية » حضاريات » الحضارة العربية الاسلامية كيف قرأها المؤرخ بارتولد- سهيل فرح
bartold.jpg

الحضارة العربية الاسلامية كيف قرأها المؤرخ بارتولد- سهيل فرح

جاء في رسالة بعثها برتولد إلى استاذه روزين في عام (1891): "إنه من الصعوبة بمكان، أن يأتي أحد ما بنتيجة صحيحة أثناء محاولته لدراسة أي قسم من آسيا الوسطى ، إذا اعتمد على نفس المنهج ونفس القوانين المحركة للعملية التاريخية التي طبعت الدراسات التاريخية عن اوروبا . فالدروس العلمية الصارمة حول تاريخ آسيا الوسطى والفترة المتزامنة لها في تاريخ روما ، هذا الذي سمعته في محاضرات البروفسور مايير في غالية ، لم تعد تعني بالمطلوب . إن هذا المنهاج الذي أعنيه سوف لن أتابعه . وآمل من خلال أعمالي ( إذا بقيت حياً ، معافى) أن أحضر القاعدة العلمية لبروز منهاج علمي آخر " جاءت ملاحظة الأكاديمي برتولد،  الاختصاصي  الروسي في الدراسات الاسلامية وفي تاريخ آسيا الوسطى وفي عصر الخلافة العربية ، بعد ان رأى أن العين الاستشرافية الاوروبية لم تتمكّن من الوصول إلى الحقيقة العلمية ، أثناء تناولها بالبحث والتحليل تاريخ معظم بلدان الشرق . ولحسن حظ العلم والدراسات التاريخية الرصينة في هذه المسائل ، تمكن برتولد من العيش حيى عام 1930 ، (ولد في عام 1869) . وترك تراثاً علمياً ضخماً ، ضم تسعة مجلَّدات يقع كل منها في حوالي الستمائة صفحة . فلقد أثبت نفسه كاختصاصي كبير في الاسلام ، وتاريخ آسيا الوسطى والشرق عامة . وشكلت أبحاثه نقطة مشرقة في الدراسات الاسلامية ، ميّزتها عن غيرها من الدراسات الغربية المتأثرة بمنهج أنصار " المركزية الاوروبية" . إذا إنها جاءت قوية في منطقها قلما تجد عبارة أو حتى كلمة في غير موضعها وأمينة للحقائق التاريخية اعتمدت على المراجع الأصلية في اللغات العربية والفارسية والتركية و المنغولية والتترية وموضوعية في تحليلاتـها ، خالية من العصبوية الاقليمية الاوروبية ، متحمسة للجوانب المضيئة في الحضارة العربية الاسلامية . فلقد اعطاها مكانتها الحقيقية دون أية " رتوش" . وشاملة في تناولها للمادة المدروسة ، فلم تقف أثناء تناول تاريخ آسيا الوسطى والاسلام والخلافة العربية ، عند مناطق تواجدها بل دُرست بالمقارنة مع تاريخ البلدان الأخرى . كذلك درس برتولد الاسلام وحضارته كمرحلة من المراحل التاريخية التي رافقت مسيرة التطوّر الحضاري على الأرض ، وتوقف عند الإضافات الجديدة لهذه المرحلة ، من قيم ومثل جديدة تركت بصماتـها على تطوّر الثقافات الأخرى التي تلتها . إن تاريخ الشرق ، وبخاصة آسيا الوسطى، مرتبط بشكل وثيق باسم برتولد ، فلقد بدأ بدراسة بعض القضايا المحدّدة المتعلقة بتاريخ غير غيزيا وتركمانياً ، وتوسّع فيما بعد ، ليطال تاريخ آسيا الوسطى والشرق الأوسط بما فيها تاريخ الاسلام والخلافة العربية ، وعلاقة هذه المناطق بأوروبا والصين . هذه الاهتمامات الواسعة ، دفعت بالأكاديمي والمستشرق الكبير مار إلى القول : " لم يصل أيّ من المستشرقين والمؤرخين في أوروبا إلى المرتبة التي وصلها برتولد . ودراساته عن تاريخ الغرب لا تقل أهمية عن تاريخ الشرق " .

لقد امتدت شهرته بين أوساط المستشرقين في الغرب عامة . وكانت له مكانة ملحوظة بين أبرزهم ن أمثال المستشرق الفرنسي بيليو ، الذي قال عنه : " معرفته الواسعة ، وعقله الثاقب والدقيق ، وشمولية موضوعاته وتنوعها ، جعلته يحتل مكانة مرموقة لم تصل أيّ منا إليها . كما أن نقاوته وعدم تحيزه وشهامته ، كانت على مستوى كبير من السمو ، كما هي الحال في عمله كعالم "

وفي مذكرات المستشرق الانكليزي المعروف أ.دينسون روس  ، كتب بعد وفاة برتولد : " يمكن القول وبجرأة ، إنه ، مع موت برتولد ، خسر العالم أكبر طاقة علمية في تاريخ الاسلام"

بدأ برتولد دراساته الاسلامية بمقالاته :" الاسلام المعاصر ومهماته " (1894) ، " العلم الاسلامي في مكة " (1895) ، التي تضمنت استعراضاً علمياً مبسطاً للقارئ . فعلى الرغم من الدقة العلمية وصحة الوقائع والاسماء والاستنتاجات ، لم يتجرأ برتولد للنزول على القارئ من موقع الاختصاصي في الاسلام ،فلم يعد إلى هذا الموضوع إلاّ بعد عشرة سنوات من إصدار مقالاته الأولى . بعدها، بدأ يحللّ ويقوّم الاسلام ،  عبر تجلياته ومراحله المختلفة ، وتمثّل هذا في الدراسة الهامة : " الأفكار الثيوقراطية والسلطة المدينية في الدولة الاسلامية " . لقد تناول برتولد في هذه الدراسة البنية الأيديولوجية للسلطة الاسلامية ، منذ الخلافة العربية الأولى وحتى أفول العصر العثماني ، وسرعان ما ترجمت إلى الالمانية والانكليزية والفرنسية والتركية . دخل مؤلفها من خلالها الدراسات الاسلاماتية العالمية من موقع العالم ، المتين منهجياً والدقيق في استناده إلى المراجع الأصلية . فهو الذي قال عن نفسه ، في مقالة نشرها عن خبرته الأكاديمية : " في الحقل الذي أعمل فيه ، لم أشعر بوجودي إلاّ عندما أجلس على مكتبي وأمامي المراجع الأصلية" . بعدها ، قام بنشر مقالات مختلفة ومتنوعة عن تاريخ آسيا الوسطى، سوف لا نتوقف عندها، مركّزين على دراساته العلميّة في الاسلام والحضارة العربية. وفي عام (1912)، نشر بحثه الهام “الخليفة والسلطان". في هذا العمل، ظهرت مواد علمية ووقائع تاريخيّة جديدة ليس للقارئ، الروسي وحسب، بل وللقارئ الأوروبي عامة. وأثارت استنتاجاته، التي توصل إليها، ضجة بين المستشرفين؛ فلقد ثبت بالوقائع والبراهين المنطقيّة بأن ما يسمّى بتسليم الخلافة الطوعي أثناء احتلال مصر، للسلطان التركي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ما هي إلاّ خرافة مصطنعة لا تستند الى أية حقائق تاريخية. بعد الحرب العالمية الأولى، أعاد تنقيح هذا الكتاب، وتمّ نشره ومن ثمّ ترجمته إلى لغات أوروبية متعددة. بعد ذلك وحتّى عام (1922)،أولى برتولد لتحليل الاسلام وتاريخه أهميّة خاصة. فلقد كان يعتقد بأن الأدبيات الروسية لم تشهد حتّى الآن أي عمل شمولي في اللغة الروسية، يمكنه أن يخطو بالدراسات العلمية في هذا الموضوع ولو خطوة إلى الأمام".

لقد تمّ إصدار "الخليفة والسلطان"، في الوقت الذي كان يعمل برتولد في هيئة تحرير مجلّة “عالم الاسلام" وهذه المرحلة كانت فترة بروز موهبة برتولد كعالم اختصاصي في الدراسات الاسلاماتية، إذ وضع أمامه في المجلّة مهمة إيصال جوهر الاسلام، وبشكل موضوعي، إلى القارئ الروسي. وقد تناول تاريخ الحضارة العربية _ الاسلامية بمقالات افتتاحية عدّة، وتوقّف عند أهم الحركات السياسية في الاسلام، وأولى اهتمامًا خاصًا للحركة البويهية في إيران. إذ أضاف إلى أبحاث بروان وغولتسهير دراسات جديدة عن هذه الحركة، وأشار _ ولأوّل مرة في تاريخ الدراسات الاسلاماتية _ إلى أن "تحليل واستقراء الحركة البويهية كظاهرة تاريخية، لم يصلا إلى التّصور الشمولي العام، ما لم يتم البحث في انعكاساتها المادية والاجتماعية الملموسة، التي أدّت إلى انتشار ونجاح هذه الحركة في إيران في القرن التّاسع عشر". ففي تقويمه |للإسلام وللمراحل التي مرّ بها، أرسى برتولد قاعدة علميّة لدراسة هذا الموضوع، لم تنحصر فائدتها على الباحث والقارئ الروسيين، بل دخلت وبجدارة العقل الموضوعي الاستشرافي الغربي. وكانت الامتداد الايجابي للدراسات القيّمة، التي قام بها غولتسهير ودوزي وروزين وغيرهم. ولعلّ أهميتها تكمن في أنها جاءت لترسي بداية نقديّة جادة لدراسات هؤلاء العلماء الأوروبيين وغيرهم. في الحضارة العربية _ الاسلامية؛ ولتدخل عمقًا في تحليل العقل "المركزي الاوروبي" مفنّدة "ستريوتيباته" غير العلمية حول الاسلام، وحول العقل الشرقي، ونمط حياة الانسان الشرقي بشكل عام. رغم أنه اعتبر كرومير السياسي والمستشرق الانكليزي مؤسسًا لعلم الدراسات الاسلامية في أوروبا، فقد نقد أفكاره الملخّصة في مؤلفه "تاريخ الأفكار السائدة في الاسلام". ولم ينف عنه صفة الانحياز للعصبوية الاقليمية الاوروبية من جهة أخرى أخرى، كان يرى أن الجانب الضعيف في المنهج كرومير، يتلخص في تركيزه على دور الأفكار في صنع الاسلام، دون أن يشير لا من قريب ولا من بعيد الى العوامل التّاريخية والاجتماعية والاقتصادية، التي ساهمت في انتشار حضارة العرب ودينهم أو في ركودهم. ويؤكد برتولد حول هذا الموضوع، مشيرًا إلى "أن تجسيد الأفكار في الحياة وتطوّر العملية التاريخية لا يرتبطان فقط بتطوّر الأفكار . فعدم ربط هذه الروابط الفكرية بالعوامل الحياتية لجمهور الشعب ، يبقي هذه الدراسات ناقصة غير شاملة " . ويتوقف عند الدراسات الأخرى حول هذه المواضيع ، فيؤكد على أهمية أبحاث كل من كيتاني وبيكر وليمنس وغيرهم ، الذين ركّزوا على الأرضية الدنيوية للإسلام، وتأثيره القوي على إنتاج الثقافة المادية والروحية للشعوب التي اعتنقته ، في كلّ من آسيا وافريقيا الشمالية . بيد أن برتولد كشف الجوانب غير العلمية والخطرة في ابحاث المستشرق الفرنس ليمنس ، الذي حاول من خلال تركيزه على العامل الجغرافي والتغيرات المناخية التي تطرأ على البنية أن يثبت بعض الأفكار العنصرية ، كتلك التي تقول بخمول العقل الشرقي الاسلامي ، وبحبه وتعلقه بالتقاليد والافكار الموروثة منذ القدم ، وبعدم قدرة الانسان القاطن في مناخ الصحارى الحار على الخلق والإبداع . فأثبت أنه ، مع توسع العرب وازدهار تجارتهم ، اخترعوا العديد من النظريات العلمية في الكيمياء والجبر وعلم الملاحة البحرية وغيرها فاجتيازهم البحار والصحارى ، حملهم على أن يجيدوا معرفة الجغرافية الفلكية . فلقد اخترعوا المراصد الأولى في العالم ، في كل من سمرقند ودمشق وبغداد والقاهرة . وفي الوقت الذي تطوّر علم الجغرافية الفلكية (لاحظ العلامة ابن خلدون ) ، كان النصارى في أوروبا عاجزين عن تعويم خشبة في بحر الروم . وفي معرض تحليله ونقده للدراسات الاسلامية في الغرب يخلص برتولد إلى القول : " من الضرورة بمكان تركيز الانتباه على كل الظواهر الثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها ، فهي إلى جانب الأسس الدينية للحضارة الاسلامية ، حدّدت وتحدِّد الجوهر الفعلي للحياة الشرقية ولطموحات ومثل أبرز شخصيات الاسلام .

بعد عام (1916 ) ، انصرف برتولد لتأليف كتيبات علمية مبسطة عن الاسلام والحضارة العربية . ففي عام (1918) ، أصدر كتيبه الأول " الاسلام" ، الذي يقع في (60 صفحة) من الحجم المتوسط . وتلاه كتابه الهام الذي عنونه بـ " الحضارة الاسلامية" وبعده صدر كتاب " عالم الاسلام " ، هذه الكتب الثلاثة ، لخصت وكثفت معلوماته وتجربته الاكاديمية في الدراسات الاسلاماتية . وما زالت حتى الآن ترتدي أهمية علمية ملحوظة . ولقد جمعت هذه الكتب ، إلى جانب مقالات وتعليقات أخرى ، تقوم أبحاث أهم المفكرين وللمستشرقين الذين تناولوا تاريخ الحضارة العربية الاسلامية ، جُمعت كلها في المجلد السادس من مؤلفاته التسع .

في كتابه " الاسلام " يعطي برتولد صورة بانوراميه عن الاسباب والحيثيات التاريخية التي رافقت ظهور الاسلام وانتشاره ، ويحلّل فيه البنية الايديولوجية للإسلام ، كشكل من أشكال الوعي الشرق أوسطي للحياة ، وطرح علاقة الانسان بالكون وبأهم عوامل تكونه وتطوره . كما أنه يجري مقارنة ثقافية عامة بين خصائص الوعي الاجتماعي الشرق أوسطي ، وبين الحياة الثقافية والروحية لأوروبا ، وذلك منذ القرن السابع وحتى أوائل القرن العشرين . هذا وفي معرض مناقشته للعلاقة بين الشرق والغرب ، يرد برتولد على أفكار الشاعر الاوروبي كيبلينغ القائل : الشرق شرق ، والغرب غرب . أبداً لا ولن يلتقيا " .

هذا الموضوع الذي طُرح على مر العصور ، كان موضوع نقاش حاد بين الفلاسفة والمؤرخين ورجالات الفن . وعلى الرّغم من التأكيد دائما “على أن الالتقاء و التفاعل كان موجودا" دائما" بين حضارات العالم أجمع, فكل ثقافة أغنت الأخرى و أضافت الى ما تبعها إسهامات جديدة في كل أنواع الفنون و العلوم, على الرغم من هذا, ما زال سائدا “كما يشير برتولد الاتجاه الذ يحتكر لنفسه أحادية تأسيس الحضارة و قيادتها, هذا الذي يهيمن على تفكير معظم الذين يكتبون عن تاريخ الحضارات في اوروبا. فيبين برتولد:"أن الشرق القديم ترك آثاره القوية على الثقافة الاغريقية ; والثقافة الاغريقية التقت و أثّرت على الحضارة العربية الإسلامية ;و الحضارة العربية الإسلامية ساهمت في ارساء أهم معالم النهضة الاوروبية. فالإسلام, أظهر خلال قرون بأنه محب للحرية, مناد بالأخوة و العدالة. صحيح أن في الاسلام, كما هو الحال في التلمود و العهدين القديم والجديد, الكثير من التعاليم التي لا تتطابق مع بعض منجزات العلم, و تعيق أحيانا" التقدم الاجتماعي ;بيد الاسلام, كفوء كما أثبت في الماضي بأن يتأقلم مع الظروف الجديدة".

في كتاب "الإسلام" يحلل هذا الدين ليس في إطار النظرية فقط- فلم يجرد "الفكرة" عن الواقع"-بل لآنه حاول أن يستقرئ الأفكار الإسلامية المجسدة على أرض واقع الشعوب الإسلامية. فهذه المحاولة, كانت الأولى من نوعها في الدراسات الإسلامية الأوروبية. لذلك, أمامنا عمل جديد أحدث تحولا نوعيا في الدراسات الإسلامية, فلقد وضع البداية العلمية الجدية لأبحاث موضوعية لاحقة. وعلى حد قول الأكاديمي كراتشكوفسكي "إن الوقائع الجديدة التي طلع بها برتولد في كتاباته عن الإسلام, تشكل ظاهرة جديدة في تحليل هذا الموضوع. وهي إن دلت على شيء, إنما تدل على سعة معلومات هذا العالم, وعلى تعمقه في دراسة الإسلام, بعد اعتماده على المصادر الأصلية, وهذا ما يعطي للعمل إنجازات إيجابية لم تصل إليها أوروبا حتى الآن".

أما حول اسلوبه في هذا الكتاب ، فيتميّز بالرصانة العلمية والعذوبة في سرد الافكار وتسلسلها . فكل كلمة في مكانـها الطبيعي ، وكل فكرة تؤدي معناها بشكل دقيق . ويشير بـهذا الصدد كراتشكوفسكي : " إن كل جملة عند برتولد لها معنى محدّد . وكل فكرة يمكن النظر إليها كاستنتاج علم موثوق به " .

ما هي السمات المميّزة لبرتولد ، التي جعلته يدخل باب الدراسات الاسلاماتية العالمية من موقع العالم الموثوق به ؟

لعل الجواب على هذا التساؤل يمكن بالتزامه الصارم بمبدأ التاريخية في العلم ، وبعدم ارتكازه على الدراسات الغربية الأخرى . فهناك العديد من الباحثين لا يكلّفون أنفسهم عناء التنقيب عن المراجع الأصلية ، فيأخذون عن أسلافهم ما كتب عن هذا الموضوع أو ذاك ، وإذا كان السلف قد طلع باستنتاجات غير علمية، فتكرّر عند خلفه. وهكذا، تتحوّل الحقائق التاريخية إلى ستريوبيبات. والستريوبيبات مع تكرارها عند أكثر من باحث، تكاد تتحوّل إلى قناعات ثابتة في ذهن الرأي العام، ممّا يشكّل في النهاية عائق جديد أمام الوصول إلى الحقيقة العلمية، وأمام انفتاح إنساني متكافئ بين ثقافات الشعوب، يبن حاضرها ومستقبلها. أمّا برتولد،فلقد تميّز عن معظم الّذين عاصروه. إذا إنه كان يعتبر المراجع الأصلية في لغاتها الأصيلة، المادة الوثائقية الأولى، ليبني  على أساسها تحليلاته واستنتاجاته. درس في كتابة "الإسلام" كل العوامل التي أدت إلى انتشار هذه الظاهرة، التي أضحت ترتدي طابعا" عالميا"، وقارن هذه القفزة النوعية الجديدة في تاريخ شعوب الشرق مع الحضارات التي كانت قبلها والتي رافقتها في أوروبا والصين. ويؤكد، بالاعتماد على الوقائع التاريخية، بأن العلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي لم تنقطع أبدا"، فلقد كانت للحضارة الإسلامية الدور الأهم في التأثير على أوروبا القروسطية. إن الأمانة للتأريخ، والتأكيد على حقائقه ووقائعه، كانت السمة المميزة الظاهرة في كتابه "الإسلام"؛ غير أنه تنبغي الإشارة إلى أن الكتاب لم يدخل في تحليل الدين الاسلامي من الداخل ، فلم يتناول كافة شعبه ومِلله . فلقد أعطى لوحة موضوعية شمولية عامة ، وهي المحاولة الأولى كما ذكرنا ، في تاريخ  الدراسات الاسلامية في روسيا ، وحتى في الاتحاد السوفياتي .

استمر برتولد في هذا المنهج في كتابه " الحضارة الاسلامية " ، فالمهمة المطروحة امام هذا الكتاب ، كانت أشمل من المحاولة السابقة ، فهي الدراسة الثانية حول هذا الموضوع، بعد كرومير الذي أعطى تصوُّراً مركزياً أوروبياً عن تاريخ الحضارة الاسلامية. فالمادة الوثائقية القليلة من مخطوطات واثار أركيولوجية ، إلى جانب منهج كرومير الذي جاء ليخدم السياسة الانكليزية في منطقة الشرق الأوسط ، أعطى لأبحاثه صفة متميزة للثقافة الغربية ، التي كونت تصوُّرات مشوهة غير واقعية عن تاريخ الشرق عامة . والبحث الآخر، الذي قام به المستشرق الالماني المعروف ميتس ، انحصر في منطقة ضيقة ، شملت مرحلة تاريخية محددة ، وركزت على مسألة صحة او خطأ إطلاق صفة " النهضة" على مجمل الحياة الثقافية والعلمية في القرن العاشر . أمّا دراسات هيل الالماني أيضاً ، فقد كانت محصورة في إطار تاريخ الاركيولوجية . لذلك ، فإذا شكلّ برأينا كتاب برتولد " الاسلام" نقطة البداية الصحيحة في دراسة هذا الموضوع ن فإن كتابه الثاني " الحضارة الاسلامية " طوّر هذه البداية ليؤسس حجر الزاوية السليم في الدراسات العلمية ، حول نشوء وتطور الحضارة الاسلامية وتفاعلها مع ما سلفها وما عاصرها .

ففي مقدمة هذا الكتاب ، يتناول الاكاديمي برتولد الستريوتيبات المشّوهة ، التي تكدّست على مر العصور حول كفاءة هذا الشعب أو هذه المنطقة في صنع التقدم والحضارة، وحول ثبات التخلف ، وعجز شعب آخر أو منطقة جغرافية أخرى في دفع عجلة التقدم إلى الأمام .

 

فيشير الى حضارة روما و بيزنطية اللتين خلقتا الحضارة اليونانية ، وأعطانا نموذجا" جديدا" قيما" من الثقافة الى حضارة روما و بيزنطية اللتين خلقتا الحضارة اليونانية، وأعطنا نموذجا" جديدا" قيما" من الثقافة المادية والروحية.

وجاءت بعدهما الحضارة العربية الاسلامية التي تفاعلت مع تراث ايران الثقافي ، ومع حضارة بيزنطية ، واستطاعت أن تضيف مساهمات جديدة في العلوم والفنون، تركت تأثيرها على مجمل مسيرة التقدم الانساني .

فالحضارة في تاريخ تكونها و تطورها، لم تتمركز أو تتمحور لا في أوروبا ولا في آسيا في كل الأزمان. فلكل عصر خصائصه وافرازاته . ويخلص الى القول " بأن العلم أثبت أن السبب الأساسي المحرك للتقدم أو للتخلف، للتفاعل و الاغناء المتبادل بين الشعوب أو للركود وانهيار الحضارات، لا يرجع الى الخصائص العرقية أو الدينية ولا الى الظروف الطبيعية، بل الى مجمل الظروف العيانية المكانية و التاريخية التي رافقت حياة هذا الشعب أو ذاك. فان تقدم أوروبا على غيرها ما كان يحصل، لولا تراكم مجموعة من العوامل التاريخية السابقة، ولولا تفاعلها وتأثرها بالشعوب والأمم الأخرى. وان تقدم الاسلام وانتشاره ما كان ليحصل أيضا" لولا تفاعله مع المسيحية، ومع التراث الثقافي لشعوب الشرقيين الأدنى والأوسط. ويضاف الى ذلك عنصر هام، وهو أن كل مرحلة تاريخية كان يتحكم فيها هذا الطرف أو ذاك بالمفاصل الأساسية للتجارة العالمية كانت تزدهر فيه معالم التقدم. واوروبا لم تحتل المرتبة الأولى في التقدم الاجتماعي، لو لم تتحكم بالمفاصل و القطاعات الأساسية للتجارة العالمية .

وفي دراسته هذه عن الحضارة الاسلامية ، يبين برتولد بأن التقدم استمر في كافة الميادين ، حتى بعد ضعف سلطة الخلافة . فبعد القرن الحادي عشر يبين كيف أن إيران ، التي حملت لواء الاسلام ، تابعت التقاليد الايجابية في تلك الحضارة ، وذلك ابتداء من القرن الخامس عشر ، وتجدر الاشارة إلى الفترة التي امتدت من القرن الخامس عشر وحتى أواخر القرن التاسع عشر ، لم تدرس حتى الآن دراسة دقيقة وعميقة . فمع تطور حركة الاستشراق منذ أوائل القرن السابع عشر ، كتابة الآلاف من الابحاث والدراسات التي فيها الكثير من الستريوتيبات المشوَّهة عن الشرق ، بدأ الشرق والمثقّف الشرقي ينظر إلى شرقه وواقعه بعين غريبة.

والذي يؤسف له ، أنه حتى الآن لم تتوفّر لا المخطوطات الأصلية لتلك المرحلة ، ولا الكوادر العلمية الكفؤة ، الشرقية والغربية ،التي تتناول المرحلة بالبحث والتحليل والاستنتاج. كما أن وجود مفكرين نزيهين ، أمثال برتولد وغيره ، لم يولوا تلك الفترة أي اهتمام ملحوظ . فهذه الفجوة الكبيرة ، مازالت غامضة لدى معظم الباحثين وبالتالي القراء والشىء المتداول عليه ، أن الشرق الاسلامي غرق منذ القرن الخامس عشر في سبات عميق بيد أن بعض الدراسات الغربية والروسية ومنها ابحاث المؤرخة سمالينسكيا تؤكد على أن نمواً ديموغرافياً واقتصادياً وثقافياً حصل في المدن الشرق أوسطية ، الممتدة إلى حوض البحر المتوسط . مما لا شك فيه ، أن تلك المرحلة شهدت ركوداً ملحوظاً للحضارة العربية الاسلامية ، وهذا الركود جاء في الوقت الذي تحوَّلت فيه أوروبا إلى قوة اقتصادية كبرى ، وامتدت سيطرتها لتطال أسواق آسيا وافريقيا ، رافق هذا صياغتها لتاريخ اوروبا وآسيا ضمن المنهج البراغماتي ، الذي سلكته في سياستها الثقافية حيال العالم . هذا العامل ، إلى جانب العوامل الأخرى الداخلية ، أدى إلى انهيار ما يسمى بنظام الخلافة العربية . وحول هذا الموضوع يشير مونتسكيو :" إذا انـهارت امبراطورية بنتيجة صرف معركة من المعارك ، فذلك لأن ثمة أسباباً عميقة تنتج لهذه الامبراطورية أن تسقط بعد هزيمة واحدة "

مع هيمنة الفلسفة البراغماتية على السياسة الخارجية الأوروبية ، قامت حركة الاستشراق لتشكِّل إحدى أهم الأسلحة الفكرية بيد أوروبا ، وانبرى عدد من المستشرقين ليؤكدوا على أن أوروبا هي مركز الثقافة العالمية ، منها بدأت الحضارة ، وفيها تتطور نحو الأعلى . هذه النزعة الاقليمية ، التي أطلق عليها فيما بعد تسمية " المركزية الاوروبية " ، تجاهلت وجود حضارات عريقة في كل أنحاء العالم بما فيها منطقة الشرق الأوسط . ولعلَّ هجومها كان مركزاً ومنذ البداية على منطقتنا ، لأهميتها الاستراتيجية من الناحيتين الاقتصادية والثقافية . ففيها بُنيت أقدم الحضارات وأعرقها ، ومنها انتشرت ولمدة ثمانية قرون الحضارة العربية الاسلامية في بقاع شملت ثلث الكرة الارضية . فالدورة الحضارية على أرضنا لا تستقر في مكان واحد ، فهي تنتقل بين فترة تاريخية وأخرى من منطقة إلى أخرى . ويتحكم في عملية الانتقال مجموعة من الاسباب الاقتصادية والثقافية والمعنوية ، بيد أن الحقيقة التي لا يستطيع أن يدحضها أنصار " المركزية الاوروبية : أو أنصار " المركزية الاسيوية " ، هي التفاعل الدائم والتأثر والاغتناء المتبادلين بين ثقافات الشعوب والأمم . وان الحياة هي للانفتاح الانساني ولسيادة المثل والقيم العادلة والمتكافئة بين البشر. وهذا ما أكد عليه الأكاديمي برتولد في كتابه " الحضارة الاسلامية" فهذا البحث يتألف من الفصول التالية : الشرق المسيحي وأهميته بالنسبة للإسلام بداية عصر الخلافة والثقافة العربية بغداد والحياة الثقافية العربية اللاحقة الحضارة الايرانية وتأثيرها على البلدان الاخرى الفتوحات المنغولية وتأثيرها على الحضارة الايرانية العالم الاسلامي بعد القرن الخامس عشر . في هذه الفصول ، يؤكد على حيثيات التأثر والتأثير الحضاريين اللذين تما بين الشرق المسيحي والاسلام . وما تلا ذلك من تحوّلات وتغيرات نوعية طرأت على مسيرة الحضارة العربية الاسلامية . ويثبت نظريته التي يؤكد عليها دائماً ، وهي أن الاغتناء والتفاعل الحضاريين لم يتوقفا لحظة بين شعوب منطقة الشرقين الأوسط والادنى . بيد أن صغر حجم الكتاب لم يمكّن مؤلفه من إعطاء تصوّر شامل ودقيق للمراحل المختلفة التي رافقت الحياة الثقافية للحضارة العربية ، ولم يتوقّف بالتفاصيل عند الأشياء الجديدة التي قدمتها للإنسانية ولا عند تأثيرها على حضارة عصر النهضة الأوروبية . هذان الموضوعان ما زالا حتى الآن قيد الدراسة والبحث. ويبدو أن برتولد وضع أمامه وضع أمامه في البداية مهمة إعطاء لوحة عامة عن تاريخ الحضارة الاسلامية ، دون أن يتوقف عند أهم تجلّياتـها في الفكر والعلم والفن وغير ذلك . كما أن قسماً من الكتاب لا يتصل مباشرة في الاسلام ، وهو على الرغم من بعده عن الغوص في خصائص تكوّن هذه الحضارة وتطورها ، ارتدى ويرتدي أهمية ملموسة لكل مؤرخ أو قارئ يهتم بدراسة تاريخ الشرق .

مع إصدار كتابه الثالث " العالم الاسلامي " ، يكون برتولد قد أكمل ما أفتقر إليه مؤلفه " الحضارة الاسلامية " ، إذ إنه تناول في فصوله الخمسة ، الموضوعات التالية : حول مفهوم العالم الاسلامي ، تاريخ العالم الاسلامي كجزء من التاريخ العالمي التركيبة الاتنوغرافية للعالم الاسلامي ، مكانة اللغة العربية في الأدب العربي الأعمال الأساسية المكتوبة باللغة العربية حول تاريخ الاسلام وحضارته أعمال العلماء الأوروبيين حول تاريخ العالم الاسلامي وحضارته الكتابات المدرسية المعاصرة والكتابات المدرسية في اللغة الروسية .

لقد أعطت هذه الفصول تصوراً شاملاً عن تاريخ العالم الاسلامي ، ودرسته ليس كحالة خاصة منعزلة عن غيرها ، بل كجزء لا يتجزأ من التاريخ العالمي ، وتناولت أبحاث كلّ من الطبري والشهرستاني والأفغاني وقاسم أمين حول هذه المسائل ، كما أنها تناولت بالاستعراض والنقد والتحليل اعمال : غولتسهير وآرون ودوزي وسابلوكوف وروزين . وكذلك الكتب المدرسية التي تلخصّ في نهاية المطاف أفكار المستشرقين حول تاريخ العرب. وأبدى برتولد في هذا الكتاب تحفظه ونقده للمكانة الضئيلة التي تعطى لتاريخ العرب وإسهاماتـهم في صنع التاريخ الانساني . وكتاب " العالم الاسلامي " ، يعتبر من الكتب الهامة التي ألفها برتولد . فرغم أن أسلوبه مبسّط ، فإن كل فكرة من أفكاره تستدعي التأني في قراءتـها والتمعّن في مضمونـها . وهنا ، تجدر الإشارة إلى مسألة جديرة بالانتباه ، فقد نخالف رأي معظم الباحثين الذين أطلقوا صفة اللغة المبسّطة والميسّرة على كتبه الثلاثة حتى يتوصل البعض إلى نفي الصفة الاكاديمية عنها . فهي تشكل ، برأينا ، مادة علمية قيّمة للقارئ المبتدئ وللاختصاصي المجرِّب في هذه المواضيع المطروحة . كما أنها تخاطب وبلغة ذكية مشاعر القارئ وعقله . فقد يجد القارئ صعوبة في بداية قراءته لكتبه الثلاث  ، إلاّ أنه سرعان ما يكمل المشوار مع الكتاب حتى آخر صفحة . وهذا ، يرجع إلى قلة المراجع الرصينة في عصر برتولد الذي يبدأ بالأشياء العامة المعروفة ، ويمضي مع القارئ إلى الأشياء غير المعلومة ، ليصل به إلى نهاية يكون فيها قد كّون حصيلة من المعلومات الجديدة تساهم في توسيع معرفته العلمية ، وفي تقربه من الحقيقة الموضوعية ، التي لها وحدها دون سواها تكتب الحياة والديمومة .

وفي عام (1917) ، نشر برتولد بحثاً بعنوان " القرآن والبحر" يتم الاعتماد فيه ولأول مرة في تاريخ الدراسات الاسلامية في روسيا على الآيات القرآنية . ويتم تحليلها مبيناً موقف الاسلام ونبيّه محمد من البحر ، فلقد كان العرب يستغيثون الله بواسطة البحر . وبعد أن يستعرض برتولد آراء بادر وليمنس وهرشفولد ومكادونالد عن موقف الاسلام من البحر ، يخلص إلى أن " تصورات محمد عن الله تكوّنت تحت تأثير الفكرة المسيحية عن وحدة الله ، لا الفكرة اليهودية . وهي تؤكد كل يوم الأبحاث العلمية عن منشأ الاسلام ، وكتب حول هذا الموضوع عدة دراسات ، أهمها : "كارل الكبير وهارون الرشيد" ، "ممثلة روما في بغداد في القرن العاشر" "تركيا بين الاسلام والمسيحية". وهو في المقالات يتعرض للمراحل التي مرَّت بها العلاقات المسيحية الاسلامية . فيبيّن فترات السلام والصداقة بين الطرفين ، وفترات العداوة والصراعات الحربية .

وكتب عدة أبحاث عن الخليفة الثاني عمر . فيها يسلِّط الأضواء ، ولأول مرة ، على المعلومات المتناقضة حول شخصية السياسة الاجتماعية ، وبالذات فتة الثلاث سنوات التي تحكم فيها ، (717-720). هذه الفترة مميّزة في تاريخ الخلافة العربية ، إذ إنها شهدت تحول وتجسّد الدين إلى سلطة مدنية . وشهدت بروز عدد من التناقضات داخل جهاز سلطة الخلافة، أصبحت فيما بعد موضع نقاش وتحليل المؤرخين حتى عصرنا هذا .

كما تناول برتولد في عدد من كتاباته العصر الأموي . وقد انتقصت هذه الكتابات على حدّ قول بعض المؤرخين الدقة العلمية ، إذ أثارت جدلاً بين المستشرقين والباحثين . ترك برتولد هذا الموضوع لفترة من الزمن ، ومن ثم عاد وكتب عنه في " الانسكلوبيديا الاسلامية " مقالة تحت عنوان :" العصر الأموي في الأبحاث المعاصرة " ، يستعرض فيها محللاً أهم الدراسات التي كتبها حول هذا الموضوع كل من ليمنس وبيكر وكيتاني ، وغيرهم. بعدها ، تناول تاريخ الحركات والانتفاضات السياسية في الاسلام ، فكتب بحثاً تحت عنوان: "حول تاريخ الحركات الدينية في القرن العاشر" . يحلّل فيه أفكار وتعاليم ابن أبي العساكر، ويشير إلى مصير حركة الحلاّج التي أنتهت بقمع وإعدام أهم المشاركين فيها . وفي معرض حديثه عن هذه الحركة ، تناول آراء المستشرق الفرنسي المعروف لوي ماسينيون عن الحلاّج . فلم يتفق معه حول تقويمه لجوهر الانتفاضة ، كما أنه أعاب على ماسينيون الاتجاه الصوفي في فلسفته .

 

أمّا في دراسته : "علماء النهضة الاسلامية " فيناقش برتولد كتاب المستشرق الالماني ميتس،"die Renaissance des Islames" ،فيستعرض في البداية آراء كل من كراتشكوفسكي وبيكر . فيؤكد الأول وجهة نظر ميتس حول تسمية الازدهار الثقافي في القرن العاشر بالنهضة الاسلامية . أما بيكر ، فينكر هذه التسمية ، ويعتقد بأن ميتس ضخَّم من حجم هذا الازدهار ، فهذا ، حسب رأيه ، ماهو إلاّ بعث للتراث الهيلليني في الثقافة الاسلامية . ويشير بيكر إلى أن كتاب ميتس يخلو من الإشارة إلى وجود ما يسمّى بنهضة حقيقية ، ويحاول تدعيم رأيه هذا بالقول : بأن ميتس لم يتمكّن من كتابة المقدمة لمؤلّفه ، فلقد داهمه الموت قبل إصدار الكتاب . وقد قام بهذه المهمة الناشر ، (Reckenefort)، الذي أشار إلى أن كلمة (Renaissance) لم يأتِ على ذكرها المؤلف إلاّ في (الصفحة 264) وذلك في معرض إشارته إلى الأدبيات الجغرافية العربية ، وفي تقييمه لدور الكندي "einesHauptvermittlersgrichischerWissenschaft" . ويقول بيكر بأن الناشر أشار إلى أن ميتس لم يكن راضياً عن عنوان كتابه ، بيد أنه لم ير أفضل منه . كما هو ملاحظ ، أن بيكر في تقويمه هذا ، ينظر إلى الازدهار الثقافي العربي الاسلامي في القرن العاشر ، بعين " المركزيين الأوروبيين " ، فهو يقارن بين النهضة الاوروبية والنهضة الاسلامية ، ويعتقد بأن الازدهار الثقافي ما هو إلاّ " ازدهار " أو تكرار لثقافة اوروبا القديمة اليونانية . فالمقارنة ،وإن كانت بعيدة عن الرؤية العلمية ، فهي أسيرة الرؤية اللاتاريخية للأمور . فلنتفق جدلاً ، ولو من باب الشكليات ولتكن اوروبا هي مقياس المقارنة ، ولنجر مع بيكر مقارنة ثقافية حضارية بين الشرق الاسلامي وبين اوروبا في القرون الوسطى . ألم يشهد هذا الشرق نموذجاً جديداً للحضارة والتقدُّم العلمي والاجتماعي ؟ ألم يكن هذا الشرق محط أنظار رجالات العلم والثقافة والسياسة في أوروبا ؟ فعلى حد قول الباحث الروسي ارتور سعدييف: " إذا أردنا تلخيص تأثير الحضارة العربية الاسلامية على أوروبا لوجودنا في مصطلح:"Secularization" (العلمنة). فمن المتعارف عليه ، أن أيّة حضارة تتمثّل عادة عناصر الحضارة الأخرى ، عندما تشعر بحاجة إلى هذه العناصر ، وتكون على استعداد لاستيعابـها . وقد كان لدى المجتمع الاوروبي الغربي في العصر الوسيط ما يكفيه من التديُّن والروحانية، في حين نضجت في أحشائه قوى لم يكن ليشبعها هذا الغذاء الروحي ، فوجدت في الحضارة العربية الاسلامية ما يسد حاجتها إلى غير هذا الغذاء . ومن السمات البارزة التي أخذتـها أوروبا الغربية عن الشرق الاسلامي ، كانت الروح العلمية والاندفاع نحو التمتع بمباهج الحياة ( ومنها ما يرتبط عند مونتغمري واط بفن " الحياة الجميلة ") . فالتفكير الحر المتفائل الذي جاء عن طريق العرب ، والذي تغذّى من الفلسفة التي بعثت من جديد ، مهدّ الطريق لظهور مادية القرن الثامن عشر " .

فهذه حقائق تاريخية لا مجال للتشكيك بها ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، لماذا لا يُنظر إلى هذه النهضة في إطارها التاريخي وفي تجلّياتـها في ميدان الإبداع الفكري والجمالي والادبي وحتى الاقتصادي . أمّا برتولد ، فيرى أن التسمية صحيحة بالنسبة للعالم الاسلامي . وبعدها ، يتوقف عند الفصل الثاني عشر من كتاب ميتس ، المكرّس لمفهوم العالِم والأديب والعالم ، فالاديب في الفلسفة العربية الاسلامية . فيستعرض وجهات نظر المؤرخين المسلمين حول الفرق بين الأديب والعالم ، فالأديب حسب رأي الياقوتي هو الذي يختار الأشياء الأفضل ويجمعهم في هدف واحد . بينما العالم يحاول أن يجيد حقل واحد من حقول المعرفة ليجد فيه الكمال . ثم يستعرض برتولد ما توصل إليه ميتس من تصنيف لرجال المعرفة والعلم والأدب ، فهناك الفيلسوف والطبيب والشاعر والخطيب والأديب والفقيه الذين ساهموا في الازدهار الثقافي . كما انه يؤكد على حب العرب للعلم ولطلاب " الحديث" و " الأدب" ، وعلى دعمهم السخي لأيّ جهد يُبذل من أجل دفع حركة المعرفة والعلم إلى الامام . كما يبين انشداد رجالات العلم إلى الأعمال التي يقومون بها ، ولا مبالاتـهم حيال الملذات الحياتية الدنيوية ، واهتمامهم في بناء قاعات للمطالعة ومكتبات وبيوت لرجالات الفقه والعلم . ويبين تقرّب وودّ الوزراء المتنوّرين للمفكرين والفلاسفة .

لقد أولى برتولد اهتماماً خاصاً لنقد التيارات العصوية الدينية ، لدى بعض الباحثين الذين تجمّعوا حول مجلة " التبشير المناهض للاسلام" ؛ فلقد تابع برتولد تقاليد استاذه روزين في نقد اتجاه هذه المجلة ، ومن وراءها من منظري البلاط القيصري والمستشرقين اليهود المتأثرين بالأيديولوجية الصهيونية . وفي معرض تقويمه لكتاب المؤرخ الروسي تسفيتكوف، شن سهام نقده العلمي لكل من يتحيّز للعصبوية الدينية وللاتاريخية ن فيشير إلى: " أن الحضارة الاسلامية هي ظاهرة تاريخية ، ليست من البساطة بمكان لكي يتناولها المرء بمقالة أو ببحث صغير . فلا يمكن إدراك الحياة المعاصرة للعالم الاسلامي بدون معرفة الماضي . وفي هذا الحقل من المعرفة ، كما هي الحال في أي حقل آخر ، تقتضي الضرورة التوقّف عند الانجازات التي توصلت إليها الأبحاث العلمية ، لا التسرّع في الاقتباس العشوائي لبعض المقتطفات من الكتب المدرسية . فهذه الحقائق البسيطة لم يدركها للأسف في روسيا إلاّ عددّ قليل من الاختصاصيين "

الشىء الذي غاب عن أبحاث  برتولد ، هو استقراء وتحليل الظروف التاريخية التي أدّت إلى نشوء الاسلام . والذي غاب عن أبحاث برتولد ، هو استقراء وتحليل الظروف التاريخية التي أدّت إلى نشوء الاسلام . والذي شكّل ظاهرة تاريخية أدت إلى تحوّل نوعي في حياة العديد من الشعوب الشرقية ، وامتد ليشكّل ظاهرة عالمية . فهذا التحوّل لم يأتِ إلاّ بعد تراكم عدد من العوامل الروحية والسياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية ، التي كانت تعيشها شبه الجزيرة العربية . ولم يتوقف برتولد عند هذه المسألة ، فقد كان محور اهتمامه منصباً على التفاعل السياسي والثقافي بين هذه البيئة وبين سورية المسيحية وإيران واليمن التي كانت تتعايش فيها سايقاً ديانات توحيدية ثلاث . ويقول برتولد إن الصراع الايديولوجي ، الذي تمثّل بين الوثنين والتوحيديين، لا يعتبر كما يظن بعض مفكري الاسلام الدوغمائيين ، السبب الاساسي الذي أدَّى الى نشوء الاسلام ؛ففي مقالاته "مسيلمة" المخصصة لهذا الموضوع، يشير الى "أن بداية انهيار التيار الوثني حملت دلالات واقعية ، فهي تجسّد و تمثّل على أرض الواقع بداية انهيار العلاقات القبلية " . يصل إلى هذا الاستنتاج دون أن يتوسع فيه ، ويمضي إلى القول " بأن الاسلام يتميّز عن كل الأديان بعدم ارتباطه الوثيق بالماضي " .

هذا الاستنتاج ، يناقض موقف مؤلفه الذي يؤكد على دور الماضي في صناعة الحاضر . كما أن الوقائع تؤكد على العكس من هذا ، فمجمل العلاقات الثقافية والاقتصادية والروحية التي كانت تعيشها شبه الجزيرة العربية ، شكلت الأرضية التاريخية لنشوء الإسلام . فالكثير من المفاهيم والصور والمصطلحات والوقائع التي جاءت في القرآن ، كانت متداولة في هذه المنطقة . بكلمة إن الاسلام شكَّل التحوّل النوعي في الحياة الروحية والمادية لشعب شبه الجزيرة العربية ؛ وكان الامتداد التاريخي الطبيعي لتطّور الأفكار الدينية في وعي هذا الشعب . مما لا شك فيه ، أنه كان للعلاقات المتبادلة السابقة واللاحقة بين الاسلام وبقية الاديان والحضارات خارج إطار شبه الجزيرة العربية ، دوراً هاماً في الازدهار الثقافي والاقتصادي ؛ وهذا ما أكد عليه برتولد مراراً . بيد أن العامل الأساسي ، الذي أدّى إلى نشوء الحضارة العربية الاسلامية ، برأينا هو مجمل العوامل التاريخية الداخلية التي عايشتها الجزيرة قبل القرن السابع .

إن هذا البحث لا يدعي الإحاطة الشاملة بأعمال  برتولد ولا يكشف مجمل مواقف برتولد من الحضارة العربية الاسلامية ، لا سيما وأنه كتب المئات من الابحاث والتعليقات والترجمات حول هذه المواضيع . فلقد نشر في " الانسكلوبيديا الاسلامية " لوحدها 0 (247) مقالة علمية عن الاسلام والحضارة العربية الاسلامية وتاريخ آسيا الوسطى . وكتب (37) عملاً في اللغات الاجنبية معظمها في الالمانية . وترجم له حوالي (78) عملاً [24 إلى التركية ن 15 إلى الالمانية ، 14 إلى الانكليزية ، 5 إلى الفارسية ، 3 إلى العربية وغيرها ] . ولقد تم العثور في أرشيفه ، الذي جمعه العلماء ياكوبوفسكي وكليموفتش وخايدوف ، على دراسات جديدة عن النبي محمد ، وعن موقف الاسلام من المرأة ، وعن انتشار الاسلام في المناطق المتاخمة للبحر الأسود . إلى ذلك فقد قام بتحليل وتقويم أهم الدراسات الاسلامية في عصره ، وشارك بنشاط في العديد من المؤتمرات العلمية العالمية حول الاسلام والحضارات الشرق اوسطية ، التي عقدت في كل من لندن وباريس وبراغ وبتروغراد ولايبزيغ .

لقد صمدت أعمال برتولد أمام عجلة الزمن ، ودخلت عن جدارة السجل الذهبي في تاريخ العلم . وخير دليل على ذلك ، هو إعادة جمع مؤلفاته وطبعها في مجلدات تسع .

حتى الآن ، مازال اسم وتراث هذا العالم الكبير يلمعان بين المستشرقين الغربيين ، المهتمين في دراسة الاسلام وظروف تطوُّره وانتشاره . فمعظم دراساته ، مازالت تثير اهتمام كل الذين يدرسون العام والخاص ، في تاريخ الحضارات وحيثيات العلاقة بين الشرق والغرب ، وخصائص تكوّن العقل الشرقي والغربي .

غير أن دراسات برتولد حول الحضارة العربية الاسلامية ، جاءت لا لتصنع منها رمزاً ونموذجاً ، يمكن الرجوع والركون له في أيّة أزمة ثقافية وحضارية راهنة ، يعيشها الشرقي في منطقته أو الغربي في إطار حضارته الغربية . بل هي محاولة جادة من قبل عالِم موسوعي أوروبي لدراسة إحدى المراحل التاريخية ، التي سُرت بها البشرية في القرون الوسطى ، وذلك من اجل معرفة الذات الاوروبية والروسية ، من خلال معرفة تاريخ "الغرب" . كما أنها جاءت لتسلط الأضواء على كل ما هو محب للحرية والانسانية والعدالة . ومن هنا ، تكمن أهميتها لأن هذه القيم هي ملك لكل إنسان أينما كان . وهي ، وإن كانت في شموليتها تعطي تصوراً عاماً شاملاً ، وإن كانت لم تدخل عمقاً في تحليل الشخصية العربية الاسلامية ، فلقد فتحت الطريق أمام دراسات علمية جادة في ميدان الاستشراق الروسي ميّزته عن الاستشراق " المركزي الأوروبي ، الغربي " بعيدة عن اتجاه الهيمنة الثقافية الاقتصادية ، التي كانت المحرّك الاساسي والهاجس الأهم للدراسات الغربية عن الشرق . وإننا نعتقد بأن إبراز مؤلفات برتولد يساهم في تقريب الوجه الانساني في الثقافة الغربية عن ثقافتنا وتراثنا .

 

د. سهيل فرح (أستاذ الفكر الغربي في الجامعة اللبنانية، عضو أكاديمية التعليم الروسية)

 

 

الهوامش

 

(1)               راجع الرسائل الروسية للأكاديمي روزين ، رقم 231 – 232 ؛ المتحف الآسيوي التابع لأكاديمية العلوم السوفياتية ، لينينغراد 1929. (بالروسية)

(2)               مار.ي. برتولد ، كمؤرخ وعالم . " أخبار أكاديمية العلوم" – موسكو 1931 ، رقم 1931 ، رقم 1 – (ص 12 – بالروسية ).

(3)               P.Pellios, W. Barthold; – “ToungPao” TXXXVII, 1930, P 459

(4)               Sir E. Dension Ross; Obituary Professor Barthold, – “ the times “ London 26. VIII, 1930.

(5)               راجع مجلة " الشعلة " ، موسكو – تشرين الثاني/ نوفمبر 1926 ، عدد 40 ، (بالروسية)

(6)               راجع مجلة " عالم الإسلام " – عدد 1 – 1912 ،(ص 2 – بالروسية )

(7)               المصدر نفسه ، راجع (ص 441).

(7 مكرر) A.F. Kpemer , Geschichte der herrchendenIdeen des Islsms Wien , 1968

(8)               برتولد : " عالم الإسلام " (ص 77 – 78)

(9)               المصدر نفسه ، (ص81).

(10)           " عالم الإسلام " عدد 1 (ص 4،79،80)

(11)           برتولد : المؤلفات الكاملة ، المجلد السادس – موسكو 1966،(ص 136 بالروسية )

(12)           المصدر نفسه، ( ص 137)

(13)           كراتشكوفسكي ا. : المؤلفات المختارة ، المجلّد الخامس – موسكو / لينينغراد 1958 (ص 254 بالروسية )

(14)           المصدر نفسه ، (ص 355)

(14 – مكرر) A. Metz, Die Renaissance des Islam, – Heidelberg, 1922

(15)            J. Hell, Die Kultur der Araber, – Leipzig, 1909

)15 أ) برتولد ف. : المؤلفات ، الحضارة الإسلامية – المجلد السادس ، موسكو 1966 ، (ص 146 بالروسية)

(16)           راجع روجيه غادوري : حوار الحضارات – بيروت 1978 ،(ص 107)

(17)           راجع بندلي الجوزي : دراسات في اللغة والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي عند العرب – دار الطليعة ، بيروت 1977،(ص 201)

(18)           راجع برتولد : المؤلفات ، المجلد السادس – موسكو 1966 ،(ص 617)

(19)           راجع مقدمة سعييف . أ، لكتاب منتغمري واط :" تأثير الحضارة العربية – الإسلامية على أوروبا ، (الترجمة العربية للدكتور جابر أبي جابر ، مراجعة الدكتور توفيق سلوم ) – دمشق 1981 ،(ص 32).

(20)           برتولد : المجلد السادس ،(مصدر سابق ) ، (ص 12)

(21)           المصدر نفسه ،(ص 556)

(22)           المصدر نفسه ، (630)

(23)           يمكن الرجوع الى البيبليوغرافيا ، التي أعدها البروفسور أمينيكوف عن أعمال برتولد الكاملة ، هيئة تحرير الأداب الشرقية – موسكو 1976 ، (بالروسية)

 

تاريخ دراسة أرشيف برتولد ، من كتاب : العلاقات النقدية والتجارية الشرق – أوسطية في القرون الوسطى – دار العلم للملايين ، موسكو 1979 ،(ص 246 – 262 ، بالروسية)

كلمات مفتاحية: سهيل فرح، حضارة غربية، إسلام، بارتولد، ستريوتيبات، علم، ثقافة