الرئيسية » سياسة واقتصاد » الديموقراطية في مواجهة السياسة
lkhyl_lsysy.jpg

الديموقراطية في مواجهة السياسة

نظام ديموقراطي، ولكن… إن اسراع أردوغان إلى افراغ الدولة من خصومه، وافراغها من الرأي الآخر يعني تدمير السياسة. إن نظاماً يسرع للتنكيل بشعبه، خاصة بالذين يخالفونه الرأي، يعني إنشاء مجتمع مغلق ضعيف يدور حول ذاته. لا يتطور الفرد أو المجتمع إلا إذا تجاوز ذاته أي إذا سمع من خارجه ما لا يسمعه من داخله، إذا سمع في بعض الأحيان، وربما في غالب الأحيان ما لا يريد ان يسمعه. لم يعد أردوغان يطيق سماع سوى صوته وأصوات المصفقين له. حوَّل الديموقراطية إلى أداة لإلغاء السياسة.

تعني الديموقراطية شكل الوصول للسلطة عن طريق انتخابات تمثيلية. وهي يمكن، بل يجب ان تمثل مختلف الآراء والأطراف في المجتمع. وإذا صارت تمثل طرفاً واحداً أو رأياً واحداً فهي تكون قد أُفرغت من مضمونها وصارت وسيلة لإلغاء السياسة برغم بقاء التمثيل الشعبي. ومن الممكن ان يصير الشعب، عند خلوه من التناقضات، ومن القدرة على استيعاب الآخر وآرائه ومصالحه بؤرة للفاشية، كاريزمية شعبية تعكس كاريزمية الحاكم، وجهان لصورة واحدة.

في هذه الحالة تتسرب الكاريزمية من الحاكم الى اتباعه، ويفقد المقدس معناه ومغزاه. ينتقل إلى الحاكم وشعبه، يرتفع هذان إلى مستوى المقدس، يكتسبان عصمة غير مبررة في مذاهبهم إلا للأمة بجماعتها. تنحصر الأمة الكبرى في الجماعة العصبوية وحاكمها بها حيث لا يدركون، يصبحون خارج دينهم. يصير الدين بعضا من فصائلهم المستحدثة.

تعني السياسة في بعض وجوهها الصراع من أجل الوصول إلى السلطة. تبقى مسألة شكلية ما لم تنتقل إلى المضمون المتعلق بإدارة المجتمع، قضايا المجتمع. تناقضاته. صراعاته الداخلية والخارجية. موارده ومنتجاته، قواه الاجتماعية، صراعاته الطبقية، الخ… كل ذلك يعطي السياسة مضمونها الذي لا بد منه. السياسة نوعان: صراع على السلطة وصراع على إدارة المجتمع. النوع الثاني هو السامي وهو ما يعطي المجتمع قوة لا بد منها، قوة في وجه الخصوم الخارجين كما قوة في وجه الحاكم. السياسة بمضمونها كإدارة للمجتمع تعطي المجتمع قوة في مواجهة الحاكم وتجعل من الديموقراطية شكلاً تمثيلياً فعلياً. لا معنى للشعب إذا لم يكن كياناً مستقلاً يواجه حاكمه، الذي يديره، ويجهد في ذلك ويخاف كل يوم من المحاسبة.

الحاكم المتماهي مع شعبه يوصل الحال إلى الفاشية. الكل يصفقون على نغم واحد، يشتركون في رؤية الأعداء والأصدقاء، يحيلون الخصوم على المذبحة أو العزلة.

الثقة المتماهية مع الحاكم تخوله اكتساب نوع من عشوائية القرار، عشوائية لا يتمتع بها إلا الطغاة. يصير الحاكم طاغية ولو كان منتخباً. يصير فوق القانون. يحيل القوانين إلى ألعوبات يحولها كما يشاء ويطبقها على من يشاء. فاشية السلطة منتخبة في معظم الأحيان، لكنها ليست تحت القانون بل فوقه. هي حصيلة زهو المجتمع بحاكمه، ليس فقط الثقة به، بل اعلاؤه إلى ما فوق ما يرقى إلى الشك.

الفضل شلق  – السفير