الرئيسية » حضاريات » الضرير الرائي – عبد الله البردوني / الجزء الثاني
الضرير الرائي

الضرير الرائي – عبد الله البردوني / الجزء الثاني

أما التمثيلية الواقعية للموصلي فهي «لعبة المنار» لأنه قصّ فيها أحداث الحروب الصليبية التي عاصرها أو تأثر بأخبارها، وقد كانت كل هذه التمثيليات المكوّنات الأولى لمسرح «خيال الظل» أو «الأراجوز» أو «مسرح العرائس» أو «معرض الدمى» في مصطلح الكنيسة الأوربي. لكن العهد الأيوبي لم يشكل بداية خصبة لمسرح عربي متنام لاقتصاره على قصور الخاصة وأهل الأدب، كما أفصح عن ذلك ابن دانيال في مقدمته الشعرية لكل مسرحياته.

فهذه التمثيليات لم تأت من فراغ مهما كانت هازلة، وإنما تنامت كل الفنون من قبل هذه التمثيليات ومواكبة لها، فقد ولدت المقامات من دوحة الشعر وتطورت كقصة ذات حكاية أو حكاية ذات قصة وبطل خيالي: كأبي الفتح الإسكندري عند بديع الزمان، والحارث بن همام عند الحريري… غير أن المقامات من الخوارزمي إلى البديع إلى الحريري حاكت الشعر الرسمي من ناحية معجمها، ومن ناحية مضمونها باعتبارها ثانية الشعر في التعبير عن الأيديولوجية الرسمية.

لهذا كانت الحكايات العامية المثيرة أدب الشعب أو سامر تجمعاته، وقد سمي الحاكم في بلادنا بالمخبّر لأنه يخبّر عما رأى من الأحداث أو يسرد ما سمع من أصحاب الذكريات، على أن الحكاية الشعبية لم تستحوذ على الميادين الفنية: كألعاب الباله، والأغاني، والمهاجل، والزوامل، والقشعي… وكلها أدب الشعب لأنها من صنعه ومن مروياته، وعن الموضوعات التي تهمه بدون أن يعرف لها قائل معين وإنما هي صوت الشعب وترديد الشعب. ولعل أغلب الحكايات، إن لم تكن كلها، تمجيد للأرض كملجأ أمين وكإجابة كل نداء، باعتبارها منبت الناس والبشر ومصدر الاستقرار الحضاري.

من «فنون الأدب الشعبي في اليمن»، 1987 –  الضرير الرائي

يظلّ (1929ـ1999) شاعر اليمن الأبرز، الأعلى فصاحة وإعجازاً وتمرساً، سواء على صعيد اللغة وتنوّع الموضوعات والإيقاعات؛ أو النهل العميق من تاريخ اليمن وفنونه وثقافاته. وهو إلى هذا وذاك، الرائي المبصر، وهو الضرير منذ سنّ السادسة، الذي استحقّ الانتماء إلى إرث زرقاء اليمامة؛ فضلاً عن كونه، أخيراً، ذلك النموذج اليمني الرفيع من أمثال بشار بن برد وأبي العلاء المعري، ممّن قالوا شعراً رأى المرئيات لا كما يفلح في رؤيتها المبصرون.

ولد في قرية البردون، شرق مدينة ذمار، وأصيب بمرض الجدري وهو في السادسة من عمره، ففقد بصره. لكنه واظب على الدراسة، وأبدى نزوعاً جارفاً نحو نظم الشعر، قبل أن ينتقل إلى صنعاء فيدرس في جامعها الكبير، ثمّ دار العلوم، التي تخرّج منها حاملاً إجازة في العلوم الشرعية. وحين بدأ ينشر الشعر، أو يقوله في المحافل العامة، صارت قصائده بمثابة منشورات سياسية تحرّض على مقاومة العسف والطغيان، وتحثّ المثقف على اتخاذ مسافة نقد واضحة من السلطات، والانحياز إلى قضايا الشعب وهمومه وهواجسه. وعلى نحو ما، كان البردوني تقدميّ المزاج، إلى جانب دفاعه الدائم عن الحريات العامة وحقوق المرأة واستقلالية المجتمع المدني. وكان، في جلّ هذه المواقف، لاذع النقد ومرير الهجاء، فتُذكر له هذه الأبيات الشهيرة في نقد توقيع القاضي عبدالله الحجري على تجديد اتفاقية 1934، والتي ألقاها البردوني في حضرة القاضي نفسه: «فظيع جهل ما يجري/ وأفظع منه أن تدري/ وهل تدرين يا صنعا/ مَن المستعمر السرّي/ غزاة لا أشاهدهم/ وسيف الغدر في صدري».

من حيث الشكل، ظلّ البردوني وفياً للقصيدة الكلاسيكية وعمود الخليل، لكنّ موضوعاته لم تكن حداثية وطليعية، فحسب؛ بل كانت تشتغل على تجديد وئيد، ولكنه منهجي وطيد، للعناصر الكلاسيكية. مجموعته الأولى «من أرض بلقيس» صدرت سنة 1961، عن المجلس الأعلى للآداب والفنون، القاهرة، وكانت جهة النشر تلك دليلاً على علوّ كعبه المبكّر ونضجه الفني. وحين رحل، كان قد أصدر 12 مجموعة، وترك عدداً كبيراً من القصائد والمخطوطات. أما الجانب النقدي والفكري، فقد أسفر عن مجموعة كبيرة من المقالات والمؤلفات، لعلّ أبرزها: «رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه»، «قضايا يمنية»، «فنون الأدب الشعبي في اليمن»، «اليمن الجمهوري»، و«أشتات».