الرئيسية » جماليات » الفن والجمال في حضارة الإسلام – د. عمر بوساحة (الجزائر)
lfn_wljml_fy_hdr_lslm.jpg

الفن والجمال في حضارة الإسلام – د. عمر بوساحة (الجزائر)

 
 
في الحصة التي كنت ضيفها على قناة العربية، دار النقاش حول سؤال محوري يخص موقف الدين الإسلامي من الفن خاصة ومن الجمال بشكل عام. وهل حقيقة أن الإسلام حرَم صراحة الإشتغال ببعض الفنون كما يورد غلاة السلفيين في مواقفهم الدينية؟ وفي الجلسة التي أشرف عليها الأستاذ محمود الورواري المعدَ لبرنامج "منارات" تبين من خلال النقاش أن الإسلام بريء من هاته المواقف، وبأن أغلب ما ورد في القرآن الكريم  وفي السنة،  كلام عن استعمالات الفن وليس عن الفن بشكل مطلق. فعن فنون النحت مثلا تكلم الإسلام عن استعمالها في العبادة وليس عليها في ذاتها، ذلك أن الأنصاب لم تكن موجودة في شبه الجزيرة سوى للعبادة. فحياة البداوة والترحال كما يعرف الجميع لا تقتضي وجود مثل هاته الفنون. وقصة جلبها من الشام ونصبها حول الكعبة من طرف "عمرو بن لحي" قصة  معروفة  في كتب التراث. وعن الشعر، فلأ ن الشعر استعمل لأغراض معادية لرسالة الإسلام كما هو الشأن بالنسبة للشاعر "النضر بن الحارث" منافس الرسول الشهير، أو في المجون الفاحش كما هي حال أبيات امرئ القيس التي تبتدئ ب : ومثلك حبلى قد طرقت ومرضع ….. فألهيتها عن ذي تمائم محول.  ونفس الأمر ينطبق عن الموسيقى وباقي الفنون. فليس هناك تحريم إلا من جهة الإستعمال وليس للفن ذاته كما يزعم بعض من علماء الدين في تأويلاتهم. لقد كان الرسول "ص" من متذوقي الشعر وشعراءه معروفين، بل إنه لم يمنع حتى ذلك الشعر الذي يتغنى بمشاعر الحب الإنسانية كما وردت في قصيدة "كعب بن زهير" التي قرأها كعب في حضرته والتي ورد فيها بيتا يعده بعض النقاد القدامى أجمل ما قيل في وصف قوام المرأة. وكان الرسول يقول دائما: ما ذكر لي اسم شاعر إلاَ وأردته أن يكون كعنترة، الذي كان يحب شعره كثيرا ويردد بيته الشهير: ولقد أبيت على الطوى وأظله …. حتى أنال به كريم المأكل .
  لقد انتبه الفلاسفة المسلمون وبعض الفقهاء مبكرا إلى  هذا الأمر ونبهوا عليه. ومنهم الفارابي والغزالي وإخوان الصفا وابن رشد وآخرون، وبنوا نظرياتهم في الفن عموما وفي الشعر بالخصوص على هاته القواعد، وأعمالهم معروفة في هذا الشأن. وكمثال على ما نقول ما قام به أبو نصر الفارابي في  رسالته حول  صناعة الشعر أو في كتابه الموسيفى الكبير. الفارابي الذي لم يكتف بالتنظير للفن بل كان من كبار الموسيقيين المسلمين الذين ضربت حول عبقريتهم الموسيقية الكثير من الأساطير. وقد ظهرت الكثير من صور الملوك والسلاطين على النقود التي صكت فترتها وعلى الأقمشة والزرابي، وتظل كثير من منحوتات الحيوانات في الحدائق وحول القصور في الأندلس بالخصوص تدل على أن حضارة العرب المسلمين لم تكن بهذا القبح الذي يريده دعاة  التحريم. 
أما عن اتجاه الفنون التشكيلية الإسلامية  جهة التجريد، فلا يعود الأمر باعتقادنا لتوجيهات الإسلام فقط، بل إن هذا الأمر سابق للإسلام بكثير. وإطلالة سريعة على تاريخ الفن الشرقي عموما وكذلك على فن شمال افريقيا عندنا تبين أن فنون هاته الشعوب اتجهت في الغالب هذا الإتجاه. بمعنى أن الإسلام قد وجد ضمن البلدان التي وصلها في تمدده شعوبا لها حضارتها وثقافتها التي تميزها ومنها الفنون غير المجسدة، كالفنون الزخرفية والمنمنمات وغيرها التي ميزت ثقافة الشعوب الزراعية عموما، وهي لا تزال مستمرة إلى حدَ الآن. ولعلَ المتفحص في الصور المنقوشة على الزرابي والأواني المنزلية وغيرها يعثر حتى على صور وثنية تعود إلى تاريخ سبق الإسلام بكثير. إنها ثقافات الشرق القديم التي كانت تعتقد بأن الصور تسكنها الأرواح وبخاصة الشريرة منها، لذلك وجب التخلص من كل صور الكائنات الحية ومن التماثيل. وحتى تتضح الصورة أكثر،  نشير إلى أن الديانات التوحيدية الأخرى حملت نفس التوجيهات بخصوص الفنون، ومن ذلك ما ورد في سفر الخروج الإصحاح 20 من العهد القديم، فهو يأمر بشكل واضح بالتوقف عن استعمال المنحوتات لأنها مصدر للشرك بالله. ولكن اليهود سرعان ما عادوا إلى هذه الفنون لضرورتها للحضارة، وظل نفر منا يردد كلاما تآكلت كلماته وتحللت، يسيء للإسلام  ويسيء للذوق السليم لدى الإنسان.